الجمعة، 21 مارس 2008

أنا وهو والعَلَم


أنا وهو والعَلَم


لا تذكرني بمن أنا ، فأنا أعرفني تماما ، كلما التقت عينانا أحس بعينيه تصر أن تذكرني بماض كنت عليه ، ماض تناسيته وأصررت أن أنساه .
قابلته أول مرة وقد أمسكت العلم هاتفة : تحيا مصر .
لم أكن بمظاهرة أنادي بالحرية وقت الاحتلال أو حتى الآن ، وإنما كنت لتوي خارجة من استاد القاهرة الدولي بعد مبارة هامة فاز بها منتخبنا الوطني .
فصل العلم بين وجهينا في زحام هو الأصعب والأشد .
تعلقت عيناي به ، وشدتني نظرة الإعجاب بعينيه .
ألوان علم مصر الأسود والأبيض والأحمر ، ثلاثة ألوان لكل منهم أثرا كبيرا في نفسي ، كم كنت فخورة بي وأنا أقف في ثباتٍ وجرأة في منتصف فناء المدرسة أُحيي العلم كل صباح ، للعلم مكان لا يُخطئه في قلبي .
كانت أيام ، ويوم كنت أحيي العلم هاتفة تحيا مصر كنت أهتف ......... ما علينا ، لا أريد أن أتذكر ذلك .
في ذلك اليوم ارتبط وهو بأجمل قصة حب تحاكي عنها كل من يعرفنا ، وفوجئت أني وهو زوج وزوجة .
سريعة أيام عصرنا .
- صباح الخير يا سماح .
- صباح الورد يا حبيبي .
دخلت وأشرف دنيا غريبة كنا من أشد المعارضين لها ، اصطدمنا بالأيام بشدة ، واقع مرير استحق أن أمسك بالعلم حينها وأصرخ : أين أنت يا مصر ؟
ولكني من أجل عيون يوسف الصغير ، تعلمت الصمت ، وصنعت له لفافات بالعلم .
وودعت ماض كنت فيه سيدة نفسي .
أشرف يبذل الكثير من أجلي وأجل ولده ، يدور في رُحى لا تكف ولا تهدأ ، يعود كل مساء حاملا همومه وتعبه ، يلقي أحيانا بحمله في حضني ، وأحايين كثيرة لا يدعني أشاركه يظن أنه بذلك يرأف بي ، ولكني أحسه .
كل يوم الحياة تزداد جشعا ومطالبها لا تكف ، ولم أعد وهو ويوسف صارت هناك ضحى ، لم نعد نذهب لحضور مباريات أو حتى ندخل سينما ، اختفى العلم .
وبات عليّ كل يوم أن أقول : عمار يا مصر .
وأودع زوجي لدى الباب بابتسامة تعينه على ما هو فيه .

رباب كساب

الخميس، 13 مارس 2008

رحلة ليلية


رحلة ليلية


قد قارب الليل الانتصاف ، حين خرجت إلى شرفتها تاركة صدرها يستقبل نسمات تلك الليلة اللطيفة . دخل الهواء نقيا منعشا أرادت استبقاءه في داخلها إلا أنها لم تستطع ، فسارعت بطرده واستنشاق غيره بسرعة شديدة ، رغم أنه لن ينضب .
كانت رأسها تضج بكثير من الفِكَر التي لا تكف عن لكزها كل حين ، إلا أنها قد أخذت عهدا مع نفسها أن تصمت ، وألا تبوح بأي شيء ؛ لن تدون كلمة ، ولن تكتب حرفا ، ولتصمت أيضا تلك الأفكار العابثة التي تجعلها ترفل في سرابيل من الألم كلما تذكرت تفاهتها .
- تفاهتها !!!!!
توقف عقلها برهة أمام الكلمة وانطلق بسؤاله الذي يحاول به نسف تلك الإهانة التي وصمت بها عمله ، أما أفكر به تافها ؟!!!!!
كانت وكأنها تحاربه ، دخلت معه مبارزة لن يخرج منها إلا فائزا واحدا . إنها تقوده للجنون كلما رفضت أن تخرج ما به من أفكار حتى صار قدرا يغلي ، تزيد حمم الأحاسيس والمشاعر والدوافع بداخله ولا تحس به ، لماذا تعامله هكذا ؟
سؤال آخر انطلق منه عَبر قلبها عله يستحلفها أن تجيب ، حتى صدرها الذي يعب الهواء عبا صرخ بها وقال ليس هذا هوائي ، ولا تلك النسمة التي تصافح عظامي هي الحياة بالنسبة لي .
- حتى أنت !!!!
كل ما بها أراد أن يتنفس وهي أبدا لا تريد ، تتشبث بالموت حتى النهاية ، تمنع أسباب الحياة حتى أوشكت على الاختناق .
لازالت بالشرفة وقد قاربت الساعة أن تدق الثانية من صباح اليوم الجديد ، حين شعرت بيد تربت على كتفها ، تملكها الرعب فهي وحدها مَن هذا الآتي ؟
التفتت بغتة تنظر إليه ، لم تصدق عينيها أحقا أنت ؟!!
سيل من الدموع المحبوسة قد انطلق وهي تدفن رأسها بحضنه الذي افتقدته كثيرا ، أحقا أنت ؟!
لم تكن تكف عن ترديد السؤال .
مَسَّد شعرها المهوش بيديه كما كان يفعل دائما ، ثم حمل وجهها على طرفِ سبابته لينظر لعينيها المغرورقتين بالدموع وقَبَّل جبهتها فعادت لتدفن رأسها بصدره مرة أخرى .
حملها معه وقد فرد جناحيه ، حلقا معا في سماء المكان وهي فرحة منتشية ، شعرت بخفتها كلما صعد بها لأعلى ، أجلسها على كتفه ، طار بها من مكان لآخر قاصدا دنيا بعينها .
دخل بها حواري وأزقة ، أحياء ما هي بحية ولا سكانها بناس .
سألته مندهشة : أين نحن ؟ من هؤلاء ؟
لم يجب ، بل ملأ عينيها وعقلها بمشاهد ، ومشاهد فرضت ذاتها ، واصل اندفاعه وطيرانه من واد إلى آخر ، ومن مدينة إلى مدينة ، ومن قرية لأخرى .
وهي تواصل تعبئة عقلها الذي كَفَّ عن الاستيعاب ، وقلبها الذي اعتصره الوجع ، وصدرها الذي لم يعد يدخله هواء .
رحلة طويلة كان فيها البراق ، ولكنها لم تكن برسول ؛ كانت أضعف من تلك المهمة التي أوكلها لها ، سألته لماذا ؟
لم يُجب ، فقط أعادها لشرفتها مرة أخرى ، قَبَّل جبينها ، وانطلق من حيث أتى مبتعدا بأقصى سرعة .
نظرت لساعتها وهي لا تصدق ما حدث ، أكانت تلك الرحلة خارج حدود الزمن ؟!!
عقارب ساعتها تشير إلى الثانية صباحا .
لم تكن تدري ماذا تفعل ، فَجَّربداخلها بركان انطلقت حممه بلا توقف ، تصاعدت حتى فمها ألهبته ، وكذا عقلها ، كما حرقت قلبها ، فسارعت إلى أن تتنفس ،أمسكت بالقلم ، ووضعت سنه المدبب الرفيع الذي تنتقيه بعناية على الأوراق ، تركت روحها الميتة تعود للحياة ، دون خوف أو رهبة .
طرد عقلها أفكاره القديمة ، وعلل الحب المقيتة ، استفاق من مشاهد نشرات الأخبار المعتادة ، تمحور في تلك الرحلة التي وضعته أمام ما لا يتوقع ، وشاهد ما لم يتخيل ، تلك الرحلة التي حَمَّلته أوجاعا ، وخلقت منه سيفا قرر أن يكون محاربا بيد فارس في زمن قتل كل فرسانه .
وحين تبددت ظلمة الليل وبان الخط الأبيض كانت لازالت تمسك بأوراقها تخرج كما من الآهات المحبوسة في صدور من رأتهم .
بعد انتهائها وضعت القلم وتنفست بعمق .
فجأة فتحت عينيها التي أخذت تتجول بالمكان متعجبة ، وشعرت بيديها تنفض الغطاء عنها في روتينية تعهدها باحثة عن الساعة التي أشارت إلى السابعة صباحا موعد استيقاظها اليومي .
رباب كساب
13/3/2008

الأربعاء، 5 مارس 2008

الصفعة

الصفعة

في لحظة اجتث جذوري من الأرض ، دفعني لخريف لا بعده شتاء ، لم أسأله ماذا تفعل بي ؟ لم أبك ، لم أتذمر ، لقد هزمني ، استسلمت .
صفعته كانت سكيناً أنهى به عمري .
قوانين ........ قرارات ............ أعراف ...........أوامر .
كثير من تلك القاف ، وهذه الألف ، وعشرات من الوجوه المألوفة ، والكلمات المحفوظة .
القرار رقم ........... لسنة ...........
ذلك العام الذي قررت فيه أنا أن أكون .........
لم يدعن أكون ، وقف لي بالمرصاد معهم ، خلف حديد الشباك سجنني وحبس رغباتي ، قِفْل الباب لم يمنع أفكاري ، عقلي لازال يعمل بكامل كفاءته .
القانون . ........... الخاص بـ ........
لم أعد أهتم بأي قانون ، خارجة عن المألوف ، وعن القوانين ، لا يعنيني إلا كل ما يهز عروشهم ويقض مضاجعهم .
تلك النظرات النهمة ، والأيادي المتطاولة لم تحرك فيّ شعرة ، لم يصيبنِ الخوف وأنا على طاولة أحدهم مدرجة في لحظة عبث لم أخترها .
بكى قلبي لحظة تذكرته .
في تلك الزنزانة احتويت بعضي أفكر ، تركوني لأعتبر .
- من الممكن محو جريمتك كأن لم تكن ، فكري .
لماذا الآن تركوني لأفكر ؟!!!!!!
اشتقت إليه ، إلى ذلك الحضن الدافئ والأيام المفعمة بالحب ، لكم أفتقده ، ولكنه تخلى عني يوم واجهته بالحقيقة .
الجميع يخشى الحقيقة حتى هو .
أخشى الموت دون رؤيته في وداع قد يكون الأخير .
ألسنة تلعق ما قد تبقى من طُهر ، وأيادٍ تدنس وجه البراءة ، وأعضاء تخترق ما بقى من عفة .
لكم أنتِ مكلفة أيتها الــ ( لا ) .
لست قديسة ولكني عاشقة .
ترن كلماته بأذني ، تخترق كل أوجاعي ، تزيد همي ، بعد أن صار واحدا من همومي ، حواراتي معهم كلها آهات .
- الحق معنا ولنا .
- حق مزعوم .
- آه ............ آه .
طعم الدم في فمي لا يفارقني ، رائحة الموت تزكم أنفي ، شبح النهاية يخيم على المكان .
- لقاء وداع ، لا أريد غير لقاء وداع ثم افعلوا ما تريدون .
ضحكات استهزاء ، نظرات سخرية ، تحرشات تنهي كل الكلام .
رغبتي ملحة .
احتضار ، موت قريب يلاحقني .
- نحن نفعل ما نريد دون أي شروط أنت بين أيدينا .
- أعلم ولكن ............
عبرت جفني دمعة أسكتتهم قبلي .
طأطأت رأسي لأول مرة ، ساد الوجوم ، ماتت الضحكات على الوجوه ، اكتست العيون بدهشة أعرف سببها .
حين جاء عدوت نحوه بكل ما أحمل من شوق ، بارد ذلك الحضن الذي اعتدت دفئه ، نظرات ساخرة هدمت كل حصوني وأضاعت كل ما تبقى لي من قوة ، وصفعة عقاب على شرف ضائع .

رباب كساب
4/3/2008

الثلاثاء، 4 مارس 2008

لقد ماتت

لقد ماتت
نَظَرت إليها بعين متفحصة ، أترقب أنفاسها اللاهثة وعيونها الغاربة وأتعجب ، ففي أوج الانتصار تحتضر .
قالت لي : لا تقلقي عليّ لازلت قوية .
ضحكت ساخرة فأي قوة تدعيها وهي تجاهد لتكون . بقيت على صمتي وأنا أراها لازالت تتحدى وتصر على وجودها وتواجدها .
**********
موظف يحصل على مكافأة لإعادته حقيبة بها مائة ألف جنيه عثر عليها !!!!!!!!!!!!!!

**************
هتف بي صائحا : هيا تعالي لقد حان الوقت .
التفت إليه قمت متثاقلة تاركة إياها تواصل احتضارها قد أعود أجدها ماتت ، إن لم يباغتني موتها هناك .
خرجت معه تأبطت ذراعه . سرت إلى جواره . أميل ناحيته حتى كادت رأسي تلامس كتفه متساندة عليه .
قال : أمتعبة ؟!!! اليوم لا تعب . إنه يومك . هذا ما انتظرته طويلا .
التقى عيني المبتسمة وواجه صمتي ومواصلتي الاستناد عليه .
**********
انظري للصحيفة قتل أباه لأجل عشرة جنيهات !!!!!!!!!!!
************
أحسها الآن ، لقد وصلت أنفاسها للنهاية ، توشك روحها أن تفارقها للأبد ، أشاركها موتها .
****************
وقف أمام عيادة الطبيب ـــ ذلك الذي أوصوه به فهو الخبير الوحيد بحالته ، قد لا يكون الوحيد ولكنهم يعرفونه ـــ حائرا متوجعا .
راتبه لا يكفي ثمن الكشف والعلاج ، أكيد سيطلب منه تحاليل وأشعات ، من أين له كل هذا ؟!
التفت عائدا !!
**********
باتت على وشك إنها في انتظار اللحظة الحاسمة بقى لها القليل وتنتهي .
************
وقفت أمام الناس أرسم على وجهي ابتسامة أعرف أنها شاحبة . فمن أين تتوهج وبداخلي خواء ، وإحساس بالنهاية ؟
سمعت مديحهم لي ، تسلمت شهادة تكريمي وجائزتي .
رأيت في عيونهم الزهو والافتخار بي أنا الشابة المتفوقة .
هبَّ من مقعده واقفا يصفق وأنا آخذ الجائزة ، أخذ يصفق ويصفق حتى بعد أن كف الناس .
إنه أشد المؤمنين بي ، كافح معي كثيرا كان سعيدا بشدة لأجلي .
ليلة أمس بذل أقصى جهده ليظهر لي مدى سعادته بي وبنجاحي . لحظات عشق مطولة ، كنا في أوجنا أمس ، لم نكن يوما هكذا .
***********
انظري لحوادث اليوم ذبح أمه وهي تصلي لرفضها زواجه !!!!!!!!!
**************
احتضارها يؤرقني ، أعلم منذ مدة أنها سوف تموت ، عاجلا أم آجلا ستموت .
كل الأحوال كانت تنذر بموتها عما قريب ، ولكن لماذا الآن ؟!!!!! كان هذا هو السؤال !!!!
تركتها على أعتاب عقلي ومضيت بيني وبينها خطوة ، وبينها وبين الموت خطوة .
******************
الناس تشكو عدم وجود الماء !!!!!!! في بلد النيل يفتقر الناس الماء !!
**********
قلت في الحفل كلمات أدركت من نظرات الناس أنها غير مرتبة ، حمل لي وجهه تعجبا ودهشة عرفت منها أني أفسدت حفلي . لم أكن أعي ما أقول ، رغم أنه ألّح علي أن أعد كلمة ولكني صممت على الارتجال .
************
مظاهرات واحتجاجات ، كثيرا ما أتاني وقد مُزقت ملابسه ، تملأ الكدمات جسده ، أثار هراوات عساكر الأمن على جسمه ترسم لوحة تباينت ألوانها .
علامات الألم على وجهه وأنا أمرضه أعلم أنها لا شيء إلى جوار ألمه الداخلي ، فصوته لا شيء .
************
لم يكن يهمني الوضع بقدر ما كان يعنيني موتها ، أنهيت كلمتي عدت لأقف وسط المكرمين ، عيني لا تتطلع إلا له تعانقه وعلى شفتاي مذاق قبلات الأمس ، وبين ذراعي إحساس بأنه لازال يعانقني عناق الأمس ، كل ليالينا كانت في أمس .
*************
ماتت . في تلك اللحظة التي نزلت فيها من على المنصة علمت أنها ماتت ، شممت رائحة الموت تغزو المكان ، جلست إلى جواره أتابع فقرات الحفل .
ضغط على يدي الباردتين في محاولة لطمأنتي أو لتهدئتي لا أعلم ماذا يشعر حيال ما أعاني .
*************
جاءني يوما وكان من الواضح أنه قادم من مظاهرة كعادته ، إلا أنه كان صامتا ، منعني أن أضمد جرحه تلك المرة ، اعتزلني والحياة ، سكن سريرنا لم يبرحه .
كنت أعرفه حين يتضايق يرفض الحديث حتى يتكلم وحده ، تركته وقلبي يتمزق خوفا عليه ، لم أره مرة واحدة هكذا .
الكثير والكثير من المظاهرات خاضها كان معي يريد التغيير ، لا شيء أسوأ مما نحن فيه . لم تكن أولى المظاهرات ، ولا أولى الضربات ، ولا أول وجع .
***********
لا أحد يدرك أنني أودعها ، أودع أمنياتي وأحلامي بغد أفضل ، لم يعد أحد يسمع .
لن يستقيم الحال إلا إذا تغيروا ، خذلوني فهم لا يسمعوني ، كرمني من سمعني ، ولكن ما بيدهم شيء كلنا في نفس الطوق .
البعض يقول كرموني لأنهم يجاملوني ، سمعتهم . فكيف وأنا ضدهم يكرموني ؟!!!!
*************
صمته يمزقني لم أعد أحتـمل ، ماذا جرى ؟! ماذا حدث ؟ من غيري يحتويك ؟
نظر لعيني ، بكى ، بكى في حضني كثيرا ، ما بيدي شيء .
قال بعد وقت طويل تنازعتني فيه أفكاري ومزقتني آلامي : صفعني على وجهي ضابطا في مثل عمري .
ما عنت لي ضربات هراوات العساكر وخيزراناتهم أي شيء ، فقط تلك الصفعة وهذه النظرة الساخرة في عينيه ، من أكون ؟ ماذا أساوي ؟
*************
كان عليها أن تموت كل أمنياتي المدعية القوة . كان عليها أن تموت .
بعد كل ما حدث وما يحدث تخليت عنها ، عن وهبها القوة ، اخترت لها هذا اليوم لتنهي احتضاراتها المؤلمة ، لتدفن في أعماق أعماقي حتى لا أفكر يوما بإخراجها .
فلقد ماتت

رباب كساب
16/7/2007


الثلاثاء، 26 فبراير 2008

امرأتي الجديدة


امرأتي الجديدة

انطلقت مني الكلمات كسيلٍ لا أعرف سبيلا لإيقافه ، بت أتحدث وأتحدث ، تخليت عن مكر الأنثى ، أردت أن أكون أنا بطبيعتي ، تلك المرأة الطفلة الطيبة القلب التي لأولِ مرة تجرب ذلك الشعور الرائع ، إحساس غريب يتغمدني يشملني وكأني واحدة أخرى لا أعرفها ، امرأة جديدة عَليِّ ؛ ترى الجمال في كل شيء ، امرأة لا تذكر سوى تلك اللحظة التي عرفت فيها معنى الحياة ، والابتسام السعيد ، والفرحة التي تغمر القلب .
لي يومان أستعد للقائه .
تطلعت لوجهي في المرآة وجدت فتاة غيري ، لم أكن أعرفها ،وجه أكثر بهاء وإشراق ، عينان لامعتان ، شفاه تكاد تصرخ من توهجها ، لم يعد وجهي باهتا ولم تعد عيوني ذابلة ، لم تعد لامرأتي القديمة أي وجود يذكر .
لم أعرفني .
لا ضير إنْ كنت أتكلم وأبوح بمشاعري لمَ أكتمها وأخفيها انتظارا له حتى ينطق أولا ، ليس مهما أن ينطق المهم أن أنطق أنا للمرة الأولى وأصرخ وأنادي وأقول أنا ..................... أحب .
يا له من شعور ، ويا لها من أحاسيس تلك التي تغمرني حين أسمع صوته ، وحين أنطق باسمه ، وحين أتغنى بأغنية تذكرني به .
( كل الناس حلوين في عينية حلوين طول ما عينية شايفة الدنيا وإنت قصاد عيني ) .
( الله يا ست قولي كمان ، غني لي كمان وكمان ) .
عدت بذاكرتي للوراء رغم أني لا أريد تذكر ما كنت عليه ولكني عدت حتى أراني من قبل ، وما أنا عليه لأعرف النعمة التي آلت لها حياتي .
- لم يقل أنه يحبك .
- ليس مهما المهم أني أحبه .
أعرف أنه لازال يبكي على أطلالِ ماضٍ ولى ، أليس هو القائل :
يا طفلتي ..
أنت التي ..
علمتِني فنَ الهوى ..
وجعلت ناركِ جنتي
يا حلوتي ..
يا أجمل ما رأت عيناي ..
يا غدي الحلو الفتي
الصبُ تفضحُه عيونُه وأنا ..
كل الجوارحِ تستبيحُ فضيحتي

أعلم هذا ، لازال يعتبرها غده ، لازالت جوارحه تشتاق لها .
ولكني أعلم أنه سينسى وسيدخل جنتي ، أعلم حتى وإنْ لَمْ يأتْ ؛ كفى ما أحس به لأعيش ملكة متوجة .
- ملكة بلا مَلك أو حتى مُلك .
- يكفيني مُلكي الذي بنيته ولو في الخيال .

إلا أني أتناسى مُلكي وعرشي فأنا الآن طفلة أحبو في الغرام ، صوت الحبيب يورد وجنتي خجلا ، وأنا الجريئة المقدامة ، أقف في المحافل وأتكلم ولا أخشى أحدا ، فإذا بصوتي الجهوري في حضوره همسا وإذا بالقلب الجريء في حضرته طفلا .
لا أبالغ إن قلت أني أسعد بطفولتي هذه ، وبشخصيتي الجديدة .
فأنا للمرة الأولى لا أجدني مسئولة هذه المرة أنا أسعد الناس بكوني منقادة لا قائدة .
- الناس قد تأخذ عليك هيامك بمن لا يحسك ولا بك يشعر ، بل ويحب سواك .
- وما دخل الناس بغرامي ؟ أنا وحدي مَنْ أحمل على عاتقي مسئولية هواي ، وأنا التي تعرف منذ البداية أنه لم يعدني بشيء ، أنا التي وقعت في غرامه .

تراهم كانوا معي وأنا أتقلب على جمر وحدتي ، وأنا أرى قلبي الفَتيّ يشيب قبل أوانه ، وأنا أراني أذبل يوما بعد آخر.
كانوا أين و المرار يملأ فمي وغصة حلقي لا تنتهي .
اتركوني اليوم بسعادتي والحمد لله أني لست بملكةٍ حقيقية ، ولست الملك ادوارد الذي تنازل عن عرشه من أجل مسز سبمسون .
أنا ملكة على عرش خيالي ، ورعاياي تحت إمرتي ما آمرهم به يفعلونه دون نقاش ، ديكتاتورية في حكمي ، ولكني أَمَةٌ في هواه ، تُراه يأمرني ؟
آه لو أمرني ! في تلك اللحظة سأختبر شعوري بكوني أمة ، جارية في محرابه ، لازال يعاملني من بعيد .
لو اقترب حقا لتركت له زمام الأمور ، سأتعلق بذراعه وأتحامل عليه ، سأترك نفسي يحملها مركب الهوى ، لتتهادى على موجه الرائق ، وأنسى معها من أكون .
إلا حقا من أنا ؟!!
هل أُعّرفَ نفسي قبله ؟ أم بعده ؟
أنا صرت امرأتين لكل منهما تعريف مستقل .
هل أعرفني ؟!!
سؤال يتردد في داخلي ، من أنا ؟
أنا التي في الحياة وريقة على شجرة تعاني خريفاً دائماً ، يوم تساقطت حملها الهواء من مرفأ إلى مرفأ ولم تستقر .
أنا دمعة متحجرة في مآقي لم تعرف غير الأحزان طريقا .
هذا أنا قبلا .
بعده .
لا داعي أن أجيب فدع تلك الدمعة الفرحة التي تحفر وجنتي برفق وهوادة تخبرك ، دع انطلاقي يقول من أنا ؟
اتركوني الآن ولا أسئلة ، دعوني استعد للقائه .

(2)
كانت تلك البداية بدايتها معه ، بداية نسجت حروفها حرفا ... حرفا بإبرة رفيعة جدا أرهقتها أيما إرهاق .
استطاعت انتزاعه من براثن حب كان عليه مسيطرا رغم أنه كان عنه بعيدا ، حبا توارى مع الأيام ومع الزمن إلا أنه يسكنه .
أيسكنه لأنه أراده ؟! أم لأنه لا يود الحياة بلا شيء يشغله ؟
لم يشغلها انشغاله بغيرها ، كل ما همها أن تنتزعه من الوهم ليدخل معها في وهمها .
كل التحذيرات باتت بلا معنى أمام العشق الرابض داخلها له .
عشق !!! أي عشق ؟!
هل بحق كانت عاشقة ؟
لا أعرف لماذا اعتبرتها واهمة .
منذ هذه اللقاءات الأولى وأنا أراها واهمة ، بت أرقبها من بعيد أرى تطورات اللعبة التي دخلتها وأدخلتني معها فيها ، وكيف لا أدخل ؟!
كانت على مشارف الثلاثين حين التقته للمرة الأولى .
المرة الأولى لهذه الكلمة سحر غريب ؛ دائما هناك مرة أولى ، لابد من بداية لكل شيء ليس هناك نهايات بلا بدايات .
المرة الأولى تلك التي وقعت عينيها عليه ، بادرها التحية وجلست إليه في صحبة أغلبهم كانوا يلتقون للمرة الأولى .
مرة أخرى المرة الأولى .
أصدقاء اتفقوا على اللقاء صحبوا معهم بعض أصحابهم كان غريبا عن الناس ،وكانت هي كذلك ، أقحمتها صديقتها وسط جمع لا تعرفه وكان بينهم لا يعرف غير صديقه الذي أتى معه .
انسحبا بالكلام بعيدا تضافرت مواضيعهما ، تناثرت الضحكات ، تعانقت العيون أو ظنت أنه بادلها العناق .
لحظة صمت تأملته فيها ـ انتبهت لعينيها التي مزقته تمزيقا فشعرت بالخجل ـ كان عن وجهها بعيدا ليلتفت فتصدمه بوجهها المشع احمرارا ، إلا أنه صمت ولم يتكلم .
لم تعطه الفرصة ليسأل ، بادرته بسؤال من أسئلتها كانت لعبتهما الأوراق والأقلام .
يتخذون منها أكثر من تسلية ، اطلع على كتابها فر بعضاً من صفحاته ، انطلق على الكلمات بعين نارية مترصدة ، عدا على الحروف والعبارات عدوا ، توقف لدى بعض العبارات سألها : أتحبين ؟
باغتتها المباشرة .
فأعاد تكرار السؤال ونظر لها نظرة متعجبة فهي بدت كمن تبحث عن إجابة .
بادرته بجملة قرأتها في رواية أحلام مستغانمي ذاكرة الجسد نحن نكتب الروايات لنقتل الأشخاص الذين أصبح وجودهم عبئا علينا نحن نكتبهم لننتهي منهم .
- إذاً كان هناك ثم مضى ؟
- لا أستطيع القول بأنه كان حبا ، قل أنه كان وهما ثم مضى .
تمنت لو قال مثل بطل أحلام : يا قاتلة ، إلا أنه لم يقل .
في تلك اللحظة فقط أدركت أنها لا تود قتله ، إنها تبغي حياته واقتناصه لنفسها ، عاجلته بمثل سؤاله .
لعن الحب ، ويوم أحب ويوم تلقى الطعنة الأولى .
- أخذها من يملك مالا وسلطة .
- نفيت واستوطن الأغراب في بلدي .
- نحن الغرباء .
قالها مع زفرة أوجعتها ، خرجت محملة بآهة عشق مأفون لامرأة باعت هوى سنين وسنين .
وَجَدَته كمن عاش يبني صرحا وحده طوبة ....... طوبة يحملها على كتفه ، حتى صار بناءه كاملا فإذا بآخر يهدمه مرة واحدة فهذا ليس عصر المعاول وإنما عصر البلدوزرات .
غيّر الموضوع في ثوان معدودة انطلقا للحديث عن عمله وحين تطرقا لعمله الصحفي نسى كل شيء ، بات به حزن آخر حزن مشمول بالقهر على مستقبل بلد بأكمله يسير نحو هاوية سحيقة ، ومستقبل وطن شاسع يضيع تحت أحكام حكامه الديكتاتورية من جهة ،والسطوة الأمريكية من جهة أخرى ، صار كمحارب متخذا من قلمه سيفا .
وبدا كتلة من الحزن الدائم ، الذي هو من الصعب جعل صاحبه يشعر بالفرح ، غابت في عينيه الحزينتين .
الوقت مر معه كما لو أنه نسمة عبرت مست وجهها ومضت مسرعة .
الانترنت والحديث اليومي عادة لا يقطعها إلا رغبتها الأكيدة في النوم فهو يدخل في أوقات متأخرة ، استسلمت لموعده رغم أنه يرهقها ، صارت تعد اللحظات حتى تلقاه عبر الشبكة الالكترونية .
لكنه أبدا لم يصرح لم يقل أي شيء إنه يباغتها بأحداث هوى تملأ حياته ، يسير بمنطق داوني بالتي كانت هي الداء ، وفي كل مرة يفشل الأمر ،ويخرج بوجع بالقلب .
- أواه يا قلب لم كل صبر السنين يذوب أمام هذا الرجل بالذات ؟ هكذا ظلت تردد منذ عرفته .
أعقاب على ذنب اقترفته ؟ أم على كل الذنوب التي اقترفتها على طول عمرها وعرضه ؟ في سنواتها الثلاثين أجمعين .


( 3 )
كل يوم تتكشفه أكثر إنه يفتح لها طريقا شاسعا لحبه ، بالرغم من أنه يحدثها عن نفسه ، عن محبوبتيه ، لا يدري أنه يمسك سكينا بها يطعنها طعنات قاتلة ، تنفذ شيئا فشيئا إلى قلبها .
لكم أشفقت عليها وهو يقول أنها تجري في دمه ـ حبيبته الأولى ـ أغمضت عينيها وضغطت على حروف لوحة المفاتيح بكلتا يديها .
هي في موضع الصديق الذي يلقي ما في جعبته معه ليس إلا .
هي تعلم لا يجب أن تتذمر .
لا أنكر وجعي من أجلها ، رغم أنها تنكر وجودي ، وتقحمني معها في كل شيء .
الغد . بماذا سوف يأتي ؟ كل ليلة أراها تتقلب في فراشها ، كما لو كانت في قلب الصحراء تفترش رمالها في نهار شديد الحرارة .
استيقظت ذات يوم تنادي باسمه .
لحظتها بكيت عليها ، وقفت أمامها أنهرها ، حالها أوجعني ، أَبكَى دمعي العزيز ، إن هذه المساحيق التي تزين بها وجهها كما المشارط تجرح وجنتيها وتدعي أنها تواري بها بعض شحوبها .
لم تعد هي .
تدعي أنها صارت امرأة جديدة ، هي فعلا كذلك ، إلا أنها امرأة خلقت العذاب لنفسها .
ذهبت للقائه .
عادت ترسم البسمة على وجهها .
تتخيل أن بإمكانها خداعي ، قرأت سطور ملأى بحبيبتيه على وجهها ، أَوَ تذهب له لكي يحدثها عنهما .
تجذبه ليحكي عن عمله هي تعلم أنه في أصدق حالاته حين يكون العمل محور حديثه .
ولكنه يعود بها إليهما .
عَرَفتُ كم المعاناة والحزن حين جلست تزين الصفحات البيضاء بحروف أوجاعها ، سالت الدمعات منها جياشة على نهر صفحتها ، اختلطت بحبر الكلمات .
تركتها تبكي .
لم يكن بإمكاني التدخل فيما أرادته أكثر من هذا ، لقد ملّت وضع الصديق الذي يفضي له بكل ما في جعبته .
أرادت لو تسأله هل لك صديقات غيري لأغار منهن مثلما لك محبوبة تحبها وأخرى تحبك ولا يمكنني أن أغار منهما لأني صديقة ؟
إنه يقول وهي تسمع ، إنه يحكي وهي تنصح وتداوي ، ولا يعرف كم أن مداواته تجرحها ، وتؤذيها جل الأذى .
تركت الدمع الغزير ينسال عله يخفف بعض الوجع .
كان هذا الصباح الجميل بلقائه الأليم بكلماته ما سبّب أن يلتاع قلبها ، بدا لو أنه يتلاعب بها وبمشاعرها ،هكذا أحسسته أنا .
اتفقا على لقاء آخر ، وقفت قليلا أمام المرآة تحاول أن تخفي علامات البكاء ، وذلك الوجه المجهد ولم تدر ماذا تفعل ؟
حاولت أن تنتقي ثوبا فجأة كل الأثواب تشابهت .
هل من الممكن أن تلقاه عارية كصورتها هذه في المرآة ؟
إن كل جزء منها يصرخ ، كل قطعة فيها ثائرة تتحدى ؛ أليس هناك من يفض بكارة هذا الجسد الثائر ، يعلق به لا يتركه يكتشف جمال تلك المعزوفة الصائمة الصامتة ؟
لم تفكر يوما في هذا ؛ لماذا الآن ؟!! لماذا هذا الرجل هو من أرادت أن يستبيح حرمة جسدها دون تردد أو خوف ؟
هل لأنها صارت تراه في كل شيء على صفحات الجرائد والكتب أمامها في كل وقت ، كلماته وصورته وصوته ؛ لقد كادت تموت أكثر من مرة وهي تعبر الطريق ، كان أمامها ، فلم تر السيارات التي تعدو أمامها ، باتت كلماته التي يكتبها أمامها على صفحة شاشة الكمبيوتر تشغلها ، تتغنى بها ، وترددها ، صرت أراها تضحك وهي في الشارع تسير وحدها ،أو حتى مع أحد ، لم تعد تسمع ما يقوله الآخرون ، لأنها لا تسمع سواه .
لم تعد تعلق على أي كلام لأن ما تقوله لن يكون إلا ردا على كلماته لا على محدثيها ، جُنت بهواه !
وصلت حيث كان ، تَعَجَّبَها !
بانت له كما لو كانت خارجة للتو من قبرها ، شاحبة باهتة ، مساحيق الوجه عجزت عن إخفاء حالتها ، ولا الدموع التي تلمع رغما عنها في مآقيها ، تلك الابتسامة المصطنعة ، كانت مكشوفة له ، سأل ، لم يلق إجابة ، ألح في السؤال ، لم تجب .
ماذا ستقول له ؟
جلست تستمع له ، جاءته وهي تعلم مسبقا ما سوف يقوله ،لكنها وافقت على اللقاء لتراه ، لتشبع جوعها لمرآه ، لتمزقه بعينيها مرات ومرات كما لو كانت تتخذ له صورا ، بات لديها صورا كثيرة في كل المواضع والحركات تصلح لمعرضٍ لرجل في كافة حالاته .
الآن صار لديها الكثير من الانطباعات عنه ، تعرف شكل ضحكاته العديدات ، أسلوبه في تدخين سجائره ، كان يتلذذ بها وهي بين شفتيه في عناق ملتهب جعلها تتمنى لو أن هذه السيجارة شفتيها .
وكذلك تلك السيجارة المحظوظة بين أصابعه ويده تتحرك بها يمنى ويسرى فيجعلها الهواء تشتعل ويزيد رمادها توهجا ، كما يجعلها مرآه في توهج مستمر .
آه أيها العشق المأفون ! لم تكن تتخيل أنه سيكون لرجل ما مثل هذا التأثير عليها .
يده الأخرى الممدودة على المنضدة في سكون لماذا هي ساكنة ؟
لماذا لا تمتد ليدها تحتضنها ، أو حتى تسير بهدوء فوق وجنتها وملامح وجهها .
لم يكن ما تعاني من وجهة نظري غير شبق محموم ، ورغبة آسرة فشلت في أن تحكمها .
صارحتها بمكنوني هذا ، تعجبت وقالت : وما فيها لو رغبته ، ولكن لماذا لم تسألي نفسك لماذا هذا الرجل دون غيره ؟! لقد مَرّ عليِّ عشرات الرجال لم يحرك فيّ أحدهم قيد أنملة ، أليس سؤالا ؟!!
شعرت لا أنكر بأنها على حق ؛ لقد كنت معها في كل حياتها ، وفي كل ما مر بها ، لم تُجن إلا في هذه المرة .


(4 )
في هذه الأثناء عرض عليها العمل ، بالإذاعة المصرية لتقدم برنامجا أدبيا في البرنامج العام ، فرحت به كثيرا ، وفرحت أنا أيضا بذلك ، اعتقدت أنها سوف تنشغل عنه بكم الأعمال التي تقوم بها ، فإذا بها تصدمني .
قلصت ساعات نومها ، ضغطت كل شيء حتى تجد وقتا له ولمحبوبتيه ، ثرت عليها اشد الثورة ، واجهتها بضعفها وبعجزها حتى أن تشده إليها بعد كل تلك اللقاءات والأحاديث ، كيف لكاتبة مثلها لم تجد للآن طريقة تجعله يهواها وهي التي تختلق حيوات أبطالها ؟
يا الله . وقفت أمامي صامتة لا تقاومني ، ولا ترد ثورتي ، وكلما رأيت صمتها زاد ألمي ووجعي وزاد حنقي عليها ، هي ليست بهذا الضعف أعرفها ، أنا أكثر من يعرفها .
الكثير والكثير من الكلام قلته ، حتى لم يعد لدي أي كلام .
وبعد أن انتهيت وقفت ألتقط أنفاسي اللاهثة فسمعتها تقول : أحبه .
زلزلتني ، وددت لو احتويتها في حضني ، أو واريتها بعيداً عن كل هذا ، عن الحزن المرسوم على وجهها، الساكن قلبها ، بات عليها أن تتحمله ، وتتحملني أنا العبء الأكبر في حياتها ، أنا هي .
مرضت ، سكنت سريرها بهذا الهوى المجنون المسيطر على كل جوارحها ، أنا السبب ، ضغط عليها فلم تحتمل ، سقطت مني دون أن أدري ، ليتني ترفقت بها ، ليتني مددت يد المساعدة بدلا من تلك الثورة التي لم تحقق شيئا من أهدافها .
كانت تهذي باسمه ، ولا سواي من يفهم ويفسر تلك الحروف التي تنطقها بغير هدى ، محمومة به ومنه .
جاء يزورها ، هي وحدها في المنزل ، حين مرضت حضرت واحدة من صديقاتها ، لتعيش معها تلك الفترة حتى تسترد صحتها .
مثلها مجنونة كاتبة سيناريو ومخرجة تعشق كل ما يتعلق بالفن وكل ما يمس السينما تعدو خلفه .
كم كتبت وشاركتها صديقاتها في تحويل أعمالها لسيناريوهات ، تتنغامان على ذات الوتر، رأسيهما كما لو كانتا خلقا ليندمجا أو يتحدا ، على الرغم من الاختلاف الشديد بينهما كل منهما تمثل امرأة مختلفة .
كاتبة السيناريو (هَنَا ) ما هي إلا امرأة عجنتها التجارب والخبرات ، تنقلت في دروب الحياة ، حملتها بين الكثير والكثير ، عرفت وأدركت الناس مبكرا ، عكسها هي فهي لم تخبر أي شيء ، لم تجرب أي شيء ، كل ما في حياتها مجرد سماع للآخرين أما هي وتجاربها هي ، لم يكن .
كانت ( هنا ) تخشى عليها مثلما أخشى أنا عليها ، كثيرا ما رددت أنها تهاب أن تقع في الحب ، فمثلها الذي بلا خبرات ، يسقط فريسة وضحية ، وحين يحب ، يحب بجنون .
وهذا ما حدث ، وفشلت أنا و(هنا) في جعلها ترتجع ، وها هي مريضة ، وقد جاء يعودها .
استقبلته (هنا ) ، رحبت به ، استأذنته قليلا قبل أن تعود .
عادت وهي تقول : رضوى في انتظارك تفضل .
كانت رضوى مختلفة عن تلك التي يعرفها ، بانت كما لو كانت في النزع الأخير ، تودع حياتها ، جلس أمامها ، تاهت منه الكلمات لم يعرف ماذا يقول ؟
حاولت هي الابتسام لم تستطع فقدت كل قواها .
الطبيب أخبر( هنا ) أنها غير راغبة بالشفاء ، مدت (هنا ) له يدها بكوب العصير أخذه منها ويده ترتعد ، فهو لم يصدق ما يرى وحين أخبرته (هنا ) في التليفون لم يكن يعتقد أنَّ حالتها بهذا السوء .
بدا وجهها المبتسم ابتسامة شاحبة كالموتى ، وانسحبت هي بهدوء لتدخل في عالم بعيد ، أرغمتها عليه الحمى .
عادت لهذيانها ، لم يتفهم ماذا تقول ، الحروف متداخلة ، والأسماء ضائعة .
خرج من الحجرة وهو لا يصدق أهذه صديقته التي يعرفها ، التي شاركته حزنه وفرحه ؟! أهذه رضوى التي تشع أملا وحبا وحنانا ؟!
قال ( لهنا ) : أنا لا أصدق أنها مريضة لهذه الدرجة ، أنا لأول مرة اشعر أني بلا مخلوق في الدنيا ، منذ عرفتها وأنا منها أستمد قوتي وحياتي ، منذ عرفتها والدنيا صار لها طعما آخر غير الذي أعرفه .
- هكذا هي تحمل كل من تعرفهم في طياتها ، وتعطي دون أن تنتظر ماذا تأخذ .
- لم تفكر يوما أن تشركني وجعها وآلامها رغم أني كثيرا ما حاولت ، إلا أنها كانت تجبرني على أن أحكي لها وتساعدني وتلقي لي بالحلول وقفت إلى جواري كثيرا ، وأنا لم أتكبد يوما مشقة أن اضغط عليها لأشاركها متاعبها .
- هي دائما لا تنتظر من أحد أن يشاركها متاعبها .
- أنا أريدها أن تشفى أن تعود .
منذ تلك اللحظة وهو لم يفارق المنزل إلا في أوقات متأخرة بعد أن يتأكد أنها نامت ، استحلفها بالكثير لتستجيب للعلاج ، لتعود له ، حياته بدونها لا طعم لها .
هكذا أخبرها .
رغبته الأكيدة ، جعلتها تستجيب بعض الشيء ، لكنه حين أمسك بكفها بين يديه يستحلفها أن تتمسك بالحياة ، ردت الروح إليها وتدفق الدم في وجهها وجسدها ، عاد لون الحياة لبدنها المتعب .
لحظتها قال : اليوم أنا عدت مرة أخرى للحياة .
بعد أنْ استردت صحتها ، عادت لعملها ، وعاد لعمله .
إلا أن البيت الذي كان عامرا به و (بهنا ) عاد يخلو إلا منها ، ولكنها أخذت عهدا على نفسها ألا تنتظر منه أي شيء وأن وجوده بجوارها كان عرفان منه بصداقتها وما قدمته له .
فهي التي كانت إلى جواره حتى انسحب المخدر من جسده ، تحملت قلقه وعصبيته وكل شيء ، حتى نسى هاتين الفتاتين ، اللتان كادتا تدمرا حياته وحياتها .
حتى جاء يوم وقد وجدته اتصل بها حدد موعدا ليلقاها ووافقت بعد إلحاح منه .


( 5 )
السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة هكذا تعودنا ، لن تعطيني السماء ما طلبت لمجرد أنني طلبت ، وما نحصل عليه بلا تعب وجهد يضيع كما جاء بلا تعب أو جهد .
هكذا افتتحت حديثها معي .
صارت دائما تبحث عن مقدمات لتبدأ بها الحديث معي في أي موضوع بعد أحداثنا الأخيرة، لأن أي موضوع يقودنا في النهاية إليه وهي تعرف وتدرك موقفي ، كلما وقفت أمامي وواجهتني تهرب مني بكلمات وحجج واهية .
ما أود قوله أنها استطاعت أن تحصل عليه ، تلك المجنونة المأفونة فعلت المستحيل لتناله ، احتوت كل ما بداخله من صراعات وآهات ، تحملت خروج المخدر من جسده شيئا فشيئا ، ونوبات صراعه مع المرض المدعو الحب ، وغضبه المستمر الدائم ليسقط صريعا في هواها وحضنها المفتوح ، وإن كنت أشعر أنه امتنان ليس إلا ؛ سيفيق منه ، حتى بعد أن وقف إلى جوارها في محنة مرضها التي جعلته يكتشف أهميتها في حياته .
غضبت مني أشد الغضب ، عنفتني بشدة أربكتني ، جعلتني أشك في إحساسي الذي ما خاب يوما .
وملأني الشك ، وتصاعد السؤال الوحيد في رأسي هل أخطأت ؟ هل كانت هي على حق وأنا ......... المخطئة ؟
بمجرد أن نطق بحبها وأعلن هواه ، لحظة أن قال أحبك .
انتفضت ........ ارتعدت ....... ضحكت ....... بكت ......... رقصت ...... صرخت .
كل هذا في ذات الوقت .
قالت لي أنها به حققت أكبر انتصاراتها ، فرحتها به تفوق فرحتها بأول وليد صدر لها ، فرحة تفوق كل أفراحها جميعا ، هذا لو حسبت كل لحظات فرحها .
كانت تظن أنه لا فرحة تعادل فرحة صدور كتاب لها ، إلا أن فرحتها به غير كل هذا .
فرحة لو لم تحسها لعاشت نادمة بقية عمرها عليها ، لو ماتت الآن لن تموت نادمة لأنها افتقدت هذا الشعور في حياتها .
لحظتها وجدتها تسجد لله ؛ سجدت بخشوع لم أره مطلقا شكرته ، وحمدته ، والدموع تملأ كل وجهها ، غسلت بدمعها كل حزن الماضي ، كل ألم كفاحها للحصول عليه .
وفي غمضة عين اختفى ذلك الشحوب ، واحتل الجمال مرة أخرى مكانه متربعا على عرشه الذي سلبه الشحوب منه لفترة لم تكن قليلة .
لزم عليكم أن تروها ، أي كلام قد أكتبه و تقرؤونه لن يكون غير ذرة صغيرة فيما حدث لها ، لقد صارت امرأة جديدة .


(6)
بدت الساعات التي تقضيها بعيدا عنه كما النار تستعر داخلها ، رأيت في عينيه هوى إلا أنني لم أعتبره يوما حبا حقيقي ، مهما بدا من وده وتعلقه بها ، هاجسا داخلي يعوق اندماجي معه ، هي لا تصدقني ، ولا تستمع إليِّ منذ أن ارتدت خاتم خطبته ، وطوق به إصبعها لم أعد أملكها ، ولم يعد لكلامي أي تأثير عليها .
كنت أنادي في الفراغ ، بات يوسف هو كل شيء ، وأنا لا شيء ، لا أعرف لماذا شعرت بأني بلا وجود منذ أن صار حبيبها ، الدنيا توقفت عند ما يريده يوسف ، وما يحبه يوسف أما أنا ...........
تواريت في الظل ، فأنا الوحيدة التي عليها أن تسمع ، وتصمت دون أن تعلق بأي حرف ، وأية كلمة ، لم تعد لطلباتي لديها صدى ،لا تلبي حتى أي شيء من احتياجاتي طالما أنه بعيدا عن احتياجات ، وطلبات يوسف .
أين شخصيتها ؟!
أين أنا في حياتها ؟!
حاولت ( هنا ) التدخل حينما رأت انسياقها الغريب نحوه ، واندفاعها بكل جوارحها في هواه ، إنها تخشى عليها ، تحاول الحيلولة حتى لا تفقد كيانها .
لقد فقدته فعلا ، سألتها ( هنا ) : منذ متى لم تكتبي ؟ منذ متى لم اقرأ لك جديدا ؟ لماذا فقد برنامجك بريقه ؟
لم تجب ، باتت تعتبرنا أعداءها ، ولكنا أكثر اثنتين في العالم نحبها .
أنا هي .
رغم أني لا أنسى أنها دائما تعاندني ، إنها دائما تذبحني باختياراتها ، كم وقفت أمامي كثيرا ، وحالت دون استمتاعي ، تارة بحجة الفضيلة ، وتارة بحجة الناس ، وتارة بأنها لا تستطيع فعل ما أريد ، وهي الكاتبة التي وقتها لم تكن معروفة .
تهت معها ، ولكني كنت أذوب في قوتها ، في جبروتها ، أحبها امرأة قوية ، عنيفة ، وهي تدافع عن رأيها في حقها في الحياة ، حين تمسك القلم متحدية كل شيء ، كل أحزانها ، وتكتب كنت لحظتها أتوارى بصدق ، واترك شيطان الكتابة يتملكها يحتويها فهو اقدر مني على إخراج أفضل ما فيها .
تلك هي رضوى . أما تلك الجديدة التي تحب ! لا أعرفها ، أنا منها بريئة .
لم أكن أعلم أن هناك من سيخطفها مني ، من ستتوارى في داخله دوني ، بت أكرهه ، لأنه أخذها دون أن يترك لي ولو جزء منها .
صارت لا تتكلم إلا فيما يكتب ، ولا تكتب إلا ما يمس كتاباته ، ضاعت حروفها ، انمحت كلماتها في ذاته .
وقفت أمام المرآة تتزين ، لم تعد بحاجة للزينة الجمال الذي طرأ عليها صار أهم ما فعله حبه معها ، كل شيء فيها تحول للأفضل ، لا أنكر .
وإن أنكرت تكفي كلمات الإطراء التي باتت تسمعها من الجميع ، حتى لأن ما طرأ عليها طرح العديد من التساؤلات ، هي يوما لم تفقد اهتمامها بذاتها ، ولا بمظهرها إلا أن الجمال الذي طفا ، بالإضافة إلى اهتمامها بنفسها ، صارت به أروع .
مر عليها أخذها وخرجا ، أسمعها الكثير من كلمات الغزل ، كان يعرف كيف يعزف على أوتار عقلها ، ويطفئ نارها ، ويروي عطشها .
اعتبرتُه ساحرا ، وكيف لا وقد بدلها بهذا الشكل ؟
وكيف لا وهو الذي خبر كل أنواع النساء ؟
وكيف لا وهو الذي علمته التجارب وسحقته الأيام ؟
لست متجنية عليه ، لكني أريدها ، ومن حقي الدفاع عنها ، والاستماتة في عودتها سالمة دون أية جراح .
ولكن الآن الدخول معه في حرب سأكون وحدي الخاسرة ، أما هو فسينتصر وبسهولة ، وسأخرج أنا من المعركة أجر أذيال الخيبة ، أحمل هزيمة منكرة .
عادت تتراقص الفرحة في عينيها ، تتغنى بأجمل الأغنيات ، لم تكد تصل حجرتها حتى رن هاتفها ، كان هو .
إنه يحاصرها .
- كل هذا الحب !
- نعم . يحبني ، ألا ترين لهفته عليَّ ؟
- بلى ، أرى .
ظلت تتأمل ذاتها في المرآة ، تراجع كل تفاصيلها الدقيقة ، تنظر لما أشاد به وما أطال في وصفه ، جلست إلى مكتبها ، أمسكت الأوراق ، قلبت فيها ، وضعتها وكأن الفكرة التي لاحقتها ذهبت .
أتت بفنجان من القهوة ، احتسته على مهل كعادتها ، قبل انتهائها منه ، كانت قد أمسكت بالقلم .
تنفست الصعداء . ها هي تكتب من جديد ، علها لا تكتبه .
خرجت من تحت يدها أقصوصة عشق باهرة ، رائعة الوصف شديدة الجمال ، لم أكن أتخيل أن تكتب يوما بمثل تلك الروعة حتى هي لم تصدق ، حين انتهت من كتابتها قبيل الفجر ، لم تستطع الصبر .
فكرت فيه ليكون أول من يقرأها ، إلا أنها تراجعت ، اتصلت بـ ( هَنَا ) أيقظتها ، قرأتها عليها عبر الهاتف ، تيقظت كل حواس ( هَنَا ) أصرت أن ترسلها لها فورا .
لم تكن (هَنَا) تدرك أن اندفاع رضوى في هذا الهوى المحموم سوف يخرج منها هذا العمل الرائع ، حتى هو حين قرأه لم يصدق نفسه ، ولم يتخيل أن تكتب هذه القصة الرائعة ، الكلمات كانت تنساب معها كما لو أنها شلال ينهمر بقوة .
أسبوعا وكانت الصحف تحمل في طياتها خبر القصة تناولها الكثير من النقاد بعد نشرها في الصحيفة القومية الأولى .
ومنذ تلك اللحظة ، لم يتوقف قلمها ، بات يكبر ويكبر ، وتكبر هي معه .

(7)
لم تتخل عنه أبدا رغم كل ما صار يشغلها ، وكم الندوات التي حاصرتها لتحضرها ، صارت ضيفة دائمة في الكثير من الصالونات الأدبية ، والندوات .
إلا أنها لم تتركه وحده ، كما حاصرها الناس حاصرته ، كانت تعرف أنه وحده سيضيع منها ، من السهل اختطافه وضياعه ، هي تدرك أنها المرفأ الذي ما إن يتركه حتى يرسو على غيره ، كانت تعلمه جيدا وتدرك تماما ، مأساته ، سيضيع جهد الشهور الماضية ، لو لم تظل له ولحياته محتوية .
كان لابد أن تتواجد في كل أيامه ، وأغلب ساعاته ، كثير من السعادة وهبها إياها ، وكثير من الراحة جعلته يحسها .
كم لمحت نظرات الراحة والسعادة في عينيه ، لوهلة صَدَّقت مدى حبه لها ، إلا أنني كنت ألمحه ناقصا ، هاجسي كلما ارتحت له يعود يهاجمني .
لم يعد يصبر ، صار يلح في إتمام الزواج ، على الرغم من رغبتها الملحة للتواجد معه ، كانت تخشى أن تتزوجه .
- لم أعد أفهمك !
- لماذا ؟
- كل هذا العشق ، والرغبة المحمومة داخلك ، وتتمنعين ؟
- أنا لا أتعجل النهاية .
- ماذا ؟
- سيأتي يوما وتعرفين .
لم أفهم شيئا .
تركت الأيام تفهمني .
انشغلت معها في التحضير للزفاف الميمون ، الحيرة .........الترقب ....... الخوف و..............
مشاعر متضاربة ، اجتاحتها ، رغم مصارحتها بأنها ترغبه ، وتريده ، وبرغم الحب .
هي ككل النساء ، تعود لأمنا حواء تلك الخجلة من المواجهة الأولى ، حين تَكَشّفت العورة ، واشتعلت الرغبة .
زفاف جميل ، وعروسين في أبهى صورهما .
وبيت يغلق دونهما .
وفراش أشعله الحب نارا .
استلقى إلى جوارها يمسح قطرات العرق التي تساقطت من جبهته ، يكابد أنفاسه المتلاحقة وهو يهم بالإمساك بالسيجارة ، معشوقته الأولى ، وإلى جواره هي تبتسم ، نظرت إليه بادلها الابتسام ، ألقت برأسها على كتفه ، ترك سيجارته ، قبَّل رأسها ، احتضنها ثم ذهبا في نوم عميق .
صباحات عشق مستمر على شاطئ الغرام ، أيام معدودات من هذا الزمان اختطفاها ، ليطفئا جذوة الحب الملتهب ، شبق محموم يلفهما ، لا يفيقا من سكرته أبدا .
حين يتوحدا يضيع كل معنى للدنيا كلها ، إلا معنى تلك الحالة التي تجمعهما .
هناك على شاطئ البحر في استقبال الشروق جلست تكتب وتكتب ، كان نائما يغط في نوم عميق ،أما هي فلقد عرفت كيف هو السهر منذ عرفته ، عوضت كل سنوات النوم الذي مضت بها ،لقد نامت ما يكفيها للعمر القادم وعمرا آخر مضاف عليه .
لا تهرب منه إلا إليه ، كانت تلتقيه على الورق ، خلق حبه بداخلها رغبة للكتابة تفوق أي وقت مضى ، إنها الآن تكتب وهي سعيدة ، من قبل كانت لا تكتب إلا تحت ضغط عصبي ، وألم نفسي ، الآن هي في غنى ، إنَّ وجوده إلى جوارها يمنحها كل يوم شعورا متجددا ، ومعنى جديدا يستحق أن تكتب عنه .
في حضنه وجدت المعنى الحقيقي للأمان ، للراحة ، عناق شفاههما تسقط معه كل ألوية المستحيل .
باتت الآن المرأة الخارقة .
ما يحزنني ويوجعني ، أني في داخله قد وارتني ، قد حبستني ، وأمام سعادتها ، وما طرأ عليها من جديد آثرت السكوت والانزواء .
عادا من رحلتهما ، نشاطا متجددا ، قلبان مفتوحان على الحياة ، انكب على مكتبه وأمام جهاز حاسبه يعمل ، كان يلتهم الصفحات ، ما عاد يشرب سجائر كثيرة ، استبدلها بقبلاتها ، فناجين القهوة تتابع ، تصنعها بحب .
احتوته حتى بفوضويته ، تلملم خلفه أشياءه ، ملابسه ، أوراقه ، أشعاره المبعثرة هنا وهناك .
ذات مساء استلقى على السرير وهي تلملم بعض ما بعثر ، رمقها بنظرة غريبة ، بدت لها مختلفة رغم أنه يغلفها بابتسامة ودودة .
- قال لها كأنك أمي .
- حقا . أنت ابني .
لحظتها وخزتني ، أعلم ذلك الوخز إنه شعور بالخطر ، لكن مم الخطر ؟!! لم يقل شيء ولم يحدث أي شيء .
ألم أقل لم أعد أفهمها .

(8)
توهج مشاعرهما ، ساعد على توهج قلميهما ، مقالاته تعددت في صحيفتين ومجلة ، لم يعد يكتب تحت اسم مستعار ، لم يعد خائفا شيء .
الآن وبعد عام من معرفتهما بات اسمه له مكان ومكانة ( يوسف محمد ) ، شهرة جعلته يكتب هنا وهناك ، قبل عام كان صحفيا مجتهدا ، لكنه كان لازال صغيرا يحبو .
هو وهي نقشا اسميهما بقوة ، باتا واضحان بجلاء ، لا يستطيع أحد التنكر لهما ولا تجاهلهما .
الناس من حولها تكاثرت كما النمل ، الغيرة تشتعل في عينيه ، يواريها ، تحسها ، وأحسها ، الناس تحب الحديث في الحب ، عن أحاديث السياسة وقذارتها ، يملك لو أراد الناس من حوله أن يجمعهم ، فقط يفكر في نشر أشعاره الجميلة المفعمة بالجرأة .
إلا أنه يرفض ذلك تماما ، ولولا أنها تلملم قصاصتها خلفه لضاعت ، إنه يتبرأ منه ، من براءته ، من تلك اللحظات التي يكون فيها إنسانا .
قالت له لم تترك فيّ جزء لم تتحدث عنه ، لو نشرته لذابت فيك كل امرأة ، وبات عليِّ أن أغار من كل من تقرأ لك قصيدة ، ستجد كل امرأة نفسها في كلماتك ، في شطحاتك ، في جرأتك وأنت تسير على جسدها برقة لم تعهدها في أقرب الأقربين ، سيغار منك أزواجهن ، وأحبائهن ، ستكون نزارا ثانيا .
كانت و ( هنا ) تسيران في وسط المدينة العامرة الزاخرة ، تتمحور القاهرة في ذلك المكان ، سحره لا ينقضي بعماراته القديمة ومحلاته الكثيرة ، كل شيء فيه ينطق بالحياة ، مرت على محال كثيرة ، كانت تريد طاقما ذو طابع كلاسيكي يصلح لأن تكون به الضيفة الأساسية لندوة مهمة خاصة بكتابها الجديد ، يحضرها نخبة من الأدباء ذائعي الصيت .
منذ أعوام كانت و ( هنا ) تتسكعان في ذات المكان ، يملأهما الأمل في الغد ، يوم أن تصل كلماتهما للناس وأفكارهما يكون لها من يؤمن بها ويرددها ، حَلمتا كثيرا ، وعملتا أكثر ، حتى صار لهما ما أرادتا .
آمنتا بالدنيا فآمنت بهما .
كان مثلهما ذات يوم يقطع و حبيبته ذات المكان وقد تشابكت أيديهما ، يحلمان ، وقد ابتاعا كوبين من الايس كريم ، كانت تأكله في نهم ، بينما هو يرى أيامه تسيل كما يسيل الايس كريم على حواف الكوب ، والغد بعيد عن ناظريه .
كل الأشياء بعيدة ، حتى تلك القبلة التي يختلسها ، ويضعها على وجنتها ،بدت أنها لن يتغير مكانها أبدا ، سيظل عند تلك المرحلة لن يبرحها .
توقفت و ( هنا ) ابتاعا كوبين وقفتا تأكلانه ، طلبت الحليب والفستق ، وطلبت ( هنا ) الفانيليا فقط كما تحب ، قالت لها : يوسف يحبه بالشيكولاتة دائما بالشيكولاتة .
سارتا طويلا لم تعجبهما أية ملابس، اشترت طاقم نوم تركوازي اللون ، كانت تعلم مدى حبه لهذا اللون عليها .
ضحكت ( هنا ) .
- ملعونة الندوات ، ماذا أخذنا منها .
- كنا وجوها دائمة في كل ندوة ، عل أحد يرانا ويقرأ ما نكتب .
- كانت أيام .
عادت . كان في انتظارها ، ولكنه لم يتحدث إليها ، لم يعلق على ما أحضرت معها ، كان يعمل تركته يعمل .
دخلت تجرب طاقم النوم الجديد ، كان رائعا عليها ، خرجت به إليه ، راقه ، لكنه عاد لأوراقه .
هناك شيء ما به قد تغير ، ليس هو ، والغريب أنها لم تغضب منه ، ولم تتعجب تصرفه ، بت في حيرة من أمرهما .
في مساء اليوم التالي كان ضيفا في أحد البرامج الحوارية السياسية حيث يكثر الشجار ، وتتباين الآراء ، ويخرج المرء دون أن يعلم عن ماذا كان هؤلاء القوم يتحدثون ؟!
عاد مثقلا بألم في الرأس ، إنه غير راض عن أي شيء بات يفقد إيمانه بكل شيء ، لولا بقية باقية داخله لفقد إحساسه بقلمه .
في تلك المرة كان عليه أن يتوازن وحده دونها .
هي من قالت لي ذلك .
لم يكن عليها أن تسانده هذه المرة ، إنها لحظة فارقة في حياته ، يجب أن يختار وحده لا تختار هي ، إنه من يجب عليه أن يحدد ماذا يريد ؟
لقد وصل إلى ما أراد ، بجهد وكفاح وعمل ، عليه الآن أن يحدد ، أيكون من يعتلي المناصب ؟ أم سيظل قلما حر ؟!
كانت تحسه وهو يتململ في فراشه ، يتقلب على جمر أفكاره .
استندت إلى ظهر السرير وقد جفاها النوم لسهده وأرقه .
نادته ، لم يرد .
- أعرف أنك لم تزل متيقظا ؟
- ماذا تريدين ؟
- أريدك .
- نامي الآن .
- لن أنام قبل أن تختار ، ليس الأمر بهذه الصعوبة .
- ما أدراك ؟
- أعلم .
- أنت دائما تعلمين كل شيء .
قالها واحكم غطاءه حوله ووضع الوسادة على رأسه ، لا يريد أن يسمع كلمة .
تركت الحجرة ومضت إلى حجرة مكتبها ، تاهت بين أوراقها ، ظلت تعمل حتى سطعت الشمس ، كان لازال يدعي النوم ، هي تعلم أنه لم يغمض له جفن حتى تلك اللحظة التي قامت فيها عن مكتبها اعتاد منذ زمن ألا ينام قبل أن تطل الشمس من نافذتها .
سألتها هل تفهم شيئا ، أجابت بنعم ، وأطرقت في صمت أصابني بالجنون .

(9)
من ضمن غرائبها التي صارت عديدة ، أنها لم تفكر بالإنجاب ، أكثر من عام مضى عليهما معا ، وهي لم يطرأ عليها أية رغبة في أن تكون أُمّا ، أَمَا هو فلا يسأل .
تعجبتهما بشكل كبير .
وبالطبع تساءلت ، جاءتني إجابة مقتضبة منها ، تدعوني للصمت ، لم يعد ينقذني من جرحها الدائم لي غير ( هنا ) هي الوحيدة التي تجد بعض إجابات لأسئلتها رغم أنها كثيرا ما تعجز عن فهمها مثلي تماما باتت غريبة على كلينا .
- لماذا لا تزورين أي طبيب لتعرفي لماذا لم يحدث الحمل للآن ؟
- وقتما يأذن الله سيهبني ، وإن لم يأذن فهذا قدري .
- غريبة أنت ، فلتعرفي إذن إن أراد الله ، أم لم يُرد ، لماذا تبقين في انتظار ؟!!!
- ليس مهما .
قطعت بهاتين الكلمتين سبيل أي كلام آخر .
باتت تكثر من تواجدها بالخارج ، فاتحته برغبتها في السفر إلى أي مكان ، رفض مرافقتها ، صممت على السفر ، سافرت وحدها .
هناك على شاطئ الإسكندرية في هذه الأيام الشتوية وجدت بعض الهدوء ، إلا أنني كنت أحس أن هناك موج متلاطم بداخلها ، كلما سألت أسكتتني ولم تعطني الفرصة ، صرت في أشد لحظاتي قلقا عليها .
حين رأيت دمعها شلالات تنهمر ، وهاتفها المغلق باستمرار ، وكلماتها المقتضبة ،جلوسها أمام البحر في هذا البرد ، وهي ليست من هواة الشتاء ، يقول أن هناك شيئا خطيرا ، لم تكلمه في عشرة أيام سوى مرتين .
عادت دون أن يتحسن ما سافرت لتحسنه .
لم تكتب جديدا ، لم تخرج من البيت ، كانت أجازتها شهرا ، لم تخبر به أحدا .
استقباله لها كان فاترا .
لم أتحمل كل هذا الصمت إني أتوجع ولا تبالي ، إلى متى عليِّ الصبر .
- إن النهاية على وشك أنا أحاول أن أؤهل نفسي لها ولا فائدة .
- أية نهاية ؟!!
- نهايتي معه .
- لماذا ؟
- هذا موعدها كما توقعته .
- أو كنتِ تعلمين ؟
- منذ اللحظة الأولى في هواه .
- أكاد أجن .
واصلت حديثها ، أول حديث يطول بيننا منذ عَرَفته ، عادت به إليّ ، لأكون لها و بها مرة أخرى !
كانت تعرف منذ أول وهلة أنها ما إن تحتويه ، وتملأ حياته ، ما إن يأتي يوما ويتمرد على هذا الوضع الذي اعتبره وضع أم وليس حبيبة ، مهما حمل من نزق ثورة الحب ، وجنون العشق ، فهو يراها أمه التي دائما تخبر مشاعره دون أن ينطق بها ، إنها تعرف مسبقا كل شيء .
قوتها تسبقها ، عقلها أكبر من أن ينتظر أي رجل ليحل محله في أي شيء ، وصل لأنها ليست بحاجة إليه .
إنه يريد أن يشعر بجوده وأهميته في حياة امرأة يكون لديها العالم وما فيه ، أما هي فعالمها مليء بالكثير الكثير جدا ، إنه يريد نفسه وحده لديها ، هل تقدر ؟!! هل تستطيع أن تكف عن قول إني أعرف ؟!!!!!!!
متى سيأتي يوما فيه لا تعرف ؟!!!!!!!!
مل كونها دائما تعرفه ، يريد أن يكون غامضا ، كل يوم في حياة من تسكنه ، يقدم لها الجديد فيما يفعله كل يوم.
أما هي فهي تعرفه حتى قبل أن تعرفه ، ليس توحدا وإنما امتلاكا .


(10)
كانت في ترقب دائم مستمر للحظة الحاسمة ؛ تلك اللحظة التي سيأتي ليعلن فيها الخبر الصاعقة ، كل يوم يدخل البيت ، يأوي للفراش ، تشعر به سينطق ، كثيرا ما نظر لعينيها نظرات ذات مغزى التفتت بعيدا عنها ، حتى لا يصدمها ما سوف تقوله لها عيناه ، كم تجنبت هذه اللحظة بقدر المستطاع .
لكنها أتت .
- أود محادثتك في أمر مهم .
- أعرف .
- كفاك أرجوك ، لكم كرهت هذه الكلمة ( أعرف ) كل شيء تعرفينه .
- أعلم وكنت أعد نفسي لم سوف تقول .
- وما أدراك ؟
- أنت وطبيعتك ، وهذا الهمس الأخير في التليفون ، أنا لست صغيرة حتى لا أفهم أنَّ بحياتك غيري تود الانسحاب لأجلها .
- ولماذا لم تثوري عليّ ؟! لماذا أنت باردة هكذا ؟ ألا تحبيني ؟!!!!!!
اقتربت منه وأطالت النظر في عينيه الخضراوين اللتان هامت بهما كثيرا ، وسبحت في بحورهما طويلا ، وقالت : أحبك أكثر من نفسي ، ومن أي وقت مضى ، ولكنك كنت ستتركني حتى قبلها .
بمزيد من العصبية : حتى هذا عرفته ؟!!!
- أنا أنت .
أمسك بكتفيها وأطبق على شفتيها في قو ة أوجعتها نفث فيها كم غضبه وألمه ، هو لا يكرهها ، ولكنه لا يستطيع المضي قدما معها .
من قصاصاته الأخيرة .
لو كان قدرنا الفراق ..
ونصيبنا أن نكفن الحب وندفن الأشواق
ونرحل مثلما جئنا عن عالم العشاق .
كان لزاما عليهم هجر عالم العشاق .
ماذا ستكون بحياته إذن ؟
وقصاصة أخرى قال :
هو الزمان حبيبتي غفا برهة حتى التقينا فاستفاق
هو الخريف إذا أتي فثكل الأشجار ويتم الأوراق .
لقد أفاق الزمن من غفوته وحرمهما تلك السعادة التي جاءت مع نسمة بحرية صيفية ، أشعلت قلبين كان الثلج يسكنهما كان الشتاء محله الدائم بهما ، من فصول السنة أجمعين لا يريا غير الخريف الذابل والشتاء القاسي .
- أنا الثكلى يا أنا ، أنا الوريقة التي تيتمت وجذرها حيا ضاربا في الأرض ، أنا التي ما عدت ...........أنا .
غفلة من زمان أليم أيقظتهما من سباتهما ، ومضة من نور سرعان ما انطفأت .
دفعها عنه بعيدا ، وقد أجهشت بالبكاء ، ولسان حالها يدفعها لحثه على البقاء ، صاحبة الكلمات سكتت بداخلها الكلمات ، وصاحب القلم تخلت عنه فصاحته .
تعلقت بأطراف أصابعه ، لثمتها وهو يسحبها منها مسرعا لينطلق بعيدا آخذا معه روحها ، مساعدا إياها في وضع النهاية ، نهايتهما معا .
كان هذا آخر ما دار بينهما ، وآخر عهدي بها تضحك ، وآخر يوم لها تكتب كان يوم وضعت لقصتها معه نهاية يوم أغلقت الصفحات عليه ووارت اسمه للأبد .
وتذكرت جملة أحلام (نحن نكتب الروايات لنقتل الأشخاص الذين أصبح وجودهم عبئا علينا نحن نكتبهم لننتهي منهم ) .
لكنها لم تنته منه لقد انتهت من نفسها ، من وجودها ، من كينونتها ، مني ، من كل الناس ، لأنه كان كل الناس .

تمت بحمد الله
رباب كساب
17/9/2007

ملحوظة : الأبيات الشعرية بالصفحة الأولى والأخيرة للكاتب الصحفي الصديق العزيز المعتز بالله محمد

الاثنين، 25 فبراير 2008

اعتزلت الغرام


اعتزلت الغرام


جلست معه وعيوني تطلع به ، أرتشف من كوب الشاي رشفات متباعدة .
أراقب ملامحه جيدا وهو يقرأ كتاباتي ، أحاول فهم انطباعاته ولكنه لم يفصح جيدا .
تارة ألمح لمعةًً بعينيه ، أتراها إعجابا أم دهشة ؟! وتارة أحس ابتسامة على شفتيه تحارب لتكتمل ولكنه بالكاد يخرجها .
أسعيد بكلماتي أم أنها سخرية ؟!
تعبيرات وجهه فشلت في تفسيرها .
قلبي ينتفض ، أعلم أنه لن يستطيع أن يتصيد لي خطأً واحداً ، ولكني أعرف أنه قد يفعلها .
أغرور أم ثقة ؟
أحس قلبي فهو لا يُخطئني إحساسه ، لذا أنا واثقة .
كم تمنيت هذا اللقاء لأطلعه على أوراقي ، فهو الناقد الكبير ؛ سعدت بدعوته لي لشرب فنجان الشاي والحديث .
درت بعيني في المكان ، لكم هو رائع اختياره ، وكأنه يختار كلماته .
عدت لوجهه ولعينيه التي بين سطرٍ وآخر تطلع لي دون أي تعبير فيهما ، كنت أعلم أنه يريد أن يرى أثر قراءته في نفسي ، لم أعطه الفرصة ليشهد ترقبي و لهفتي لأسمع رأيه فيما أكتب .
قطع الصمت ارتفاع صوت ماجدة الرومي بالمكان : يقول لي حين يراقصني كلمات ليست كالكلمات .
هي بحق ليست كالكلمات ، كل ما أكتبه هو إحساس ، لكم أحببت على تلك الأوراق ، ولكم عشقت حتى بات العشق داخلي كما الدم يسير بأوردتي وشراييني .
- يأخذني من تحت ذراعي يزرعني بإحدى الغيمات .
السكون الذي يلاحقني يجعلني كساكني السحب ، كالطيور المتحررة من كل قيد ، أنا حرة .
- المطر الأسود في عيني يتساقط زخات زخات .
أيها القلب انسى ما ذرفت من دمع ، لا تكن أسود ، من اعتاد الهوى ، يرتفع عن صغائر الأمور والضغائن .
أحسني طائرة .
قال لي بحماسة : رائع ما سطرته هنا على تلك الأوراق ، قاصة بارعة .
الطير الساكن إياي قد فرد جناحيه وحلق عاليا ، طار بي ، رفرف بالمكان .
في ساحة المطعم احتضنت كل ما أملك من وجودي ورقصت بخطوات ثابتة ، خطوة للأمام وأخرى للخلف واحدة لليمين وأخرى لليسار .
هذا الحذاء العالي يقيد طيراني ، يمنعني من أن أطير أكثر وأكثر ، وددت لو خلعته .
كان ينظر لي نظرات غريبة ثم سألني : أين أنتِ ؟
تلعثمت ، ترى بماذا أجيبه ؟
أأقول بأني أرقص ؟ مَن يشاركني رقصي ؟
- كلمات ليست كالكلمات ............... كلمات .
أكل ما خطه قلمي كان كلمات ؟ ! ويحي !
اندفعت ليديه أختطف الأوراق خطفا ، أقلب فيها ، تجاهلت سؤاله المتعجب ونظرات الدهشة وكل شيء ، فقط أتصفح الأوراق .
- أُحبكَ ..................... أُحبك ِ .
- باعدت بيننا السنون ولازال يسكنني .
- كان هيامي به وعشقي له مجرد احتمال تحقق .
هالني كم الحب ، آه قلبي المسكين كم عذبتك .
- ما بك ِ؟ ماذا حدث ؟ دعيني أكمل لك ملاحظاتي ورأيي .
- لست بحاجة لرأيك فلقد اعتزلت الغرام .

رباب كساب
18/2/2008
هذه القصة تم نشرها بجريدة الراي الكويتية بعددها الصادر يوم الخميس 28/2/2008

الاثنين، 18 فبراير 2008

لقاء في خريف العمر


لقاء في خريف العمر


أنا لا أكتبك ولا أكتب نفسي ، أنا فقط أكتب عن قدرٍ جمعني وأنت .
في صيف لا أذكر عامه وجدتك ، ارتسمت على وجهي علامات ارتياح وفرحٍ بلقائك لم أشغل نفسي بتفسيرها ، فقط سعدت بحديثك وبأنك تزاملني .
لا . بأنك ترؤسني ، كل يوم نتحادث ، نتجاذب أطراف الحديث ، كل أوراق العمل التي يُمهرها إمضاؤك وتجعلني أقف أمامك تمنحني سعادة لم أفسرها ، ولكنك سارعت بالتعبير عنها بلمعةِ عينيك ، بوجودك الدائم من حولي .
اليوم فقط أدركت أنني أضعت سنوات بلاك .
- أُحبك ِ .
صمتٌ لا يماثله صمت مني .
لكم أشفق على قلبك أيها العجوز .
سنوات أضعتها ، اليوم حين شعرت بك عليّ أن أهرب ثانية بقوة تماثل قوة عناق الأمواج بالشطآن المقتولة شوق لها ولعناقها الحميمي .
- أًحبكِ .
اليوم أبتسم ابتسامة خجلى ، بعيون زائغةٍ تخشى النظر إليك حتى لا تفضحني ، تكشف عن لوعة شوقي لك وعن مدى سعادتي بسماعها تخرج من بين شفتيك .
إلى متى سأهرب ؟
إلى أي مكان وأنت إلى جواري كل يوم ، لا يفصلني عنك سوى جدار تجتازه وترسل لي بأية حجة لتراني ؟
- أحبكِ .
سنوات كثيرة فاصلة بيننا .
حين أتطلع لتلك الشعيرات البيضاء التي غزت شعرك مؤخرا أدرك العمر بيني وبينك ، خلو وجهك من التجاعيد كاد ينسيني أنك جدٌ ؛ يا أبي .
- أحبك ِ .
ذات صباح أبصرت الشمس ، أغشت عيوني ، التقيتك وتحية الصباح على لساني .
في تلك اللحظة التي صافحتك فيها وضغط فيها على يدي الغائرة في كفك اشتعلت كل أجزائي .
تلك المرة التي وجهت فيها نظري إليك وتطلعت لعينيك بقوة مشاعري الثائرة ، لم أهرب منك بل هربت إليك .

5/2/2008
رباب كساب

الثلاثاء، 29 يناير 2008

أحبكِ ولكن ....

أُحبكِ ولكن .......

وقفت تستحلفه نظراتها أن يتريث قليلا ويبقى بجوارها ولسان حالها ينطق : هل أسكب العطر في راحتيك ؟ دعني ألملم شتات نفسك الراغبة في الرحيل حتى تسكن لدي . اعطني فرصة واحدة .إلا أنه رمقها بنظرة أماتت داخلها كل رغبة في بقائه ، فصمتت .خرج وقد لملم كل حاجياته وما يخصه ومضى .سمعت صوت انغلاق الباب خلفه فتذكرت أنه نسى شيئا هاما ؛ لقد نسيها خلفه !! وقفت شاردة تبحث عنه وعنها ، إن هذا مكانه ، بيته ، سريره ، كل شيء هنا له وقدا اختاراه سويا .صرخت بقوة تناديه ، صدمها صدى ضحكاتهما فقالت : اصمتي أيتها الضحكات ، اصمتي ؛ لم يعد هناك غير الدموع ، لقد مضى صاحبك رفيق الدرب .تملكتها الحسرة وهي تتذكر أيامهما ، وذلك المكان الذي ضمهما عروسين وقد تناثر الحب فيه ، ورفرف العشق به ، وتجلت السعادة ، تعانقت البسمات ، تضافرت الأمنيات ، ورُسمت خطط مستقبلهما .مسحت تلك العبرات التي وجدت بسهولة سبيلا لوجنتيها ، وهي تتوجه للشرفة تشاهده وهو يبتعد ، سالكا طريقا ليست فيه ، تلك الشرفة التي شهدت صباحات عديدة لهما سويا ، جلست على مقعدها المفضل ، ترمق الأخر الذي خلا من صاحبه . كم جلسا هنا يتناولان إفطارهما ويتطلعا للشارع الفسيح ، الرحيب رحابة قلبيهما ، وحين ترشف أولى رشفاتها من فنجان قهوتها يسارع بخطفه من يدها ليتناوله عن آخره وهو يعطيها فنجانه ويقول : عايز دايما أجري وراكي . قالت والحزن يلفها : لم تجر ورائي يوما ، بل أنا التي أرهقني العدو خلفك .لماذا تهرب يا حبيبي ؟!!!!تدافعت الذكريات التي كانت تجترها في ألم وحسرة ، كل ركن من أركان البيت تجلت فيه ذكرى ، وأحست رائحته تحيط بها وكأنه كان في حضنها لتوه .كم سكبت في تلك الليلة من كؤوس الدمع وتجرعت مثلها من الندم .إنها من أضاعه ، من خنقه ، طوقته بطوق من حديد وأحكمت الغلق ، وما إن وجد الفرصة ليحطمه ويهرب لم يفكر سارع بالفكاك منها .ذات يوم قال لها في غمرة انفعال : عايز أحس إني نفسي ، عايز أشوف الدنيا بعيد عنك ، اتخنقت ، معرفتش أجري وراكي لأنك دايما حواليا .كانت تقابل ثوراته بصمت يُميته ، قادرة هي على استفزازه وإثارته صمتت أو تكلمت ؛ وتجلس ببرود لتشاهده وقد اشتد به الغضب بفرحة تطل من عينيها لتؤكد لديها صدق حدسها وأن ثورته دليل على أنه يداري أفعاله .أين كان الماضي من الآن وهي تطلع إليهما في صورة زفافهما وجهين مرحين مليئين بالفرحة والأمل والاطمئنان ، شتان الفرق بين ما كانا عليه وما آل إليه الحال ووجهان يحملان حسرة وبؤسا وانعدام أمان .أكان مخطئا بإتمام زواجه منها ؟ لقد اعتقد أنه بامتلاكها له وامتلاكه لها ستكف عن تلك المشاعر الحمقاء التي تصيبها بين حين وآخر وشكوك غيرتها التي كان يتجاهلها كثيرا لحبه وعشقه الكبير لها . لكنها زادت من غيرتها ، من شكها ، صارت تلاحقه في كل مكان وفي كل وقت ، شعر بها في الماء الذي يشربه ، في دخان سجائره الذي ينفثه.باتت كالسيل حين ينهمر ولا يتوقف ، حاول كثيرا أن يثبت لها حبه ولا فائدة ، دائمة الشك ، شديدة الغيرة .صار قلبه العاشق سجينا حبيسا في داخله يبحث عن الحرية ، يريد أن يتنفس دون أن يجدها خارجة مع زفيره ، لذا كان عليه السير دونها ، المضي في طريقه بلا عودة للوراء .لابد وان ينجو بما بقى من نفسه .في حين جلست هي تبكيه وتتدثر بفراشه ، تتنسم عبيره ووجوده وتبكي ..... وتبكي ، لكن أيفيد البكاء على اللبن المسكوب ؟

رباب كساب
5/1/2008

عاشقان

عاشقان
أنا وهو حبيبان لم نفترق يوما ، عرفته منذ ميلادنا لا بل مذ كان جنيناً في رحم أمه .
بيني وبينه الكثير والكثير ، هويته وهواني أعطيته كل ما لدي وما أملك ، لم ابخل أو أضن ، رهن إشارته كنت وطوع بنانه عشت .
كان لي وكنت له حتى تسلل إليّ المرض وصار ينهش أوصالي ويحطم على جدره أحلامي كدت أنهار وأتداعى لولاه ، وقف إلى جواري ، ساندني وجند نفسه لخدمتي لأكون حتى لو لم يكن هو .
أخذوه مني وتركوني أشاهد انتهاكه ، رأيتهم بعيني التي لم أستطع أنْ أغمضها ، رأيتهم يسحلوه ويتلذذون بعذابه وبعذابي من أجله .
أبصرته معلقاً في الهواء مربوطة يديه إلى أعلى وجسده يتدلى وأثار ركلاتهم وضرباتهم عليه ، اختفت ملامحه .
نزل السوط على ظهره لينتفض جسده انتفاضة كاد يقف معها قلبي ، تلقى ضربة على صدره لتكون انتفاضة أخرى دون آه تخرج منه ، ترك لي الآهات والصراخ .
أذكر في لحظةِ صفاءٍ بعيدة كنت وهو حين قال لي : لو بيدي لجمعت نجمات السماء لأرصع لك بها تاج مُلكك ، وأغوص في بحارٍ وبحار وآتيك بكل لؤلؤة لأصنع منها عقدا يزدان به جيدك ، ومن شعاع الشمس أخيط ثوبك الشفاف ، ومن سنا القمر هالة أخفيك فيها عن العيون .
سمعته ولم أتمكن من الرد ، لم أعرف ماذا أقول ، انحدرت دمعة من عيني فلثم دمعتي تلقاها بشفتيه وطبع قبلةً على جبيني وذبت في حضنه .
وها هم يأخذوه مني نزعوا أظفاره حتى لا ينبش بيديه في تاريخهم ، تتوالى الضربات والصفعات ومع كل ضربة انتفاضة تُميتني ، يعذبونه ويخشى عليّ .
عيناه تقول لي : لا ، لا تبكي لا تصرخي .
لكم قال لي في عذابه بعيونه : كم يهواني .
وبكل صرخة صرختها كنت أستحلفه بها أن يقاوم ، أن يبقى إلى جواري .
حبيبي اعلم أنك حبيبي من كان قبلك ومن سيأتي بعدك أعلم أنكم تحبونني ، كلكم تحبوني وأهواكم .
قال لي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة : أحبك يا عمري .

رباب كساب
نوفمبر 2006

الجمعة، 18 يناير 2008

بلا عنوان

بلا عنوان

كانت تسير بسيارتها في طريق عودتها بعد انتهائها من العمل ببطء سلحفاة تصعد تلاً غير عابئة بأصوات أبواق السيارات التي انطلقت زاعقة تحثها على السير دون جدوى متلقية سباب ولعنات سائقيها .
لم العجلة ؟!!!
لقد قال لها في الصباح : لا تنتظريني على الغداء اليوم .
لم يكن بأمر غريب فهو دائم التخلف عن الغداء والعشاء ، لم يعد أمرا يشغله حضور الغداء منذ مدة .
طفليها لدى أمها ينعمان بعطلتهما بين الحقول والطبيعة التي لا زالت طيبة في الريف .
لم العجلة ؟!!!!!
لا شيء تعود لأجله .
غيرت قصة شعرها لم يعد ينسدل على كتفيها قصته صار بالكاد يصل منكبيها ، رفعت غُرتها فبان وجهها الصغير ، لم يلتفت أو يعلق حتى على طاقم النوم الجديد البرتقالي اللون ، لم يلفت نظره رغم أنه يكره هذا اللون .
أدوات زينتها ملقاة بإهمال على نضدها ، لم تعد في حاجة إليهم .
اليوم يوم ميلادها الثلاثين ، قبل خروجه مباشرة قَبَّل وجنتها سريعاً وقال : كل عام وأنت بخير .
قالت في نفسها : الحمد لله ، لم يتذكره العام الماضي .
لم يعطها فرصة ترد عليه تبادله قبلته ، انطلق خارجا ، سمعت صوت انغلاق الباب .
توقفت لدى محل العطور قابلتها صاحبته بالترحاب فهي تعرفها جيدا ، تلك السيدة التي يبدو على وجهها صولات الزمان وجولاته ، امتدت لها يدها بعطرها المفضل أخذته دفعت ثمنه ومضت .
كانت قد ابتاعت ملمع الفضيات لتعالج به انطفاء لون شمعداناتها الفضة ، فهي مغرمة بالشمعدانات ، ملأت بيتها بمختلف أشكالها وأحجامها ، اعتنت بهم جيدا تحسبا .
كانت لديها خططا لعيد مولدها ، عشاء فخما على ضوء شموع شمعداناتها ، موسيقى هادئة ، فستانها الأسود المرصع بالفصوص اللامعة ، وردة شعرها الحمراء ، مساحيق وجهها وطلاء شفاهها الأحمر القاني ، الأولاد لدى أمها .
وجدت نفسها أسفل بيتها ، ركنت سيارتها وصعدت ، أدارت مفتاح الشقة ودلفت للداخل واجهها الصمت ، تلفتت حولها لا شيء غير الصمت .
توجهت إلى حجرتها ، خلعت عنها ملابسها في غير تسرع ، ألقتها بإهمال على السرير ، ارتدت ملابسها المنزلية .
أخرجت زجاجة العطر الجديدة انطلق رذاذا العطر مننها على رقبتها ووجهها ، تسلل عبيره لداخلها أنعشها قليلا .
دخلت المطبخ أمسكت بإصبع موز التهمته وهي تنظر غير عابئة لأثار عشاء الأمس وإفطار اليوم ، تركت المطبخ .
ولجت غرفة المعيشة امتدت يدها لجهاز التسجيل كان به شريط ( أغدا ألقاك ) ألقته بعيدا وهي تبتسم ابتسامة ساخرة .
انطلقت الموسيقى من الجهاز ، موسيقى حالمة ناعمة ، ظلت ترقص وترقص رقصا منفردا رغم أن ذراعها تتخذ وضع وجود شريك أمامها .
في المساء أطفأت شمعتها الثلاثون ......................... وحدها .
رباب كساب
11/3/2007

اليوم الأخير

اليوم الأخير

اليوم هو الأخير . وقفت أمام المرآة نظرت لذلك الوجه المغضن . ربتت على شعرها الأبيض بتلك اليد المعروقة ، فردت طرحتها على رأسها ، أحكمت لفها ثم مضت
في الطريق تذكرت اليوم الأول ، شابة في مطلع العشرينات تحمل أمالا عريضات بقوة وعنفوان الشباب .
مشطت شعرها عقصته للخلف ، تركته يغطي ظهرها ،أكملت زينتها ثم انطلقت تملأها رهبة اليوم الأول والتجربة الأولى .
نفس الطريق تمشيه منذ سنين لم يتغير ، لم يتبدل ، أقيمت بيوت ، شوارع مهدت ، كثرت الناس إلا أنه نفس المسلك.
دار بذهنها الكثير ففي أشهر قليلة باتت تفقد كل ما تملك حتى صار كل ما هو قادم عصر فقدان على الدوام ، لا شيء يسر .
وصلت إلى عملها وطأت قدمها مكتبها ، استقبلها الجميع بحفاوة ليست من المعتاد زادتها تجهما ، حاول الجميع ممازحتها إلا أنها أبت الابتسام ظلت على صمتها .
منذ أعوام قليلة عُين بعض الشباب بعد توقف الحكومة عن تعيين أي موظفين جدد لسنوات وسنوات، امتلأ بهم المكتب أضفوا على الحياة بالعمل بعض الحيوية ، تعاملاتهم ،أفكارهم المختلفة ولدت نوعا من الصدام بينهم وبين الكبار القدامى في المكان والخبرة ، فهم لا يتصورون شبابا في عمر صغارهم يزاملوهم ويأخذون نفس حقوقهم ، إلا أن الشباب تلك المرة هم من احتووا الوضع بإتباعهم السياسة السائدة تلك الأيام سياسة ( تكبير الدماغ ) وكان الجميل أنها أتت ثمارها ، كانت ناجحة فهدأت الأمور بسرعة وساد الوئام ، وعرف الصغار كيف يدخلون عالم الكبار ، وفي ذات الوقت يُنفذون ما يريدون .
كانت الأكثر خلافا معهم فهم في عمر أبنائها ، إلا أنها اعتادت وجودهم في النهاية .اليوم هم عنها مشغولون ، لهم مدة يعدون لهذا اليوم الذي لم تكن ترجوه ولم تُرده ، لو لم يذهب ما كان لهذا اليوم مثل تلك الوطأة وهذه القسوة .
لمن تعود ؟!!!!!!!!!! رحل منذ شهور تاركا إياها وحيدة ، أولادها في مقتبل حياتهم كل له شواغله .
في مخيلتها البيت الكئيب دونه ـــ أيام العمر فقدت معناها وألوانها ، قضت معه أكثر من نصف عمرها ـــ تصحو في موعدها كل يوم يلفها الفراغ والوحدة ، كان العمل سلوتها ومقابلة الناس فيه هي كل ما تملك ، الآن صارت بلا عمل.
اليوم هو يومها الأخير ، وجدتهم أقاموا لها حفلا .
علام يحتفلون ؟! بموتها ؟!!!! يكرموها في اليوم الذي فيه تحتضر !!
قالوا كلمات كثيرة ، لم تعِ شيئا ، ولا تذكر ما قد قيل ، كانوا يذكرون محاسنها ، وفناءها سنوات في العمل .
ماذا أفادتني تلك المحاسن وهذا الفناء ؟!! هل مدت في عمري عاما أخر ....... شهرا ...... أسبوعا ...... يوما ؟!!!
هكذا تساءلت .
أعطوها هدايا أحستها كفنا .
أكلوا وشربوا مما أعدته واشترته فتيات ونساء القسم الذي تعمل به من حلوى ومشروبات ، شعرت بهم كمن يتبادلون الأنخاب على روحها .
حانت اللحظة ، لحظة الوداع ، لحظة الفراق ، اللحظة التي لا بعدها لحظات أخرى .صافحتهم . ترقرق الدمع الغالي .
مضت مسرعة تستقبل ما يسمونه ربيع العمر .
رباب كساب
21/4/2007

حواري لجريدة السياسة الكويتية

رباب كساب: حان وقت تجديد دماء الساحة الأدبية أجرت الحوار شروق مدحت  تمردت على الظروف المحيطة ،رافضة الاستسلام لعادات وت...