السبت، 28 فبراير 2009

حظك اليوم

حظك اليوم


لم أعتبر دخوله حياتي لحظة فاصلة ، على الرغم من أني لم أشك لحظة واحدة في أنه قد بدل كل شيء ، وأنه أعادني سيرتي الأولى .

كانت تلك بداية روايتها الجديدة وقد أشعلت فكرها بسطوة وجوده في حياتها .
طالعتها صحف الصباح بخبر غريب وآخر مقيت ، وصراعات لا تكف نشرات الأخبار عن نقلها حية .
تفر الصحيفة بيدها في روتينية معتادة ، صحبتها عينيها وهي تبحث عن عمودها المفضل صاحب الكلمات التي تصيب هدفها في الصميم ( نصف كلمة ) إلى حظها الكائن بيمين الصفحة .
( سوف تسمع اليوم خبر يصيبك بالدهشة ) .
لم تكن تعبأ بالأبراج وبفحواها فهي تعرف كيف يكتبونها ، وتعلم أيضا أنها تتكرر كأنها متوالية .
في ذلك اليوم استطاع طالعها أن يرسم بسمة تعجب على وجهها ، فأي من الأخبار يمكنه أن يرسم الدهشة على وجه اعتاد كل شيء ، وعلى نفس صارت اللامبالاة أسلوبها في الحياة .
خرجت لصحيفتها حيث تعمل ، معها المقال الذي سهرت تعده حتى الصباح ، سلمته وجلست تواصل ترجمة ما يصلها من مقالات فرنسية وما تبثه وكالات الأنباء .
الوقت يمر وهي لا تشعر ، لم يجعلها شيء ترفع عينيها عن الأوراق إلا آلام ظهرها المتسربة في بطء حتى وصلت رأسها .
قامت تفرد جسدها فإذا بها وحدها في المكان ، كيف استغرقت في العمل حتى اختفى الجميع من حولها دون أن تشعر ؟
كيف لم تسمع رنين الهاتف في المكتب وهو أبدا لا يكف ؟ أين كانت ؟
كيف انفصلت عن كل شيء ؟
ساعتها تشير إلى الرابعة والنصف ، لها أكثر من خمس ساعات بالمكان .
خرجت لتستطلع الأمر ، جميع المكاتب خاوية ، أين ذهبوا ؟
أمسكت هاتفها فوجدته قد توقف عن العمل .
كل شيء أصابه السكون .
ماذا حدث ؟
الأسئلة لا تكف ، الأسئلة بلا إجابات ، نار بلا ماء يطفئها .
تسرب الخوف لنفسها ، حملت حقيبتها وعدت نحو الباب ، كل الأبواب مغلقة ما من أحد يفتح لها ، يديها تطرق على الباب بعنف علّ أحدا يسمعها .
جلست منهارة وقد عجزت قدماها عن حملها ، أمسكت دمعة حارة فرت من ورائها .
مرّ عليها شريط حياتها فوجدت أنها قد طردت الجميع إلاها هي ، حتى هو كانت تعلم أنه بعد زهوة الحب وفورته الأولى ستودعه ، كما ودعت كل الناس من قبل حتى أقربهم إليها .
قال لها : انفصالك عنهم ليس بحل ، لن يخلق لك وجودا أو نجاح ، اللامبالاة ليست نهجا .
كانت تسمعه بكثير من عدم الاهتمام كأنها تسمع أغنية بلا معنى في فاصل إذاعي .
خرج أبوها من كفنه معلنا غضبا ما أخفاه يوما ، عَدَت نحوه قاصدة حضنه ، لمسته وما لمسها ، كثيرا ما رفضت هذا الحضن الدافئ ، غاصت في نفسها وحرمتها فيض موجات الحنان الدافئة .
الأشباح تتزايد ، التفت حولها في قوة .
أمها ، أخواها السابحان في بحار الغربة ، لا يربطها بهما غير رسائل قصيرة على الهاتف المحمول ، واتصالات متباعدة .
الجميع يصرخ بها .
أعداد الأشباح في تزايد مستمر الوجوه أغلبها مألوف ، أصدقاء ، زملاء ، أهل ، أقارب ، وهو يتساءل من بين الجموع بصوت جهوري يكاد يصم أذناها : متى ستزهدينني وتمليني ؟ متى ستلقين بي ؟
- حتى أنت ؟!!!
شاشات تليفزيون عديدة انضمت للحشد ، تزخر بما أدارت له ظهرها ، وكانت تقرأه بروتينية العمل ليس إلا .
مقتل جندي بالعراق .
ذبيح في فلسطين .
انفجار بلبنان .
أزمة دارفور .
انقلاب هنا وآخر هناك .
رسوم تسيء لرمز الأمة .
اليوم لا ريموت كنترول لتدير المحطة .
الأصوات تعلو وتعلو ، الجميع يقترب ، الأيادي تمتد نحوها ، تختنق ، تنادي روحها الفارة منها إلى حيث لا تدري .
في الصباح شغل خبر وفاتها يسار الصفحة الأولى بالجريدة التي تعمل بها .
16 / 8 / 2008

الأربعاء، 4 فبراير 2009

في .....ذكراه


وحشتني ... قوي
خلاص خلص يناير
خلص يناير اللي عمري ما بستناه يمكن زمان كنت بستنى بفرحة السنة الجديدة وأستنى بالذات يوم عشرة منه لكن لما جربت يوم 23 اللي أخد مني الفرحة ، وأخد من حياتي النور بقيت خلاص مش بستنى السنة الجديدة مش بستنى يناير .
سنتين دلوقت مش عارفة مروا إزاي ولا عدوا عليا أنا بالذات إزاي .
شفت فيهم كتير وعرفت ناس كتير ناس خدت مني ولا ادتش وناس ادتني ولا خدتش ، ناس قربت وناس بعدت ، جربت يعني إيه تكون بتضحك وجواك مليان وجع ، جربت إزاي تعمل حاجات لا كانت تخطر ببالك إنك تعملها ولا حتى فيها منك ومن ملامحك ، تتكلم كلام مش بتاعك ، تكتب كلام كنت بتتخيله من غير ما تحسه ولما حسيته ملا عيون الناس بالدموع وملاك إنت حزن فوق الحزن .
حاولت كتير ما اكتبش الكلام دا ، حاولت كتير أنسى وأعدي اليوم واخترت إني أعيش يوم 23 المرة دي بعيد ... بعيد وأقضيه مع أحب الناس لقلبي ، صحيح أسعدني ، صحيح ملا حياتي ووقف جنبي ورجعني من تاني أعرفني بعد ما تهت كتير عني ، وعواصف حياتي معاه شغلتني عن كل حاجة ، لكن الغصة اللي جوايا كانت بتمحي ببطء ملامح الفرح .
بعدت عن كل مظاهر الحزن والذكرى .
ليه يوم ميلاده أمي ما جابتش تورتة وعملت عيد ميلاده الستين وافتكرته واترحمت عليه ؟
ليه كانت عايزاني افتكر يوم وفاته اليوم اللي ودع فيه الدنيا وسابني فيها لوحدي ؟
ليه بس بنفتكر يوم الوداع ولا نفتكر يوم الميلاد ؟
مش بنساه ، و كل ما أعدي على( بابا ) في قايمة الأسماء على موبايلي قلبي يوجعني وتجري الدموع لعيني بس مقدرتش أشيله منها ، لكن ليه افتكره في يوم الوداع ؟
ليه ما افتكرش أيامي معاه من يوم ما اتولدت لحد ما راح ؟
ما بقدرش أنسى أبدا كل يوم كان ياخدني فيه الحضانة الصبح ونغني سوا،ولا الحواديت اللي كان بيحكيها لي أنا وأخواتي قبل ما ننام ، ولا أول مرة كتبت فيها اسمي وأد إيه كان فرحان لما كتبت بالقلم الرصاص .... رباب .
ولا أول يوم وداني فيه المدرسة ، ولا زعله مني عشان كنت بليدة قوي في الحساب ، ولا أول يوم وداني فيه الكلية وسابني ورجعت له بالليل متأخرة وألاقيه واقف مستنيني وقلقان في أول مرة أتحرك لوحدي من غيره .
مش قادرة أنسى وأنا لسة عمري سبع سنين وماسكة الجرنان وقاعدة أقرا زيه تمام ، ولا لما تعجبني مقالة وأتناقش فيها وياه ، مش قادرة أنسى لما كنا نتخانق على الكلمات المتقاطعة اللي منها علمني مفردات اللغة ، كان يسبقني ويحلها وكنت أخدها من وراه واسطرها في ورقة وأراجعها من حله اللي دايما صح ، وأوقات كنت ما اعرفش أحلها ويضحك ويقولي أساعدك قولي ما تنكسفيش ، كنت فعلا بابقى مكسوفة بس كنت منه بتعلم .
دايما منه بتعلم .
ويا سلام على فيلم السهرة يقعد يتفرج معانا ع الفيلم للآخر وفي النهاية يقولي فيلم ساقط ابن ..........
طبق الفول من إيده ولا أجدع مطعم يعرف يعمله طعمه وحشني قوي ، كانت متعته إننا نشاركه الأكل ، يفرح قوي لو جاب حاجة وقلنا عليها .... الله حلوة ، كان بيبقى ساعتها زي الطفل الصغير وأحسني في لحظتها أمه مش بنته .
أد إيه مفتقدة إني وأنا راجعة من الشغل ألاقيه واقف مستنيني في البلكونة ، لمسة إيده الصبحية وهو بيقولي إيه مفيش شغل النهاردة ؟ وأنا أبقى مكسلة أقوم أو بتلكع عشان يجي يصحيني بنفسه .
فتحت عيني على ثقافته رغم إن تعليمه متوسط مش عالي ، أول كتب مسكتها كانت كتبه القديمة وملاحظاته اللي كان بيسجلها بخطه الجميل جدا اللي كان بيعملي بيه وسائل الإيضاح اللي المدرسة بتطلبها مننا كل سنة وبتطلع أحسن لوح تتعلق في الفصل .
أول مرة قريت كلام أغنية ألف ليلة وليلة كانت بخطه لقيتها في كتاب قديم من كتبه .
ورحت أدور ع الأغنية اللي باعتبرها من أقرب أغاني الست لقلبي .
كنت أقوله حرام عليك الجرنان اشتكى في ايدك هو عاد فيه خبر ما قريتوش ؟
كان يبص لي كده من فوق لتحت ويقولي لسة شوية ما أنا سايبه ليكي طول النهار ، بيغيظني مش اكتر .
ياااااااااااااااه سنين كتير من عمري كانت وياه في حضنه ، كان بيفهمني من غير ما أتكلم ، كان بيعرفني من بس كلمة ، أمي بتقولي إنتي نسخة منه ، بصراحة كل ما بتعدي الأيام بلاقيني فعلا ........هو .
أنسى إزاي راجل خرجت البلد كلها لوداعه ، ناس جت من كل حتة من قريب ومن بعيد ، مناصب مكنتش أعرف إنه يعرف أصحابها وناس بسيطة جدا كان يعرفها ، محصل شركة الكهربا مابقاش عايز يجي يدينا وصل النور بيوديه للجيران عشان مش قادر يخبط علينا وما يلاقيهوش أول مرة شفته بعدها بكى وسابني ومشي ، دموع كتير شفتها في عيون كل واحد عرفه ، رجال ما تخيلت لحظة إني أشوف دموعهم .
خطيب الجمعة في الجامع اللي بيصلي فيه فضل يدعي له أكتر من جمعة ، أنساه إزاي وهو سايبلي حب الناس ليه وترحمهم عليه حاجة ما تتقدرش .
مش نساياك ومش معنى إني هربت يوم ذكرى وفاتك إني نسيتك أنا مقدرش أنساك لأني لو نسيتك يبقى بانسى عمري كله ، بانسى نفسي وكل اللي علمتهولي وتعبك عشاني ومعايا .
في كتير كلام نفسي أقوله ، في كتير أحداث مرت علينا ما تتنسيش ، ظروف كتير صعبة وأيام كتير حلوة ، نجاح وفشل وكلام أملا بيه كتب ، وإن حصل ودا مستحيل إني أنسى فأنا لسة بكتب اسمي رباب عبد الحكيم .
وحشتني .
2/2/2009

الأربعاء، 21 يناير 2009

مسرودة


مسرودة روايتي الجديدة في معرض الكتاب الأسبوع المقبل إن شاء الله























والطبعة الثانية من رواية قفص اسمه أنا





السبت، 3 يناير 2009

موريستان



موريستان


ارتفع صوت زهر الطاولة و( القواشيط ) وعلا أوار اللعبة معانقا صوت خالتي وقد تملكتها قدرتها التنجيمية وهي تمسك بفنجان قهوة أمي تقلبه بين يديها .

جالت عيني بين أبي وزوج خالتي المتحاربان على صفحة الطاولة ، وأمي وأختها اللتان اندمجتا في معرفة الغيب من جدر فنجان القهوة .

طلبات الجميع لا تنتهي بين قهوة وشاي ومشروبات غازية وأنا وحدي في الخدمة .

أختي وابنة خالتي أخذتا من المرآة ملاذا ليجربا وجهيهما بآخر صيحات المساحيق .

نادتني إحداهما قائلة : تفتكري مكياج إليسا لسة موضة ولا نانسي ؟

صرخت الأخرى بقوة غريبة : لا عيون إليسا لسة الموضة ولا إيه ؟

نظرت إليهما وقلت بعد تصنع التفكير : جوليا روبرتس أحسن .

نظرتا إليّ كما لو كنت مجنونة كعادة كل أهلي ، لم يلتفتا إليّ عادتا لتجربة العيون المدخنة ( smoking) أقصد عيني إليسا ، وتجربة شفاه نوال ووجنات عَدَلات...... العدد كبير .

- الفاكهة فين الفاكهة ؟

هكذا صرخت أمي ، تركت ما بيدي وذهبت لأحضر لها ما طلبت ، عدت فوجدت عينيها باكية ، تساءلت قالت خالتي وهي تنظر لي بإشفاق : أبدا يا حبيبتي عينها بس انطرفت .

سمعتها وأنا بالداخل تخبرها وهي لازالت تتأمل الفنجان بعمق متتبعة خطوطه بأن أمر زواجي لازال بعيدا لهذا طفر دمع أمي حزنا عليّ .

ضحك قلبي وواريت ابتسامة كادت تفر مني إشفاقا عليهما ، لكن صوت أبي ارتفع مرة واحدة وهو يغلق جنبي الطاولة بعنف : خلصت العشرة يا جميل .

فاز أبي كالعادة وزوج خالتي يصر على لعب عشرة جديدة ليثبت له قدرته على الفوز لولا أنه يقرص الزهر .

اقتربت من شاشة الحاسب ، رسائل عشر جديدة كلها تحمل معنى واحد ( أين أنتِ ؟ )

أسفل الشرفة يجلس كعادته أمام محل بقالته مسددا نظره للبيت المقابل علها تمن عليه بنظرة ، ناديته طالبة كيلو سكر ، أدليت له السبت بالنقود وعاجلته بنظرة فهمها على الفور ليلحق بها قبل أن تدخل مرة أخرى ، شكرني بعينيه وعاد يتطلع إليها .

- الشاي عايزين شاي.

عاجلت أبي وزوج خالتي بكوبي الشاي وقد بدآ مباراة جديدة .

في الحجرة المجاورة التليفزيون لا تتغير قنواته عن قنوات أغاني ( الفيديو كليب ) ، إليسا وشركاها يحتلان بيتنا ما بين مقلديها ومشاهديها .

عبر الهاتف أعلنت لي صديقتي عن رغبتها في اللحاق بآخر أسبوع لفيلم جديد بالسينما .

لم تتطرق لما كانت تود الحديث عنه من إخفاقي الجديد .

قهوتي فارت على الموقد وقد شردت عنها بعيدا ودوري الذي كان مهزلة حقيقية بآخر مسرحية .

في الشرفة جلست وحدي وفنجان قهوتي عديم الوجه ، كان طعمها كطعم فشلي .

حاولت أن أثبت لنفسي أني فشلت لعدم اقتناعي بالدور ، وتساءلت : ماذا لو كانوا قد أعطوني دور الراقصة ؟

خرجت عليّ من محبسها كأنها كانت تتحين الفرصة لتصب عليّ جم غضبها ، كانت تعلم جيدا أني أخشى نظرة الناس وسوء فهمهم لذا تململت عند قراءتي المسرحية وبعدت كل البعد عن دور الراقصة .

- ما كان لكِ أن تعملي بالفن إذا ، الفن لا يعرف الخوف وحسابات البشر.

صرخت بها : ما تدخليش معايا في حوارات فلسفية إنتي السبب .

أسكت صوتها المتمرد فما كان بي رغبة لسماعها تلك النفس التي لا ترضى وتهوى فقط فرض سلطتها عليّ .

لكن دور الراقصة كان فعلا يناسبني بشدة ، ما كان لي أن أضيعه بتلك الصورة .

- اعملي لينا عصير يا حبيبتي ريقنا نشف م القهوة .

الجوافة في الخلاط كما الأفكار بعقلي ( موريستان ، لخبطة ) وفجأة شعرت بأني بدنيا غير الدنيا اختفى صوت الخلاط ...... الزهر الضارب جنبي الطاولة .......... الأغاني ........أمي الناشدة الغيب .

وجدتني أعتلي خشبة المسرح هناك ــ حيث مكاني ــ أصول وأجول ، تُعبّر يدي ، ويخلق جسدي حوارا بلا كلمات ، يفعل النغم فعله فيتزوج جسدي ويلتقيا في لحظة عشق طويلة ، ترجمتها لموجات انسيابية ، حركات لا إرادية ، وتبلغ الذروة مبلغها فتسمو فوق كل شيء لأفيق على صوت التصفيق يتعالى وعبارات الإعجاب تتوالى .

- هايل .

- برافو.

- رائع .

انحنيت أبادل جمهوري التحية ، آخذة باقات الزهور التي عانقوني بها لامعة عيني بزهو الفرحة .

- العصير يا بنتي فين العصير ؟

15 / 11 / 2008


الجمعة، 26 ديسمبر 2008

ابنتي


ابنتي

أدرت ظهري عنها ، وخرجت من بابٍ لم أعد له مرة أخرى ، كنت أعرف أني وهي لن نتفق أبداً ، تلك التي منطقها الحياة الحب .
ساعات من الانتظار حملتني إلى آفاق غريبة بعيدة ، هناك التقيت بالمجهول المنتظر ، وقابلتها ، ألقت بها الصدفة في طريقي ، لا أدري لماذا ؟
نظرت لي بذات النظرة المعبرة قاصدة حوارا لم يكتمل ، لم تبادر هي بالكلام ، وجهت لها سهام نظراتي الصامتة وقد عادت كلماتها في لقائنا الأول ترن بأذني : الحياة الحب .
ما كانت تدري أنه قدم لي الكأس التي أفرغتها في جوفي العطش لهبا أحرقه .
كانت روايتي ناقوس هزت دقاته كل ثوابتها ، أخذتني في لحظة بكائية على صدرها ، ربتت على كتفي كما لو كانت أمي .
أمي !! نسيت تلك الكلمة مع غيرها من الكلمات التي شطبتها من قاموس حياتي ووجودي .
استيقظت قبل سنين وأنا لست أنا ، تَرَكْتَنيِ في وادٍ بعيدٍ تتفرق فيه الأمنيات كنباتات الصبار في قلب الصحراء ، بين الحين والآخر أحن لصدرها الذي حرمتني منه ، كانت هناك دائما أولويات كنت آخرها .
الأيام تمر باردة ، من شاطئ لآخر تقذف بي ، وما من شاطئ يحمل لي لحظة فرح .
يوم خرجت من أحشائي امرأة أخرى انضمت لطابور النساء لم أكن أعلم أني ارتكبت جرما حين وضعتها أنثى .
خشيت أن أكون كتلك التي كنت في نهاية طابور اهتماماتها .
لكن تلك الآهة التي أخرجتها للنور ، والدمعة التي استقبلها خدها الناعم حين أبصرت براءتها ولَّدت داخلي حبا ما تخيلته .
بكاءها أوجعني فرحت أتساءل : هل أوجعها بكائي يوما ؟!!
ألقمتها ثديي وراقبتها مرات ومرات وهي تمتص رحيق الحياة مني .
أشعر بجوعها وأنا بعيدة عنها ، ترسل نداءات تؤلم صدري المكتنز بحليبها ، أهرع في عجل إليها ، ولا أعبأ إن كانت تفضل ثديا عن الآخر ، هي ما تهمني لا مظهري .
ليال سهر تتالى ، ودموع أمسحها بقلبي ، وسنوات تمر وأنا أرقب نموها ، أتركها تتساند على أناملي وهي تخطو أولى خطواتها ، وأساعدها لتنطق أول كلماتها ، كنت أول من نادتها.
- ماما .
كم هي جميلة تلك الكلمة من فمها .
صور شتى لأيام كنت أعدها الأحلى .
إلا أنها قصمت ظهري بضربة قاضية أخلفت توقعاتي حين وقفت في براءة أمام القاضي وقالت : أريده هو لا هي .
خسرت كل قضاياي في لحظة واحدة ، كم دافعت عن مظلومين ، كم أخرجت أناس من غياهب سجونهم ، وحبستني ابنتي في سجن للأبد .
خرجت من ساحة محاكمتي مهزومة مرتين ، وشعور بالانكسار يمزقني .
لحظتها عرفت أن الحياة لا تعرف كنه الحب .

15 / 8 /2008

الأربعاء، 10 ديسمبر 2008

بين بين


بين..... بين



استوقفتني كلماته عند باب الروح أغالب عقلي الذي سعى للفهم وقلبي الذي ينشد الأمل .

انتابتني رغبة مستترة في معانقة الحلم لحظة أن نطق بأول كلمات فتشت لي سره .

دفعني الخوف عنه بعيدا .

الآن تسبقني الأيام إليه ويتسابق هو وعقلي وقلبي في آن واحد ، بات يرضيهما فصرت أجول بينه وهما ويغمرني رحيق الحيرة .

آنسني صوته في ليل الشتاء البارد ، وآنست حرفه فكان نبراسا لكل من ضل .

استقالت حياة العبث وانضمت لعمر صار ذكرى وغمرت النفس رغبة في الانقلاب ، فسره الآخر بأنه دعوة للانحلال .

الحرية ليست انحلالا بل القيد هو العبث بعينه .

حللت ضفائري وتركت الهواء يعبث بخصلاتي المبعثرة ودفعت يده بعيدا وقد جاء محاولا لملمة الخصلات المحاربة ، النافذة لعمق الوجود المتسلسل بسلاسل حريرية .

دفعته وعلى لساني تنطلق الرغبة تواجه المجهول الغارق في الظلام .

ساتر يفصل بينه وبينه ، بحاجة لقوة اكتوبرية تحيله للاشيء .

عقل مُحَجّب بحجاب كذلك الذي تضعه أمي أسفل الوسادة ، وعقل يداعب الحرف في استزادة .

قلب يسير بنهج طفل لا يكبر ، وقلب يوارى الألم في سطور الكلمات .

نفس تسبح في الجهل ، ونفس تسلك الأنانية سبيلا .

على ذلك الصراط أسير بين بين ، مجروح لدي صوت الــ ( لا ) مشروخ صوت الــ (النعم ) .

كل يجذبني ناحيته بسر الحاء والباء ولم يسألاني لمن تهفو روحي .

صارت حرب بقلم ومندل .

حدوتة جدتي القديمة تسكن عقلي فمن يأتي بمرآة الغول يحمل ست الحسن لعشه .

السباق وعر .

الضحكات من فمي تتناثر ، والدمعات من قلبي تتجاسر ، حلمي المقصوف ترك سنه ينغمس في حبر دمعي الأسود مشاطرا خصميّ الوجود .

انتظرت الفائز بزهو ملكة النحل التي تنال ذكرها ثم تقتله .

سوف أجعل من دم الفائز مداد عمري القادم ، حلم الغد .

سيراق دما جديدا ، وصفحة أخرى تضاف لصفحات كتابي الزاخر بدماء تتجدد بكارتها كل حين .

كل الشواهد تعلن فوز المندل والبنك .

طأطأ القلم رأسه وبعبراته قال : في زمن العسكر يزهو الجهل متباهيا .

وتزف الملكة بحجاب المحبة المغزول بخيوط الأنا .

في غمرة اللذة يسقط صريعا ليقف القلم منتصبا مخدرا جاهل الدرس هو الآخر .

نظرت إليه ، أدرت ظهري ومضيت دون التفات .

23 / 10 / 2008

1.30صباحا

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2008

طريق البداية



طريق البداية

خطوات متعجلة تستصرخ عمرا استباحني فيه السكون ، صعدت درجات سلم بطول الهرم الأكبر .

نظرت من علٍ وجدتني بالأسفل لازلت هناك بضآلتي أرقب من بعيد ما صعد مني تاركا إياي خلفه .

جذبتني يد لا أعرف صاحبها ، التفت إليه ، كان هو صاحب الصدفة ، أكبر صدف حياتي على الإطلاق .

ابتسمت .

بادلني الابتسام بتجهم وسؤال ، عانقت سؤاله بحميمية خففت عني قسوته .

سرت خلفه كطفلة تتعلق بيد أبيها المطبق على كفها حتى لا تتوه منه ، خطواته واسعة وخطواتي تعدو لتلحق به ، أنفاسي تتلاحق .

توقف فجأة ودفعني لما يشبه التابوت ، وجدتني محاطة بجانبين وظهري لحائط وهو أمامي يسد عني النور .

سدد نظراته الحادة إليّ ، انكمشت خوفا ، سرت بجسدي رعدة ، خلته سيغلق عليّ المكان أو سيميل ويطبق على شفتي مغتصبا قبلة ....... أردتها .

لكنه ما فعل ، منعني الخوف سؤاله .

أدار لي ظهره ولكنه لازال حائلا بيني وبين الخروج .

وجدت قميصه ينحسر عنه ببطء كاشفا لي ظهره .

رعدة ...... قلق ......... خوف .

مشاعر شتى انتابتني انتهت بارتباك ، وحزن ويدي تتحسس ندبات حُفرت بعنف على ظهره ، وددت لو سارت شفتاي تجوس أرضه ، تلثم ندباته فتعيده لسابق عهده دونها.

لكن يدي ربتت على كتفه ، رفعت قميصه لموضعه .

التفت إليّ أغلقت أزراره واحدا ، واحدا في صمت بعين يغرقها الوجع .

حرت بماذا أنطق وكيف أسأل ؟

قرأ بعيني كل أسئلتي .

بادرته قائلة : ألا تجيب ؟

- وحدك ستعرفين .

- لماذا تحيرني ؟

- لابد أن تحتاري حتى تخرجي من ذلك التابوت ، دائما تأتيك الفرصة لكنك تستعذبين الحبس والقيود .

- أنا ؟

- نعم أنت .

داهمني شعور بكوني طفلة وعاد إحساس التضاؤل من جديد ورأيتني نقطة سوداء صغيرة دنست صفحة شديدة البياض .

كأنه شعر ما بداخلي ، وجدته يطبق على كفي من جديد وظل يعدو ويعدو ، وأنا خلفه أواصل الرحلة وقد كلت قدماي .

توقف عند محطة القطارات وقال : انظري ، انظري .

وصمت صمت رهيب ، البشر حولي من كل شكل ولون ، يمرون أمامي وأنا جالسة إلى جواره لا أعرف لي وجهة .

تشغلني ندباته التي لا أعرف من أين وكيف جاءت ؟

طال صمته دون فائدة .

أخرجت رواية من حقيبتي أبدد بها صمته وانتظاري وانتقلت فجأة معها من محطة القطارات إلى الجزائر إلى قسنطينة وجسورها العديدة ، لشاب فقير يقاوم أهله من أجل جزائر حرة جديدة ، ومقاومة من صُلب وجهاد بمدفع وجهاد بكتاب .

بين سطر وآخر ألمح صمته العتيد وصدره الذي يعلو ويهبط كأنه يجاهد أنفاسه .

قطعت شرودي عجوز تسألني من مال الله .

نظرت إليها بغير شفقة أعلم أنَّ لديها مالا يغنيني لكني بآلية وضعت يدي بحقيبتي وأخرجت لها ما تيسر .

عدت لصفحات الكتاب وللشاب الذاهب للمدينة وللمدرسة الثانوية ليضيء شمعة تنير دهاليز الجهل .

ذاهبا يحمل على كاهله عبء قرية رأت فيه النور فساعدوه بكل ما لديهم ، فرحل حاملا من الزاد اليسير ، سائرا بلسان شاعر .

صوت أقدام تحك الأرض برعونة جعلتني أترك الصغير ومغامرة العارم والجندي الفرنسي في الوادي الجزائري لأرى لمن وقع هذه الأقدام .

فإذا بعيني تصطدم بقضيبي سكة حديد يتقدمهما طفلهما الذي لا أعرف متى التقيا حتى جاء .

يحمل وجهيهما بعدا كبيرا وافتقادا للمودة كما يحمل الغضب .

يلهو طفلهما ويحك الأرض بقدميه غير عابئ بهما كأنه اعتادهما على هذا النحو .

كلما عدت للرواية اقتحم معها سراديب الروح متشحة بالأمل يعود بي المسافرون لرصيف المحطة وللانتظار ، أتطلع لما حولي وكأني أرى للمرة الأولى ، فاجأني نهد نافر من رداء أعوج يصرخ بهستيرية أنا هنا فهل من مغامر ؟

وعامل نظافة يؤدي عمله بلا رغبة ، يمد مكنسته بين أرجل المسافرين الجالسين على مقاعد الانتظار في صلف وبلا استئذان .

أغلقت الرواية ، أسكنتها حقيبتي ؛ لأواصل رحلتي بين هؤلاء المسافرون في الوجع.

رحلاتهم للآه ، حقائبهم من هَمْ .

مر بي رجل يحمل الكثير من الأوراق ، أزعجتني عين قلبه الدامعة أبصرت عجزي متجليا فما كنت أملك له طوق نجاة ، أو قبلة حياة .

أطبقت على كفه فهو من ألقى بي في هوة هؤلاء .

وجدتها باردة كنظراته لي .

قمت ، لم يسألني إلى أين ؟

مشيت على الرصيف أواصل النظر بعيدا عن الناس ، أستطلع القطار الذي لا أعلم وجهته ، ومن أين سيأتي ، كنت أشارك الناس حلم أن يأتي المُنتظر مبددا سأم انتظاره .

فإذا بي أرتطم بعذابات أم تطل من إعلان عن ضائع ، مفقود خلفته الحياة وراءها .

عدت لجلستي بجواره دون أن يسأل أين كنت ؟ كأنه يعلم أني عائدة لا محالة .

موظفة المحطة أعلنت عن قطار قادم ، استمع لها في ترقب ثم أمسك بيدي وقام .

وجدتنا في الطريق إلى الإسكندرية ، خلته سيقضي معي يوما بألف يوم .

على شاطئ البحر نفث دخان سيجارته بوجهي وكان لازال على صمته ، قلت : من أين جاءت ؟ وكيف ؟

وجه ناظريه بعيدا نحو البحر ، وهو يواصل تدخينه ثم قال : من العالم الذي منه تهربين .

- أي عالم ؟

- عالم الأحياء ، من تنعزلين عنهم وتعيشين بصفحة كتاب عتيق ، من تتفننين بإيهامهم بك بطلة رغم كونك لست إلا بطلة في فيلم من أفلام السينما الصامتة ترتدين ثوب البراءة وتحلمين بوردة حمراء تتنسمين رحيقها ، ورجل يضع وردة بيضاء في عروة جاكته .

فجأة اتخذ موضع المهاجم وضاعت مني كلماتي ، تاهت في موجة هجوم لم تلق لدي رد فعل ، وأنا أجده يدعوني لسماع الآهات ؛لأعرف كيف جاءت الندبات ، وأنصت لصوت العالم الضائع من كثرة الصراخ ، وأن أجعل منهم قضيتي .

استمر في تأنيبي وتحقير دوري واصفا إياي بالشهيدة والإلهة المبرأة ، وسعادتي بهذا الدور .

- ابحثي عن أدوار جديدة قبل أن يملك الجمهور ، اصرخي مع الناس حتى لو طال جسدك الجميل الندبات .

تأملتني للحظة مصطدمة بكلماته ، ورذاذ الموج الهادر وتخيلت جسدي والندبات .

لم أسمعه وهو يقول : ندبات الجسد أخف وطأة من ندبات الروح ، ماء البحر لن يكفي لإزالة القبح ، ولكن ..... .

8/10/2008

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2008

أكان اسمها أمل ؟


أكان اسمها أمل ؟


وقفت في شموخ تَعَجَبَّه وقالت : أنْ تبصر وجودا ما كان غير أن تتحدث عن وجودٍ كان ، شاهدا سموت بحياة ، راغبا في محو ما كان ، طالبا العفو من زمن خان .
هكذا أنت تحتال على وجودك بالخيال ، تخلق من الوهم أسباباً وأعذاراً ، تتوهم غير الحقيقة وتتبوأ عرش مملكة الخيال .
انظر ، انظر ذلك البرج العالي ، ألم ترى يوما أنوار الحياة من أعلى ، لقد اخترقتك أشعتها ، أذابتك كما أذابت الأمل المنتحر بداخلي .
أكان اسمها أمل ؟!!!
صدمه السؤال وعقدت الدهشة لسانه من حديثها لكنها واصلت بلا توقف : إني أرى طيفها في كل أجزائك ، ملامح وجهك تحمل حروف اسمها ، كلماتك حين أتأملها وأرتبها أحصل على تلك الأمل .
حرف الألف يخرج من داخلك كضغط الآهات على القلب ، الميم تضمها شفتيك في حنان بديع ، اللام يصبغها لسانك بالحب .
حاول أن ينطق التفت الكلمات هالة من حوله ، منعته ، لم تكن ترغب بحديث الشفقة المطلة من عينيه الباردتين حين يتحدث إليها ، إنهما لا تعرفان الوهج إلا إذا عانق لسانه اسمها .
- الأحمر لونها أليس كذلك ؟
يقتلني الأحمر كما يقتلها الأزرق ..... لوني !!
لماذا الدهشة ؟ ولماذا الشفقة ؟
ما وجد كلمات أمام سيلها المتدفق ، دنا منها أحاطها بكلتا يديه ، لمسته حانية لكنها تفتقر الحب . انفلتت من بين يديه .
في خلفية دامية تصلبه فيها الحيرة فتسيل الدماء من كفيه .
- لكم أشفق عليك . ما كنت لتضحي ، وما أنت بمسيح ، لم الحيرة وأنت تريدها ؟
- وأنت ِ ؟
ضحكت ضحكة عالية ردا عليه .
تعجب ذاك الرد ، حاول أن يستل سيفا من برودٍ يواجهها به ، لكن الثلج الغائر في أعماقها كسر سيفه وأشعل برده .
واجهته سبابتها في قوة وهي تقول : الحياة مواقف يا عزيزي ، إما أن تفعل أو لا تفعل ولكل فعل ضحايا .
تنامت دهشته بقوة وقال : ألا يضيرك أن تكوني ضحية ؟
- ولماذا لا تعتبرني ناجية ؟
- أوَ كنت لكِ شركا ؟
- أنتَ رصاصة طائشة ، مست القلب دون أن تميته .
سمع الكلمات ، نطق وجهه بما توقعت قبل أن يصرخ لسانه : أمل ، أمل .
وهو يمضي منسحبا .
ابتسمت ، كانت تعرف أنَّ انتصاره بضعف أمل .
وصله صوتها العالي يقول : الأقوياء يتصارعون في حروب طويلة الأمد لا تنتهي إلا بضعف أحدهم ، ما كنت لتصبح شهيدا على أنقاضي ، ما كنت لتصبح شهيدا على أنقاضي .
كانت تلك آخر كلماتها قبل أن يسدل الستار ويصفق الجمهور الذي وقفت تحييه شاكرة إياه بدمعة .
13/9 / 2008

السبت، 6 سبتمبر 2008

يأس


يأس


نقل الليل صدى أنفاسه المتقطعة في الحجرة الخالية إلا منه ممددا على سرير متهالك ، لم يمهله الإرهاق وقتا ليبدل ملابسه ، أخذه الكرى وقد خلع فردة حذاء دون الأخرى .
كانت الساعة قد قاربت العاشرة لحظة أن ضمته الحجرة من مساء يوم قضاه متنقلا بين شوارع المدينة الآهلة بالمكاتب والشركات والمقاهي والكافيتريات والمحال التجارية ، كل هذا لم يجد فيه سَم إبرة ليُحشر فيه آخذا نصيبا شهريا .
الوقت يمر وهو في سُبات عميق رغم أنَّ عقله يعمل بلا توقف ، رأى أشباحاً وخيالات ، رأى نارا تأكله .
أيقظه الفزع مختلطا بصوت الطقوس اليومية لجاره قبل صلاة الفجر .
فتح عينيه بصعوبة ، كان يشعر أنه لم ينم ، حاول القيام ولكن خذله جسمه ، وأعلنت قدميه كل أوجاعها في تلك اللحظة ، واصل استلقاءه لكن إلحاح مثانته عليه دفعه دفعا ليقوم .
فاجأته هيئته وهو مار بنصف المرآةِ المعلقة على الحائط المجاور لسريره ، كاد يفرغ ما في جوفه اشمئزازا .
ارتفع صوت المؤذن الله أكبر .
ألقى نفسه تحت الماء البارد ليزيل ما بقى من كسل وإرهاق .
وقف بين يدي الله .
بكى ، انتحب .
ضاقت به الدنيا ، ذهب الأهل ، الأصدقاء كل قد شق طريقا في الدنيا الواسعة التي خلت إلا منه .
قابله الجار عائدا من صلاة الفجر ، سأله عن وجهته ولم تستيقظ الحياة بعد .
- محاولة جديدة .
لم تنعشه نسمات الفجر .
كانت الحياة قد بدأت تزحف حثيثا لتبدد آخر مظاهر السكون .
اتجه نحو البحر ، جلس على مقعد من مقاعد الكورنيش الخاوية ، وجد لطمات الموج كلطمات الحياة التي تصفعه بلا رحمة .
استفاقت المدينة من سباتها في صباح ربيعي هادئ ، لم يكن الصيف قد شد رحاله إليها بعد .
النور يبدد عتمة البحر شيئا فشيئا .
تساءل متى للنور أنْ يأتي مبددا عتمتي ؟ سؤال من قلب اليأس أذاب ما بقى من صبر .
جذبته رائحة اليود جعلته يترك مكانه متجها لحضن الوحش الثائر ، ارتمى بين أحضان موجه الذي حمله دون مقاومة منه ، فاقدا كل رغباته .
خرجت يد من فيض الرحمة ، حملته ، تمدد على رمل الشاطئ وقد فتح عينيه فقابلته عينان ممزوجتان بزرقة السماء الناعمة تبتسمان في راحة وتقولان : لا يأس من رحمة الله .

31 / 7 /2008

الاثنين، 11 أغسطس 2008

ذات مساء


ذات مساء



تسللت رائحة القهوة إليّ فأرسل عبقها لعقلي إشارات نبهته ، كما نبهت حواسي لتلك المتعة المنتظرة حين تتلامس رشفات القهوة وفمي .
تلك المرة فشلت في الحصول على البُن الذي أحبه ، تكاسلت كالعادة فأحضروا لي ما وجدوه فما كان مني إلا أن نطقت بعبارات الشكر غير شاكرة .
وحدي في شرفتي ، وفنجان قهوتي ، وذلك الكتاب الذي انتقيته من بين عشرات ينتظرون دورهم في القراءة .
لم تتبدد حالة السأم ، ولم تنعشني قهوتي .
رنوت ببصري بعيدا حيث السماء الفسيحة ، لازال قرص الشمس يشغلها ، أحمره البرتقالي ينذر بأفوله ، لكني أتعلق بنورها .
يعشقون سكون الليل ، وأهوى صخب النهار .
استمرت مناجاتي للشمس حتى غربت في خلفية للوحة باهرة الحسن ، ناطقة أركانها بالجمال ، تصاحبها موسيقى تنطلق من كل شيء ، موسيقى الطبيعة الساحرة .
رنّ جرس الهاتف ، أيقظني لأُخرج كياني من تلك اللوحة التي كنت جزءاً رئيسيا منها .
استمعت لمحدثي ، كانت أختي ، اختارت هذا الوقت لتثرثر ، تركتها تثرثر وتباينت ردودي عليها بين آه ، أيوة ، فعلا ، كان لازم .........
دون أن أزيد ، أو أفتح أية موضوعات ، كانت بي رغبة للحاق بلوحتي ، واحتلال مكاني قبل أن يشغله غيري .
عقد النجوم التي أظهرها الظلام كان تاجا في مفرق شعري ، أغلقت الهاتف لأعدو نحو الشرفة استحضر ما فاتني ، وأتواصل من جديد .
تنادي عليّ واحدة من الجارات التفت إليها ، طلبت مني أن ألملم غسيلي حتى يتثنى لها نشر غسيلها ، تنشر أو لا تنشر ، ماذا يفعل إذن مجفف غسالتها ؟!!
قلت لها : حاضر .
عدت حيث تركتني .
نور المصباح المتراقص على صفحات الكتاب زادها صفرة وزادني ابتعادا ، لم يكن كشمسي يضيء نورها كل شيء حتى الصفحات المصفرة .
عادت الجارة تنادي ، في تلك المرة كانت تستأذني لتجلس معي قليلا .
أعلم أن جلساتها غير قصيرة ، فهي تطول ، وتطول ولا ينهيها إلا رؤيتها لزوجها من الشرفة عائدا ، أو حين تسمع دبيب خطواته على السلم .
مرات كنت أجلس معها وأدعو الله في سري أن يعود زوجها بين لحظة وأخرى ولكن دون فائدة ، من الواضح أنه يعلم مصيره فيبتعد قدر الإمكان .
هي سيدة طيبة لا أنكر ، لكنها خاوية جدا ، لا تجمعني بها أية هموم مشتركة .
تشكو دائما وحدتها ، وغياب زوجها ، وحرمانها من الأطفال ، وكان هذا سببا في أني لا أردها رغم ضيقي بحديثها .
لم يعد الزوج ، أوشك الليل الانتصاف ، ترجمت ضيقي لموجات تثاؤب متعاقبة ، لكنها لم تحس ولم تشعر بالوقت الذي كنت أحصيه بالثانية ، متسمعة فيه دبيب أية خطوات علها تكون خطواته فتهب واقفة وهي تقول : لازم أمشي محمد جه .
الكتاب إلى جواري لم تتحرك صفحته العاشرة .
في الثانية عشرة ودقيقة واحدة قدم محمد لينقذني ، أغلقت الباب خلفها ، ودخلت إلى الحمام مسرعة .
نزعت عني ملابسي ، تركت الماء يعبث بجسدي ،يفك أسره ،ينعش خلاياه المتيبسة .
شعرت بانتعاش غريب ،ورغبة بالطعام ،رغم أن موعد عشائي قد مر عليه ساعات .
تركت شعري المبلل على ظهري دون تمشيط أو تجفيف ، أعددت كوب شاي وجلست إلى كتابي ، صفحة الكتاب العاشرة انتقلت للخمسين .
جاءني صوته من ماضٍ بعيد يسألني عني ، لم أنسه يوما ، ولم يمض يوم إلا وكان معي .
امتزج وبطل الكتاب الذي كان يردد لمحبوبته كثير من كلامه .
كان بطل حياتي و كل رواياتي ، حين مضى توقف القلم ، استقال فلا حياة له بدونه .
قدم لي استقالته على كفن أبيض وفستان أسود لا أذكر كيف خلعته ؟
الكل من حولي أجبروني على أن التفت لحياتي .
- لن يعيده الأسود .
كنت أعلم ، وحين خلعته لم أكن أدري أن قلبي هو من يتشح بالسواد ، هو من كان يلبسه ، لازلت لا أرى غيره .
انسالت على صفحة الكتاب الخمسين دمعة حارة .
شعرت به يمسحها مقبلا وجنتي ويدي ، مددت يدي عن آخرهما لاحتضنه ، سقط الكتاب واحتضنت الفراغ .

10/7/2008

الخميس، 17 يوليو 2008

هروب


هروب


أُسدلت الدهشة ستارا على وجهه ، سأل نفسه سؤالا واحدا ، هل أعرفها ؟!!
كنت أحس ما يدور بعقله ، لم أجيبه .
كان عليّ الهرب وهذا أسلوبي ، أن أمتشق سبل العيش داخل من أهرب منهم ، لا أبتعد بل أقترب في قوة متعللة بأنَّ المواجهة خير سبيل للقضاء على ما أسميته يوما ......... حبا .

أرسل لي صوته عبر مساء كدت فيه أموت شوقا إليه ، حمَّلني ضيقه ، أورثني ألما فوق ألمي ، ما تركته إلا وضحكته ترن في أذني .

خرجت حاملة ملفا كبيرا ذات صباح ، أردته أن يأتي ، الهواء محملا برطوبة خنقتني .
اصطدمت بالروتين في أول عناق لي بأروقة المكاتب الحكومية ، من مكتب لآخر ، ومن موظف لآخر .
رنين هاتفي بنغمته المخصصة أخرجني من دائرة الملل والانتظار ، لم أمتلك نفسي وانفجرت كالمدفع معبرة عن ضيق عجزت عن كتمانه .
ما كان عليه أن يتصل الآن ويلقي بحمول جديدة عليّ .

ما كان لأبي أن يموت ويتركني أحارب مع هؤلاء الحمقى .

أَغلق الهاتف دون كلمة لأعود لدائرة الحمقى أنتظر ، لم ينته الورق .

الأسود تحت أشعة الشمس يجعلني أئن بفعل أسراب النمل التي تسير منتشية مختلطة بعرقي المالح .

الأيام تمضي ، هو بعيد غاضب ، وأنا استل سيفا من ورق أواجه به جبابرة العادات والروتين .

استطاع أحد معارفي أن يلحق جلستي لإعلام الوراثة بآخر صف القضايا ( الرول ) ، كلمتان معسولتان ، بضعة جنيهات وضعها في يد العامل المشمئز .
كنت الأخيرة .
الشاهدان يتململان أحدهما مصالحه معطلة ، تليفونه لا يكف عن الرنين بين الحين والآخر .
الزحام مستميت والمكان خانق ، وأسراب النمل السائرة في جسدي استيقظت من جديد .
ينحرني الوقت ، ويؤلمني الوقوف طويلا ، لا مكان للانتظار والجلوس .
يرن هاتفي بنغمته ، لم أرد .
شوقي إليه يدميني ، منذ آخر حديث وهذا الغضب الذي أنزلته مطراً عليه لم يحدثني ولم أحدثه .
لماذا يتصل بي في كل مرة اشتعل بنيران غضبي ، أيحس احتياجي له في هذا الوقت بالذات ؟! لا أظن .

لازال الهاتف يرن .

الحاجب ينادي جلستي .

أغلقت الهاتف .

القاضي يسأل الشاهدان دوني .
يقرا بأن الوارد أسماءهم في الإعلام هم أهل المتوفى .

أبي كان كل ما لدي ، الآن يحمل لقب المتوفى .

انتهت الجلسة بي آخر قضية .

نزلت السلم بقدمين كما جوالين من الرمل .
شكرت الشاهدين ، مضيت تغالبني دموعي و صورة أبي التي علقتها أمي في صدر البيت عذاب مستمر ، كنت أحاول نسيان الجدار المعلقة عليه .

فتحت الهاتف ، جاءتني منه رسالة تحمل غضبا ممزوجا باعتذار .
أردت احتضانه ، محادثته .
عجزت عن أي شيء سوى أن ألقيت بجسدي على السرير مبللة وسادتي بعزيز دمعي .
اتصل ثانية
فاجأته دموعي
تكلم دون أن أسمع ، أغلق الخط ، ولم أنطق .

طلبوا العديد من الأوراق ، هذا لرصيد الأجازات ، وذاك لصرف المستحقات وذلك لــ ...............

تعبت

- المرحوم كان عزيزا علينا .

المرحوم كان أبي ، كل ما لدي .

هربت بعيدا عن كل هذا العذاب ، خرجت من دائرة الموت ، والدموع التي لم تجف ، من الحجرات التي لازالت تحمل أنفاسه .
هناك حيث أحب وجدته صدفة .
- لم تخبريني بقدومك .
حييته دون إجابة ، وذهبت لأجلس وحدي .
استوقفني وسألني : ما بك ؟
- لا شيء .

ما توقعت رؤيته في ذلك الوقت ، في كثير من المرات احتجت وجوده فضن به عليّ ، ما كان يريدني إلا مأوى لضيقه وهمه .
هربت إليه حقا فازددت عنه بعدا .
نظرت إليه بكثير شجن وعظيم قوة ثم انطلقت بعيدا في دهشة رأيتها ذات يوم تكسو وجهه .

14/7/2008

حواري لجريدة السياسة الكويتية

رباب كساب: حان وقت تجديد دماء الساحة الأدبية أجرت الحوار شروق مدحت  تمردت على الظروف المحيطة ،رافضة الاستسلام لعادات وت...