الأحد، 26 يونيو 2016

يوميات بهية (2)


لازالت تخاصمني، تخاصم أيضا مرآتها، تلك التي كانت ترى بها كل شيء، حاولت جاهدة إرضاءها، أحايلها مرات، أباغتها بما تحب، أسمعها ما تريد، أدعوها للرقص، أعرف أنها حين ترقص تلقي بهموم الكون، تتحول لمخلوق شفاف، رقصها صلاة، رفضت بشدة كل محاولاتي، أدارت ظهرها عني، لونت حياتي بالأسود، بكيت، لم أفتح صندوقها لأنشر عنها، كنت أريد لها أن تنطلق من جديد. لكني حين ذكرتها بعفاريتها، بالفناجين، بمراحلها الاستطلاعية، التدقيقية، الاستبيانية، الإحصائية التي كنت أجلس أمامها لا أفعل شيئا والدهشة تملأني إلا تدوين ما تقول وانتظار نتائجها كتلميذ بليد يتمنى النجاح، ضَحِكَت، ضحكة أعرفها، ضحكة الصفاء الكامل، ضحكة هونت عليِّ كل ما مضى، وما كنت أعانيه منها ومن الدنيا. التفتت لمرآتها وهي التي علمتني أنَّ من اعتاد النظر للمرآة هو العاجز عن النظر في مرآة روحه، أُدرك أن مرآتها ليست كالمرايا العادية، مرآة بهية روح لا تعرف إلا النقاء، أَمسَكت بالمشط وطلبت مني أن أُمشط شعرها الطويل، دققت في ملامحها من خلال المرآة، أعرف أنها رضت، لكنها تفكر، أعرفها حين تعقل شيئا وتود الإفراج عنه. بهية البراوية التي تلتقي عندها الخيوط، هي المبتدأ، الأصل الذي لا شبيه له، أمرتني في حزم ألا أقول إلا ما سوف تفرج عنه، أسرعت بالموافقة، لا تردد مع بهية حتى ولو حملت في نفسي تردد العالم كله. تذكرت حين كانت تناديني وتلقي لي من السحاب كلمة وخيط، خيط واهٍ ضعيف، قد لا يبدو له نهاية لكنها دوما تقف سندا حين توشك على السقوط، حضنها براح! تعشق نور الشمس وضحكة القرنفل وصحبة الصيف، يتجمل لأجلها فقط الخريف فتحب أشجاره التي تلقي بحمل أوراقها لتعود أجمل وأجمل في الربيع، تسكن الحلم، وإن جاء يوما وقصفت قلم الكحل وتجرأت على قص ضفائر بطول العمر تقف شامخة تفرد قلوع مراكبها ولا تنحني لريح الغدر.

رباب كساب

26/6/2016
الموضوع منشور على موقع عابر على الرابط التالي

الاثنين، 20 يونيو 2016

يوميات بهية (1)

هذه المرة تركت مرآتها ونظرت لي نظرة غريبة، لم أفهمها، لبهية دائما تصرفات لا أفهمها، تحيرني، تنقلني من مساحات الهدوء للاشيء، لأجدني أسيرتها، نظرتها أوقفت الكلمات، المشاعر، الحضور، كأني هواء، كأني ماء بلا طعم، بل جثة بلا روح، وضعت يديها في خصرها واندفع مدفعها يضرب طلقات متوالية، كأنها تقول لي: من أنتِ؟

أنا .... لم أكمل بل هي التي اعتلت خشبة المسرح وحدها، دون انتظار جمهور، دون انتظار أحد، هي دائما لا تنتظر أحدا، لا يهمها أحد، هي التي تضع الشروط، كيف أوافق على شيء دونها، كيف أقبل أن أحكي عنها دون أن تعرف أولا، حتى الحب، كيف أجرؤ عليه دون أن تكون هي من تحب أولا!

أنا ... تلعثمت، خرجت مني همهمات باهتة، غير مفهومة، لا تعني شيئا، في محاولة لتبرير موقفي بينما هي تمسك سوطا من كلمات تضربني بلا هوادة، تلقيت ضرباتها الموجعة في صمت، تقزمت فجأة وتقزمت فرحتي، أنا حقا لا شيء.

حاولت تذكر كيف بدأنا، كنت أنقل عنها، ما كنت أنا التي تسطر يومياتها، كانت هي، كنت فقط يدا تكتب، تدق الحروف على الحاسب، الحروف التي تدفع بها إليِّ، هي من تريد، البراوية حين تريد تفعل، وإن فَعَلت امتثلت، هي الأنا التي اختارت قبل ست سنوات أن تكون تحت القبة وفي بؤرة الرؤية وأن تنطق بما تحب، تلعب القطة العمياء، تجري وراء عربة الرش، وتمسك بالشماعة التي سرقوا الجاكت من عليها وتغني كما في الأغنية تماما وتزعق بشدة وتقول أنا بهية البراوية! وعليِّ ألا أتعجب، أن أتوقف عن دهشتي.

تفاجئني بفلسفتها، فأقف مكتومة، لا سبيل لي والفلسفة، تتحدث إلى أم بدوي وأم حلموس عن مبادئ القومية وشرف المهنة عن كيفية إرساء قواعد استقصاء اللامرئي وتحويله لسينما سكوب بالألوان! وتتعجب من عدم فهم السيدتين لها.

أنا أيضا لا أفهم، أسقط في شركها، أسكن حماها، تطمئن لي، تعرف أني لن أتمرد عليها وإن حاولت ستقمع كل ثوراتي وتتركني قانعة، ديكتاتورة كبيرة، لكني أحبها!

بهية لا تحب الكراسات ذات التسعة أسطر، ولا تلك التي بلا سطور، لم تكن تحب أن تترك سطرا للفراغ، تعلمت أن تملأ الصفحات حتى الهوامش لذا فهي لم تقبل يوما بأن تكون نصف حياة.

المقال تم نشره على موقع عابر 20/6/2016

حبيبي يسعد أوقاته

دعابة حنين

يوم الجمعة، إجازة، هي تصحو مبكرة، لا تترك لأهل الدار فرصة للاستمتاع بسويعات نوم زائدة، تظل تعمل بالمطبخ، تصل لمسامعي أصوات ارتطام الحلل والأطباق، صوت التنفيض، موتور الغسالة العادية ورجرجتها على بلاط الحمام، مرات تغير الموتور، مرات تغير الجسم الخارجي، مرات تغير حلتها الداخلية ولا مرة فكرت في شراء غسالةٍ جديدةٍ، لم تبدلها إلا حين أتت بغسالة أوتوماتيكية فتبدل وجه الحياة، وتبدلت حياتي أنا، لم أبق من طقس الغسيل إلا على محبتي لنشره، كنت أضعه على الحبال بفنٍ ممزوجٍ باستمتاعٍ عجيب، قد آخذ فيه وقتًا طويلًا بينما هي تتعجلني وقد اخترعت مهمة أخرى لها ولي، هكذا هي كامرأة عاملة في يوم الإجازة، سنوات العمر تمضي بلا إجازات حقيقية، لا مرح، لا خروج، طاحونة، مرات في الصيف كانت تلملمنا صغارا وتذهب بنا لحديقة المدينة، ألقي نظرة على الطاووس بخيلائه المزيفة، أمرح لرؤية النسناس، أفكر في محبس العصافير، ألعب بالكرة مع أخوتي، ثم أجلس بقية الساعات، تنفذ قوتي سريعًا، وأَمَّل أسرع.
إنه يوم الجمعة، يصحو على أصواتها المعتادة وحركتها التي توقظ الجميع، يسعل سعلته المعتادة، كان يدخن بشراهة، صدره كل صباح ينتفض انتفاضة العودة للحياة، يسعل مرتين، ثم يتمدد شاخصًا في الفراغ، كنت ألحق به وأستلقي إلى جواره حتى يُلقي غطاءه ويترك سريره، سيجارته الأولى في الحمام طقس يومي بصحبةِ جريدة الأمس التي لا أظن أنه ترك بها خبرًا دون قراءة!
يبدي تبرمه من جلبة الصباح التي تصنعها هي يوم الأجازة، بينما يعرف تماما أنه اليوم الوحيد الذي عليها أنْ تغسل وتمسح وترتب كل شيء وتعد طعام الأسبوع.
يترك البيت ويخرج، يعود بالعيش البلدي الساخن وأقراص الطعمية والفول، لا ينسى الجرجير، يدخل المطبخ يعد طبق فول مخصوص موقع بإمضائه، مذاقه يختلف عن أي فول أكلته، يسلق البطاطس، يحمر فصيِّ ثوم، يضع عليهما حبة طماطم معصورة يغرقها بالشطة الحمراء والملح والكمون ثم يهرس البطاطس المسلوقة على الخلطة طبق كان يسعدني رؤيته على طبلية الجمعة التي تجمعنا لوجبة واحدة جميعا.
مرات كنت أحب أن أعاند جلبتها وأظل في سريري في انتظاره، بعدما يعد كل شيء – يسعد بفعله ولا يحب أن يقوم أحد بدوره – وعلى وجهه ابتسامة محب، يجمع أحبته حوله، أحب تلك القبلة الصباحية، أعشق دلاله لي، حتى بعدما صرت أعمل كان يقف في انتظاري بالشرفة، وما إن يراني اقتربت يلوح لي وألوح له كأنا حبيبين مزقهما الشوق، يفتح لي الباب وقد أمرها أن تأتي بالغداء على الفور.  
تنفض يدها من غسيلها وتأتي لتجلس معنا، قد تفتعل شجارا كالعادة، يخمده بقول حاسم، أو تصمت وتدع ساعة النحس التي تسكن اليوم تمر دون انتصار بهزيمة ساحقة تحدث نادرا.
كثير ما بحثت في يوم الجمعة عن ساعة الإجابة، ما طلتها يوما، وما حققتها لي هي إلا نادرا حين كانت لا تستجيب لساعة النحس.
الجمع تبدلت، ما عاد، وما عدت، كل جمعة أغيب فيها أذكر نفسي أن الماضي لا يعود، حين أرجع إليها أكتشف بعد المسافة بين ما كان وما صرنا إليه، لا إفطار، غداءنا فيه ضيوف جدد، صغار لا يهتمون لشيء، لا يعبأون إلا لأنفسهم، صعب إرضاءهم، كنت أيضا صعبة الإرضاء، لكني كنت أهابه، هم لا يهابون أحد! لا أملك قدرته على التدليل، لا أملك صبره فقط لديِّ عصبيته وعصبيتها.
اليوم جمعة، صباح في مدينة مختلفة، مدينة لا تنام، لكنها يوم الجمعة مختلفة، إنه معي، يجلس بصحبتي على مقهاي، يدخن الشيشة، لم أفزع كما فزعت من قبل، اليوم لن أقول له دخن بعيدا عني، قد أشاهد معه مباراة للأهلي، لن أجعله يترك البيت ليشاهدها، أو أظل في الشرفة حتى ينتهي من المشاهدة، سآتيه أنا بالفاكهة التي يحب مثلما كان يفعل حين يرى العنب قد ظهر فيحضره لي على الفور، هل  نتبادل الأدوار؟
لا يمكنني مبادلته.. لا أملك قلبه.
الشوارع في المدينة التي لا تنام صباح الجمعة شبه خالية، أنا وهو اليوم وحدنا نسير سويا، أحب أن يستمتع معي بهذا الهدوء، بتلك النسمات الباردة، والسير وسط القاهرة الخديوية، أعرف أني سأجد سبيلا لنتحدث، وأجد لديه معلومات كالعادة، يفتح معي تاريخ المكان، يحدثني عن الطرز المعمارية الأوروبية للعمارات، يرصد معي التشوه الذي فعلته بعمارة المكان المحال التجارية الجديدة بلافتتها الضخمة غير الملائمة.
نفتقد جلبتها الصباحية، أصوات ارتطام الحلل، صوت الغسالة، نضحك، نضحك كثيرا ونحن نتذكر، على المقهى أترك له الجريدة ليحل الكلمات المتقاطعة، أخبره عن اللعبة الجديدة (السودوكو) ؛ لن أضايقه وأتلف كلماته المتقاطعة أو أسطرها في صفحة بيضاء، اشتريت لي واحدة – لم أعد أحل الكلمات المتقاطعة – وجلست بصحبة قلمي أحلها مثله، ماذا لو دخلنا سينما في شارع عماد الدين أو طلعت حرب؟!
لم أدخل سينما معه من قبل، ستغار هي غيرة لا حدود لها لو علمت، كان يقول علينا ضرتين، لم تفهم يوما هذا الحب، ولم أفهم يوما سر العداء، لم يعد هناك ما يثير بيني وبينها العداء.
اليوم الجمعة، هي تتصل بي، أظنها تحس الأمر، أعتذر عن المجيء، لدي عمل، لا تتفهم كثيرا الأمر، يحل الصمت، لا داعي لاستدعاء الساعة المنحوسة، كل المكالمات لا تستغرق أكثر من دقيقة وأحيانا تزيد قليلا.
أنا وحدي بدونهم، الشوارع التي تمنيت أن أعرفها معه ها أنا أسير بصحبته، يدي في يده، أخبرته أن مهمة عمله السنوية التي كان يسافر من أجلها القاهرة كل عام كان يقضيها بالقرب من محل سكني، وأني من هذه اللحظة لن  أجعله يحتاج شيئا، لن أجعلها تُحمله كل تلك الأطعمة التي كانت ترسله بها كما لو أنه ذاهب إلى مجاعة وليست القاهرة العامرة.
لن أؤخره عن الصلاة في رحاب الطاهرة، سأنهي جولتنا على عجل، وأذهب لأعد له وجبة شهية قبل أن أنطلق به لمناطق أحبها، أعرف أنه يحب الطعام الحريف، سجق زيزو في انتظار محبيه دائما، سأتلهف لأبرد فمي بينما هو لا يهتم فالأمر بالنسبة له عادياً.
أبحث عن مقهى أحبه بين مقاهي شارع المعز، جلسنا، طلبت قهوتي وطلب شاي خمسينة، من نظرةِ عينيه عرفت أنَّه أحب المكان وأني اخترت اختيارا صحيحا، أخبرني عن زياراتٍ سابقة للمكان، ذكر لي تاريخها، تمامًا مثلما كان يذكر لي متى وكيف فقد كتابًا لكن بغير حسرة فقد كتاب، تتهادى ذكرياته كما موج النهر.
لن أعرفه بصويحباتي، له رأي لا يتغير ( البنات تفسد بعضها البعض) سأل عنهن، ذكرت أسماءَهن، رويتُ حكاياتهن، لمحتُ في عينيه الدموع، الألم، لم أتركه يتألم نقلت دفة الحديث لموضوع أخر.
الشوارع امتلأت، ما عادت جمعة الصباح، هي تجلس الآن أمام التلفاز، تتابع برامجها المعتادة، بينما نحن نخترق الزحام في شارع 26 يوليو، يضحك وهو يتذكرها وهي تعرفه باسمه القديم شارع فؤاد.
هي أيضًا لها ذكريات حياة لسنوات أربع قضتهم في تلك المدينة، في نفس مكان إقامتي، هل أعيد التاريخ، أم أن لي من نصيب أيامهما نصيب؟!!
المساء حَلَّ قبل ساعات ولم آخذه لكل المناطق التي أحب، كنت أزور معه أماكن كثيرة أحببتها وزرت بعضها بعد ذلك وأكثرت، لكني لم أقف معه على شاطئ النيل، ها أنا معه بقرب النهر، أتت صغيرة متطفلة أعطته وردة ودعت الله أنْ يخليني له، ضحكنا، ضحكنا كثيرا.
انتهى اليوم، هل تذَّكر أنه يوم جمعة، وأنه معي؟!!
في جلسته على السرير الوحيد بالبيت كان هادئا، ثمة مسحة من نور على وجهه الأسمر، ابتسامته النادرة أضاءت محياه، أأسعدته؟ قد أكون فعلت.
 أغمض عينيه، أظنه نام، لن أوقظه!
تم نشر النص بعدد فبراير من مجلة إبداع 2016

سرير أبيض

اليوم جمعة، حجرة واسعة، سرير أبيض، انعكس نوره في عيني، وضعت حقيبتي على الأرض جانباً، توجهت للمقعد أسفل النافذة وعيناي لا تفارقان الأبيض الفسيح، لم يقل لهم أحد إني لا أحب الأَسرّة البيضاء!.
كان يوم جمعة، حجرة ضيقة، سرير أبيض صغير، ترقد عليه في وداعة، لم أكن أعرف ما بها، كل ما أذكره أني رأيتها قبل ذلك جالسة وسط نسوة كثيرات، أختي رضيعة على يدي أمي، بينما أنا أنزوي في ركن بعيد بفستاني الوردي وضفائري ذات الشرائط، لا أحد يحس بي، سمراء صغيرة قصيرة تتخفى وراء ستارة سميكة من القطيفة، أرقبهم جميعاً.
دموع كثيرة تنهمر، آهات تشق الصدور، هي كانت تلطم خديها، لونها الأبيض كان شاحباً، تردد كلمات لوم لا تنتهي لروحها فقط، لم أكن أعرف لماذا تلوم نفسها.
أخذت وقتاً طويلاً لأقترب من السرير الأبيض، وقتاً كان كافياً لأهزم قلقي، رعبي، كراهيتي، جميعهم تركوا الحياة وتركوني على سرير أبيض.
أخذت مكاناً صغيراً، وضعت الوسادة خلف ظهري، ارتكنت إلى الحائط الخلفي، وبحثت في القنوات عن فيلم قديم كالعادة، جزء مني ذهب إليها، إلى صورتها المعلقة على الحائط في غرفتها الواسعة ذات الأرضية الخشبية، كانت ترتدي «تاييراً» أخضر، وجهها الأبيض النضر ونظرتها المتعالية كانا يبعثان في نفسي الرهبة، عيناها الضيقتان كانا بعمق جب كلما صرخت بداخله غاب صوتي طويلاً حتى عاد، وجه يختلف عن ذلك الغارق في دمعه، اللائم لنفسه في نهار جمعة بعيدة.
يوم جمعة انتظر أبي أن يأتي الصبي الذي اقترب من السابعة عشرة من عمره كعادته، كنت أيضاً أنتظره، رؤياه بهجة، شيء ما يجذبني نحوه، كان في لونها لكن عينيه واسعتان، له شعر أجعد، ذقن مدببة، جبهة عريضة، روح نقية، ابتسامة عذبة، يحملني ويضحك، أضحك وأكف عن بكائي، أهدأ بصحبته.
مازلت أذكره، وأذكر يوم جاؤوا بخبر عنه، نزل أبي السلالم عدواً، شاهدته من النافذة يكمل ارتداء قميصه في الشارع وهو ينادي عليه، لم أفهم شيئاً، لكن حين جاء يوم الجمعة، كان الأسود شريكاً، البكاء والنحيب مصاحباً للجميع، الذهول أيضاً على الوجوه، أختي الرضيعة كثيرة البكاء كانت صامتة.
أما هي فقد أذابها الحزن، لم تره، لم تسمع صوته، لم تحتضنه، جاءت في طائرة من بلد آخر، أمرضتها الحسرة، فسكنت تلك الحجرة الضيقة وذلك السرير الأبيض، لأول مرة كنت ألتقي بهذا الأبيض، بدا لي لوناً رسمياً، لوناً للغربة، للمرض، للموت!.
أخذني أبي الذي ماتت ابتسامة عينيه إلى المدينة الكبيرة، كنت فرحة بركوب الحافلة، الطريق، وعمود الطعام الذي ملأته أمي بمأكولات شهية، كانت ترقد على سريرها الأبيض، لم تحس بنا، كانت بعيدة، جلسوا حولها، المكان شاحب كالمرض، انسحبت تدريجياً نحو النافذة ومنها إلى الحديقة، للورود، للأخضر، بت هناك فترة ألعب بينما هم يلتفون حولها، سألت عنه، كانوا يخفون كل شيء، يتجنبون الحديث، يمررون عبارات غريبة لا أفهمها، مرة عرجت على النادي، وجدت صورته هناك صورة كبيرة بالأبيض والأسود ، كان بطلاً للعبة من الألعاب، وقفت أمامها وشوقي إليه جعلني أحدثه، أسأله عن الغياب، عن الضحكات التي ما عادت تعرف طريقها إلينا، عن أبي الذي ما عاد أبي، كانت أصواتهم تقطع علي حديثي معه، جذبت يد أبي لأسأله عن الشريط الأسود الموضوع على طرف الصورة، ما جاءتني إجابته لكني سمعت نشيج البعض وكلمات حسرة كثيرة.
ترى لو ... ؟!! السنون بعيدة، الجمعة تلي الجمعة، ما عادت عمتي ولا عاد ولدها الذي لم يأت يوماً ليصطحبني لنلعب وسط الأخضر، ما عاد ليحملني لنعبر شريط القطار، ما كان لنا أن نعبر شريط الحياة معاً. 
السرير الفسيح المريح كان شوكاً، ذكراه وذكراها وصورة أبي الأخيرة تداهمني. كلما جلست انتفضت، اتصلت بخدمة الغرف غاضبة عليهم أن يأتوني بسرير غير الأبيض، ألقيت بكلماتي دفعة واحدة وأنا أكاد أصرخ بهم، لم يفهوا شيئاً من كلماتي التي أعدتها مراراً قبل أن يأتيني صمتهم ثم صفارة طويلة!.

المقال منشور بمجلة العربية بعدد يناير 2016

الخميس، 3 ديسمبر 2015

في محبة السيدة راء

ترى لو عرفتها عن قرب؟ ماذا لو كان بيننا غير تلك الابتسامة الوحيدة وذلك الحضن وتلك الربتة المشجعة؟ ماذا يا رضوى لو كانت هناك مزيد من الربتات والأحضان والابتسامات؟ أو لو كنت واحدة من تلميذاتك؟.

التقيت بها مرة واحدة في قلب الحلم، الحلم الذي كنا نحاول جاهدين تحقيقه بينما هي من قلب المرض تتابع، وتعلق، تشاهد، تسأل، تطمئن، حتى عادت وكان اللقاء الصدفة، ارتبط محياها بي وبأجمل ما عشت من أيام، ليس من عاداتي أن أذهب للسلام أو إلقاء التحايا على من أعرفهم من بعيد، لكني ما إن عرفت بوجودها حتى اخترقت الزحام، عبرت كل هؤلاء الموجودين بالميدان، وهناك عند مجمع التحرير، حيث كانت تقف مع محبيها، سلمت عليها، تعثرت كلماتي التي لملمتها هي بودها وبشاشتها، انصرفت وأثر حضنها وتشجيعها يملأني وابتسامة كبيرة على وجهي لم تفارقه وقتا، قوة منحتني إياها نظرتهها القوية، قدرة على القتال كلما تذكرت سيرتها، امرأة خلقت لتقاتل، ليس لزواجها غير المرضي عنه فقط، فهي امرأة المواقف، تزوجت من أحب وأصرت عليه فكانت مثلاً، تحملت الفراق والشتات بعد أن منع زوجها من دخول مصر سبعة عشر عامًا لاعتراضه على زيارة «السادات» لإسرائيل، فصمدت رضوى، صمود بحجم الحب، وحجم قضيتها وهي العاشقة، رضوى عضوة حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات، وعضوة اللجنة القومية لمقاومة الصهيونية في الجامعات المصرية، رضوى امرأة الحب والحرب «الحب في قلبها والحرب خيط مضفور» كما وصفها ابنها تميم.

الأستاذة التي منحت تلاميذها المعنى الحقيقي لكلمة معلم فتركت فيهم أثرا لا يمحى، لازال كثير منهم يذكرها ويذكر مواقفها وأسلوب تعليمها بحب كبير وشوق لها.

التقيت بصاحبة غرناطة مرة واحدة وجهًا لوجه، لكني التقيت بها على صفحاتها مرات، أحببت كتابتها حسها القوي بالناس وبما تكتب، فهي تدخلك عالمها بسلاسة فتحس نفسك جزءًا منه، من آلامه، ضحكاته، طموحه، فتبكي مع أبطالها وتبكي عليهم.

كنت أود زيارتها في مرضها الأخير لكن لم تسمح لي الظروف وخيرا كان لتبقى في ذاكرتي ابتسامتها القوية المتحدية في لقائنا الوحيد.

أهدت حبيبها الطنطورية وأهدتني محبة الحب ذاته، أحببتها وتميم يصفها بعاميتها المصرية
وأمي حافظة شوارع مصر بالسنتي
تقول لمصر يا حاجّة ترّد يا بنتي
تقولها احكي لي فتقول ابدأي إنتي.

إنها ساحرة الحكايات، التي تلقي عليك سحرها فلا تتمكن من الفكاك منه.
كثيرًا ما قلت أنني لا أخطط للرواية ولا أرسم كروكيات عمل، كنت أقابل بنظرات استنكار، واستهجان حتى سمعتها في أحد البرامج بعد الثورة تقول أنها لا تخطط لأعمالها، الكتابة تأتيها فجأة، تلح عليها وما إن تضع أول الكلمات على أول سطر حتى تبدأ في نسج الحكاية، برغم ما يظهر من جهدها المبذول وقراءاتها الكثيرة لإتمام عملها، لحظتها قفزت فرحة إن رضوى تؤكد أني لست على خطأ وعرفت حينها أنني لن أضل!

عام مر يا رضوى ولازلت أذكرك وأتلهف على حروفك وعالمك الجميل، عام مر وأنت في داخلي مثال للمقاومة وللحب وستظلين.
المقال على موقع الممر

http://elmamr.com/%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AD%D9%8A%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%AD%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D8%B1%D8%A7%D8%A1/

الاثنين، 16 نوفمبر 2015

تاهت وجاري البحث


مرت من هنا.
قالوها في نفس الوقت، المرأة التي سألت كانت تتشح بالسواد، تسير متعثرة في خطواتها، في عباءتها، تقترب من واجهة أحد المحال، تغوص في عيني العارضة الحشبية التي تلبس فستانا من الحرير والدانتيل، أفرغت دمعها وهي تحملق في الفستان، كان يشبه الفستان الذي ارتدته في آخر ليلة.
آخر ليلة! آخر مرة رأتها فيها، اشتريتا الفستان من نفس المحل، كانت معها، انتقياه معا، المتشحة بالسواد كانت تحلم حينها بينما الأخرى تشرد بعيدا، كلما جرتها لعالمها تشرد، لم يكن باستطاعتها أن تقطع شرودها للأبد، أن تعرف بماذا تفكر، أن تغرق جبينها بسائل أحمر أو بأي لون يكشف لها عما كُتب على الجبين بحبر سري لا تعرفه.
مرت من هنا.
مرة أخرى تسمع نفس الجملة، إنها تدور خلفها ولا تجدها، الصمت الذي بدأته الأخرى كان يُهلكها، تستحثها لتتحدث ولا تنطق، السماء ترسل فيضها والجو حار، الشمس تلاعبها، كانت كما الشمس لا تعرف لها حال، كل ما تعرفه أنها تشرق في الصباح وتغيب في غروب ينذر بمجيئ جديد، هل ستعود وتشرق؟!
مرت من هنا.
الرحلة طالت بها، الشوارع ملتها، الأسود بات رماديا، الجوع يقرصها، الفستان الحريري لم يعد موجودا، اشترته امرأة ثانية، أتختفي هي أيضا؟!
في الليلة الأخيرة استسلمت لأيديهن، منهن من جلت عنها الشعر، منهن من دهنت جسدها بكريمات، منهن من مشطت الشعر الطويل، منهن من ألبستها مشد الصدر الضيق، منهن من أحكمت غلق ( الكورسيه ) ثم ألبسنها الفستان، كانت صامتة، لم تسمع الزغاريد التي انطلقت من أفواههن، لم ترد تهنئة، آثارت ضحكهن، ظننها خائفة، كل واحدة منهن استرسلت تروي عن ليلتها الأولى، الكل يحكي، هي لا تسمع، والمتشحة بالأسود تراقبها وتغرق في أسئلة لا تجرؤ على سؤالها.
في الصباح جاء يسأل عنها، زف خبر الرحيل ولازال طعام الصباحية على منضدة أمها لم تحمله بعد إليها، جاء يحمل لهم بشارتها دونها، أين ذهبت؟!
مرت من هنا.
الوجوه التي عرفتها دُهنت بالأسود، القار على ملابسهم هم وأرصفة الشوارع جزءا لا يتجزأ، النداءات لم تختلف، منذ العام الأول، ثلاثة أعوام لم يعرفوا عنها شيئا، ثلاثة أعوام وذات العباءة السوداء تدور في الشوارع بحثا عنها، تتوقف عند واجهة المحل الذي اشترتا منه الفستان الحريري، لم يضعوا آخر يشبهه.
تزوج عريسها بأخرى، حملوا له طعام الصباحية ففتحت لهم العروس الجديدة الباب برداء شفاف أبيض، أخفت عنهم بشارتها، ضحكت بميوعة واختفت في مطبخها الجديد، جاءت بصينية الشربات.
تزوج وكف عن البحث عنها في كل الشهور، اختفت في يناير، بل اختفت في مارس، بل في أكتوبر، المرأة التي ترتدي الأسود تؤكد أنها اختفت في نوفمبر، لكنه كف عن البحث، جاء بأخرى لا تتركه في الصباح وبشارتها على منديله الأبيض وملاءة السرير البيضاء.
مرت من هنا.
قالها البائعون الذين سكنوا الشارع فمنعوا المارة والسيارات، قالتها الأرصفة التي جلست عليها تأكل علبة كشري صغيرة وضحكاتها كانت تشق السماء طائرة على بساط الأمل، قالها الجالسون على المقاهي يحتسون القهوة وينفثون دخان نراجيلهم وسجائرهم الرخيصة، قالها ركاب المترو، البائعون الجالسون عند مدخل المحطة لمغلقة، برامج التليفزيون التي تبارك العرس الجديد، قالتها ذات العباءة السوداء بغير يأس وهي تتأمل حذاءها البالي من كثرة البحث.

وضعوا في يد صاحبة العباءة جنيها، بقايا ساندويتش، ألقت ما وضعوه في وجوههم وهي تسب وتلعن، تتركهم والدهشة تمتطي وجوههم وتمرح، أمام واجهة المحل نظرت لفستان جديد ولم تفرح، دمعة عانقت المطر، تركت الطرحة تنحسر عن شعرها الطويل، شقت العباءة فانفتحت، أعطتهم دبلة ذهبية وقالت أريده، طردوها، أغرق المطر جسدها المكشوف، سمعت الألسنة التي دعت، التي سبت، التي تحسرت، هو يقول أنها رحلت في يناير هي تقول أنها رحلت قبل العمر بعمر.

نشرت بمجلة الثقافة الجديدة في ديسمبر 2014

في حضرة البحر


صغيرة تتسلل أسفل منضدة المعمل الضخمة، تختفي تحتها عن أعين مُدرستها، تلحق بها صديقاتها، يجلسن في هدوء، يهمسن لبعضهن، يخرجن من جيوبهن الأحجار الصغيرة التي جمعنها من حوش المدرسة الفسيح، ترسم مربعات السيجا بعد أن تفشل في لعبة ( الكبة ) ظهر كفها الصغير نادرا ما كان يحتفظ بحجر عليه.
تحمل الأرض الأحجار المختلفة في لعبة السيجا بدلا من كفها الواهن الصغير، ترصها في المربعات وتبدأ اللعبة، حين كبرت قليلا، رسمتها على رصيف الكلية ولعبت بالأحجار والعملات وبالمفاتيح الصغيرة التي لا تعرف لماذا تحملها!هي ذاتها التي كانت تقضي أوقات إجازتها في رسم مربعات الكلمات المتقاطعة لتحلها بعيدا عن أبيها وضحكاته على أخطائها، تعانده، يقبل دائما تحديها، تقبل دائما بحب انتصاره، يصحح لها الخطأ وتحفظ الصواب عن ظهر قلب.كل صباح تقطع فيه المائة متر التي تفصلها عن عملها وهي تفكر، أي صفحة من كتاب العمر ستقتطعها منه، كل صفحة بيوم، كل يوم بذكرى، كل ذكرى محض ألم، تعد الصفحات ولا تقتطع شيئا، تصعد السلم، تستقبل صباحهم بتجهم يعرفونه فيتحلون بالصمت، ترقبهم ولا ترقبهم، ملامحها لا تحمل غير تعبير وحيد، يظنون بها الظنون، لا تأبه فالقلب فيه ما لا يعرفون.الصغيرة التي تعلقت بشجر الصفصاف تتململ، أعواد الدراوة التي يختطفونها من صاحب الحقل ليزرعوا بها حدائق منازلهم الوهمية تسألها ابتسامة، أوراق نبات الذرة الحادة التي لسعتها مرارا ترجو مرحها، هي تسأل أين ذهبت؟ جميعهم لا يعرفون.على حواف الصفحات كانت ترسم قلوبا بلا حروف على الأسهم وتنتظر، احترفت الانتظار والصمت.

الصغيرة خرجت ذات يوم تتلمس الدنيا، كان الصباح مختلفا، شمسه اخترقت خصاص نافذتها، اعتادت أن تستقبل الشمس، اعتادت أن تستحم بالنور فور ولادته، في صمت غريب ، لكن اليوم قبلت روحها قبلة وهي تتنفس أول أنفاس الصبح البهيج.

أغلقت الباب خلفها ، لا ثقل للطريق، ولا أوراق من كتاب العمر تفكر باقتطاعها، خفتها تلفت الأنظار، لا تلتفت، تمسك حقيبتها كأنها ستضيع منها وتواصل السير، تحرك ميدالية مفاتيحها ببهجة لا تعرف مصدرها.

الشتاء يدق ناقوسه، تتهيبه كعادتها، لكنها اليوم ترجئ التفكير فيه وتوابعه، اليوم ترسم في صحبة الشمس، تهدي موتاها الذين احتلوا مخيلتها فجأة وردة ودعاء، صفر كان لشمعة ميلادها غطى على كل الماضي وسمح لبدء حياة سكنت محلا في العمق ضمن بعيد أمنياتها.

صفحة بيضاء، لوحة بيضاء، أحرفا تخط أم خطا؟! الأحجار الصغيرة في الطريق القصير تستلفتها، ودت لو انحنت لتجمعها، سترسم مربعات السيجا إلى جوار مكتبها، ستلاعب روحها الخفيفة، سينظرون إليها ويتعجبون كعادتهم، لكنها أخذت ألوان زميلتها ورسمت.

في حياة أخرى كان اللون صاحبها، وفي دنيتها الآنية الحرف صديقها ؛ حبيبها، يناورها، يعاندها لكنه يخضع ويلين، يحتضنها وتغيب في حضنه طويلا.

على سفر كانت، تركت لهم الورقة بوجه لا تعرف لماذا شوهته، تركته ومضت لديها الكثير لتفعله ومازال الصباح في أوله، مشاوير كثيرة، خطط لا تنتهي، ستنفذ ما يسمح به وقت المدينة المزدحمة، لكن الساعات تنقضي على كرسي في مقهى غريب لكنه حميم، ثمة رهبة تبددها رغبة في احتضان الأمل، حديث ينطلق في كل اتجاه إلا اتجاها واحدا تتحاشى العيون الحديث فيه.

لم ترغب في احتضان أحد من قبل، لم تكن شفقة، شعرت أنها من الممكن أن تكون صَدَفة كبيرة تضم وتحنو، صدفة من أصداف البحر الذي يتطلعان إليه، أن تكون رحما ليس إلا.

البحر عجيب، أتراه السبب؟! أم هي الروح حين تعرف لها صاحبا؟! تعلق بذراعها لم تقل له شيئا، حملته فقط ومشت، تمنت لحظتها أن يكون لها فستان بلون المروج وبروعة زهورها ! تمنت أن تكون كسحابتها التي ترعاها، الصغيرة التي احترفت اللهو على حواف القنوات الصغيرة تحرك ماءها بعصاة وتبلل قدميها، تخشى البحر إلا أن الموج يطالها، يلمس قدميها تبتعد، الصغيرة تلملم شعرها وتدير ظهرها للبحر، تلتقي وجهه المراقب لها وتبتسم، قالت له لم تعد تقدر على وصف ما تشعر.

اجتياح يشبه ذلك الموج الهادر الذي استقبلهما به البحر، براح حضنه كان دنيا لم تعهدها، لم تعرف هذا الدفء قبلا، تعود فجأة للجرن الفسيح الذي كانت تتمرغ على ترابه الناعم، غير عابئة بعقاب أمها، ترقص على أطراف أصابعها معتقدة أنها باليرينا تحلم بالفستان ذى الذيل المنفوش، معه تسترجع روحها الطفلة، تستعيد بعض البهجة.
كانوا يعدونها صاحبة أجمل ضحكة، تاهت ضحكاتها، يقول لها انها صاحبة أجمل ضحكة، هي لا تعرف لماذا تضحك هي تتساءل أين كانت ضحكاتها؟! روحها تتحرر ببطء محبب. 
حلم جميل يداعب مخيلتها، عقلها السقيم يقيم متاريسه المعتادة، يخبرها عن القلب الحائر، الخائف، كأنه منفصل عنها، كيف لا يرى ما تراه هي؟!

تعلقا بالموج ، سحبهما البحر لعمقه، الجمال يبتعد، طويل طريق العودة، الليل لمن تعشق النهار مخافة، ألقى جواره أمانا لم تعرفه. الطريق إلى مدينتها يعني العودة لظلمة لا صباح لها، تحسب الوقت المتبقي بنبض قلق، الباقي عشر دقائق، الباقي خمس دقائق، الباقي ثانية واحدة، الباقي عمر آت.

نشرت بجريدة الأهرام في 17 إبريل 2015
http://www.ahram.org.eg/NewsQ/381405.aspx

حرية ولكن


انتحت جانبا من الطريق حيث تجلس بائعة المناديل، اشترت عبوة، نقدتها ثمنها وأكثر، ابتعدت خطوتين قبل أن تسمع البائعة تدعو لها : إلهي يستر عرضك. التفتت للمرأة العجوز التي تعلق بصرها في الفراغ ثم مضت، طيلة عمرها تكره هذا الدعاء بلا سبب ! بحثت طويلا في داخلها عن سبب الكراهية ولم تجد سببا ولو غير مقنع.
اليوم تبتسم للبائعة وتمضي، تخترق الشوارع بحذائها الرياضي، صباح الجمعة تخلو وسط المدينة من الزحام، السيارات قليلة والناس أيضا.
تتسلل إليها رائحة ياسمين تجهل مصدرها، تتلفت حولها فلا تجد شيئا، غير بائع الورد البلدي الذي يجلس يلف زهراته في ورق ملون ويرش عليها الماء لتبقى ندية، اليوم على غير عادته عرض عليها زهرة لتشتريها، فكرت أن تشتري واحدة تهديها له، تعلم أنه سيفرح بها وترى ابتسامته الحلوة وقد يضحك ضحكته التي تشي بطفولته، لكنها تركت البائع ومضت.
السيارات التي تستغل فضاء الطرق فتسرع السير أبطأت فجأة كما لو أنَّ الرادار يتابعها، على الطريق السريع هناك مكان دائما للرجل الذي يلتقط صور السيارات، السائقين يخبرون بعضهم البعض بمكانه ليتجنبوا مخالفة أكيدة، بين الأشجار المتناثرة على الطريق لمحته مرات فهو لا يغير مكانه، جميعهم بمجرد الاقتراب يبطئون سرعاتهم المجنونة بشكل مفاجئ، بطء يثير في نفسها الغثيان، غثيان كالذي يثيره الحقد بداخلها، تعرف كثيرون يأكل الحقد نفوسهم، تعرفهم، تجالسهم، نظراتهم تخترق الحجب لكنها لا تمر إلى روحها، هي محصنة ضد العدوى، لا تشفق عليهم، وحده جهازها الهضمي ينقلب، يصيبون معدتها بعصبية مفرطة ورغبة في التقيؤ.
الناس كادت تنعدم، تتلفت حولها لا أحد سواها في الميدان الذي نادرا ما يخلو حتى في ساعات حظر التجوال، ثمة سيارة رغم كل شيء تمر مخترقة السكون والحظر يتحدى صاحبها القمع! لم تعد تحصي عدد المرات التي وقفت أو شاركت فيها كمتظاهرة ضد القمع، ضد الوأد، تفكر الآن أن تتظاهر لأجل أن يسمح الحاقدون لها بالحب! إلهي يستر عرضك مازال هذا الدعاء يرن بأذنها مع كل خطوة.
زخات المطر الخفيفة لا تكفي لتغتسل بها، لا أحد في الشارع الفسيح، تعرج على المقهى، تلاحظ وحدتها هناك، صبية المقهى يروحون ويجيئون يحملون طلبات لمناضد فارغة، يتأخرون في المجيء بقهوتها، تنادي على أحدهم في غضب لتتعجل القهوة، يعتذر لها عن تأخره بسبب زحام المقهى، تقفز الدهشة لتعتلي وجهها صارخة أمجنون هذا؟!
ساعتها تشير إلى تأخره عن موعده، مقعده يخلو منه، تتذكر آخر لقاء  كان بالأمس  شعرت بشيء ما يقف حائلا بينها وبين نظرته الوالهة، تعشق كلمات الهوى التي يقولها، يقشعر جسدها حين تقترب منه، هي تلك الحرارة التي كانت في المكان حين التقيا للمرة الأولى، كما لو أنهما دخلا غلافا شفافا يحيط بهما وحدهما دون الآخرين! يمسك يدها فتحضنه أصابعها، يطمئن لوجودها، حين يحسها تبتعد ولو بشرود قليل يتعلق بملابسها كطفل يتعلق بذيل أمه فتربت على كتفه بلا كلمة.
حوار طويل لا تنكر أنها صمت أذنيها عنه، لا شيء سيثنيها عن الحلم، في الصباح كتبت أنه سيطير معها إن طلبت أن يمنحها حلما لتسبح في فضائه، لكن الحلم القديم تجدد، اشتعل الشارع من جديد والميدان الخالي الآن يزخر بمريديه، يتملكه الخوف عليها، يكبلها الخوف من أن يحدث ما يبعدها عنه، بحث طويل ولقاءهما كان مستحيلا لكنه كان.
قتلت الخوف قبل عامين حين انضمت لصفوف الثائرين، عاد الخوف يسيطر عليها خشية أن تفقده، الحب ثورة، والحب في الثورة حياة، الحرية أكبر أحلامها، للحرية ثمن، يكاد عقلها ينفجر، تصرخ :اللعنة على الخوف، اللعنة على القمع، إنها تريد أن تحب، أن تهدأ.
يصرخ صوت منير في المقهى : ودا حب إيه دا اللي من غير أي حرية؟!
أخيرا جاء، جلس أمامها بوجه متجهم لا ترى سواهما بالمقهى - مازال يحمل أثر حوارهما الطويل، نظراته تعاتبها، نظراتها تستحلفه تتوسل موافقته، هو يحلل من بعيد ويلم بالأمور إنه يلعب سياسة، هي تلعب ثورة، لا تستطيع أن تترك رفقة الأيام الماضية، هو هادئ، وهي آتون مشتعل ( أستاذ بوتجاز) كما يحلو له أن يسميها.
مازال منير يغني، لازالت تحلم بحبه، صوت البائعة يرن بأذنيها، ليتها تصمت، ليته يكف عن حبه، ليتها تتمكن من الصراخ بقلبها ليموت، ودت لو أخذته من يده، أن تترك له جسدهاأن تشبع ويشبع مرة واحدة  إلهي يستر عرضك - قبل موت شبه مؤكد، البلاد تعوي منذ عامين، الحرية الحلم، القيود التي تحررت منها بقى منها واحد، بقى قيد الحب! الناس يريدون الحرية، هي تريد الحرية، هو أسير الظلام بلا حرية.
صرخت (ودا حب إيه دا اللي من غير أي حرية ) قبل أن تنضم للجموع الغاضبة وأصابعها تحضن أصابعه.

نشرت بجريدة الأهرام في 17 أكتوبر 2014
http://www.ahram.org.eg/NewsQ/331562.aspx

الأربعاء، 26 سبتمبر 2012

مقالي الشهري بمجلة التحكيم الدولي ( شمس المستقبل ) أغسطس 2012


في بلد تخطو نحو الظلام أحلم بفرشاة وقلم ووتر





كنت فيما مضى أتذكر كيف علمني والدي رحمة الله عليه مفردات اللغة وهو يحل الكلمات المتقاطعة كل صباح ويسألني فأجيب إن عرفت وأسعى منه لأعرف إن عجزت، وشغلتني تلك اللعبة التي تبحث عن معاني الكلمات في وقت كنت أكتشف الكون من حولي، صغيرة أملأ ذاكرة معارفي بما أكتسبه ممن حولي قبل أن تدركني القراءة فأنه

ل ما أريد وقتما أريد.
بت أعانده وآخذ لعبته وألعبها وحدي، أفسدها تارة وأنهيها تارة، ولم تكن مفردات الكلمات وحدها محتواها وإنما معارف شتى، لكن بقى هم المفردة ما يشغلني، الكلمة التي شكلت فيما بعد كل اهتماماتي، ولأني أجمع حصيلة مفرداتي أينما ذهبت كان علي أن أواجه فقر مدرس اللغة العربية في مادته حين أسأله عن معنى كلمة أعرف أنها تقف أمام زملائي منهم من يود السؤال ويخجل ومنهم من لا تعنيه فيمررها دون أن يعرف لعدم رغبة أو لبلادة عقل، كنت أعرفها لكني سألته فلم يجبني بل أمرني بالصمت والجلوس، حادثة لم أنسها أبدا، مثل حوادث مدرس الفيزياء في المرحلة الثانوية ذلك الشاب الذي أتانا وقد تخرج في كلية العلوم يدرس لنا الفيزياء المادة التي كانت تبكيني دائما، يعجز عن إجابتنا، وأحيانا يستأذن في الخروج من الفصل قليلا ثم يعود بحل لمسألة وضعها هو وعجز عن حلها، حينها لم أجد بدا من كتابة شكوى بخط يدي دون خوف من أحد في هذا المدرس العاجز، شكوى أتت بمدير المدرسة إلينا فامتلأنا بالأمل فإذا به يقول : جايب لكم مدرس خريج كلية العلوم بامتياز أعمل إيه أكتر من كده ؟!
لا فض فوك يا أخي، تمخض الجبل فولد فأرا ، عقم ما بعده عقم.
ومن هنا لا بل قبل ذلك بكثير، حين أجبرت جبرا على أخذ درس خصوصي للمرة الأولى في حياتي لتلافي التذنيب في الفصل أو الوقوف على قدمي بلا معنى وبلا سبب لفترة طويلة وأنا بعد لم أكمل الثانية عشرة لمجرد أني لا آخذ درسا في مجموعة المدرسة أو غيرها، بدأت أعي أن مشكلة التعليم في بلدنا هي آفة المجتمع بحق.
كم من مرة وجدت أبي يردد الكثير مما تعلمه صغيرا بينما نحن بمجرد أن نغلق ورقة الامتحان ننسى ما خطته يدنا وما حصلناه طيلة العام، لذا كنت أقول التعليم ، التعليم ثم التعليم.
التعليم الذي لم تعد به حصة القراءة في المكتبة، والاستغناء عن حصتي الرسم من أجل منهج الرياضيات الكبير أو اللغة العربية التي لم تنته، وإلغاء حصة الموسيقى لأن لا نفع منها.
التعليم الذي انتهى بمدارس شبه خاوية وطلبة وطالبات يحددون مواعيد دروسهم الخصوصية مع مدرسيهم في وقت الدراسة، ولم أعد أرى الزي المدرسي ولا حقيبة المدرسة الممتلئة عن آخرها بكراسات حصص سبع.
قابلني ذات يوم مدرس التاريخ الذي أعتز بمعرفته حتى الآن وقال لي وهو يطبع المذكرات للطلبة، الطالب الآن يريد سؤالا وجوابا، لا يريد أن يقرأ، نلخص له الأمر.
ومن دفعه لذلك يا أستاذي العزيز؟ من ؟!
أعلم أن الأمر أكبر منك ومني ومن الطالب ذاته، إنها المنظومة التي كانت تسعى لحكم شعب جاهل وتهميشه، المنظومة التي أرادت الحفاظ على سطحية الفكر حتى تجر الشعب لما تريد وقتما تريد.
لست هنا بسبيل الحديث عما مضى، ولكنه كان حديثا لابد منه وأنا أحاول أن أنثر بين يديكم حلمي ( فرشاة وقلم ووتر).
حلمت كثيرا أننا بثورتنا التي لم تتم والتي لم تغير نظاما بل غيرت وجوه أن نشق عصا الطاعة مع الرئيس الجديد الذي كسر فكرة استمرار رئيس برتبة عسكرية وأن نحلق خارج الدائرة التي وضعنا فيها بغير إرادتنا، ونحن نحارب حكم العسكر، ونحن نحارب قوى الظلام التي تسعى لجرنا بعيدا عن الوضع الذي يجب أن نصل إليه، مصر الرائدة منذ فجر التاريخ حتى تعود للريادة عليها بالبدء ليس من خط الصفر بل من تحته ، علينا أن ننظم أنفسنا للعمل في جبهات عدة في نفس الوقت، علينا العمل في مجموعات لها أهداف معينة بخطة قوية وطريق جلي وبلا سقف للطموح.
ولأن الطريق طويل والتباطؤ رفاهية، والتراجع مستحيل يجب أن يكون هناك فرق تلعب في نفس الملعب وفي نفس التوقيت، العدو هنا فرض عين، نعدو ونعدو ولا وقت حتى لالتقاط الأنفاس، فلكي نحقق ما نريد في زمن الفيمتو ثانية علينا أن نعرف أن الفيمتو ثانية زمن لا يجب التفريط فيه أو الاستهانة بما نفعله به.
يجب أن يكون هناك من يخطط سياسيا في معركة حكم العسكر والإخوان والانقلاب على الفساد الإداري والمالي في كل مؤسسات الدولة، ويجب أن يكون هناك فرق تعمل للتخطيط الاقتصادي، وأخرى للاجتماعي، وغيرها للتعليم، في وسط هذا الزخم يجب ألا نلتفت لهؤلاء الذين يشيعون اليأس في برامج التليفزيون ولا وقت أبدا لهؤلاء الحنجوريين الذين يتشدقون بالثورة وهم من أضاعوها وحولوها للغو فارغ بالمشاركة مع العسكري الذي لا هم له سوى الحفاظ على وجوده وبقاء هيمنته وسيطرته.
عفوا عزيزي الميدان الذي اشتقت إليك شوق عاشق لمعشوقه فلم يعد وجودنا بك حياة للثورة بل وأدها وتحويلها لمجرد حناجر تهتف حتى تكل، العمل يجب أن يتغير شكله وطريقته وأسلوبه، ستظل في ذاكرتنا، ستظل قبلتنا التي نولي وجوهنا شطرها كلما هفت روحنا للحياة أو حين يخطو اليأس حثيثا إلينا فتقف من جديدا شاهدا مذكرا بما كان فنعود أدراجنا من جديد لنعمل.
إلى طيور الظلام التي خرجت علينا باسم الرب تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وكأنهم آلهة نصبت نفسها لتحكم فكشفت عن القلوب فحكمت وحاكمت لا وقت لكم، لا الزمان زمانكم ولا نحن كما كنا، لا وقت لكم لمحو تاريخ شعب منقوش في وجوه أبنائه، في تقاليد لم يغيرها الزمن ولا المستعمر، لو أنكم تقرأون التاريخ، لو أنكم تعرفون طبيعة الشعب الذي تهددونه، لو أنكم سمحتم لأنفسكم بأن تعرفون لمن تنتمون لكان فخركم بكونكم مصريين يكفي لأن تكونوا معاول بناء لا معاول هدم، لكنتم الأسبق في حمل الفرشاة، وخط الحروف ، وتحريك الوتر.
لكنتم معنا نبني منظومة جديدة نحطم بها قواعد الجهل ونبدأ مع صغارنا بصبر فعشرون عاما من عمرنا هي يوم واحد في عمر أمة.
لنبدأ بالتعليم يا سادة من الحضانة وحتى الجامعة، لنبدأ؛ لنغير، فلا نلقن بل نكتشف، فلا نحفظ بل نقرأ، فلا نقصر الألوان على الأبيض والأسود فالله خلق لنا الدنيا وخلق فيها كل الألوان لنا متاع ومتعة، فلا نُحرم الجمال وقد منحنا الله في الكون بعضا من جماله فكان النغم وكان السحر، فلا نقتل الحرف وقد قص الله القصص ولنا في يوسف أسوة ليس سردا فقط وإنما موضوعا ولتتأملوا حقا.
ساعدونا يا من تمتهنون الحرف واللون وتحركون الأوتار، يا فنانين مصر الحلم لن يتحقق إلا بكم.
رباب كساب
4/7/2012

الأحد، 29 يوليو 2012

اللوحة

اللوحة 
بجريدة النهار الكويتية

الخط الأول في اللوحة كان معبرا أكثر من اللازم لم ترسم من قبل الأسود أكثر وضوحا.

استنطقت فرشاتها، وثَبت داخل الإطار الذي حوى الخط الأسود، كالثعبان التف حولها، اعتصر جسدها البض.

حملت لها النافذة المقابلة صوت موسيقى، نغمات آلة وترية دغدغتها برفق مثير، تنبهت حواسها الخمس، من خلف خصاصها أرسلت ناظريها، ما عاد يكفيها التلصص.

الثعبان يواصل التفافه مع صوت الموسيقى الشجي.

يد الطفل الممتدة عبر النافذة تلتقط أصابعها وتسحب منها وريقة صغيرة، يقرأها ويبتسم.

امتدت يدها تسلمت الرد، قرأته، ابتسمت.

خرجت مسرعة من الإطار.

ارتكنت إلى السور القديم، تحولت الابتسامة لضحكة سرعان ما أرسلتها ذكرياتها للنافذة وللموسيقى التي اعتادتها.

صبي الخامسة عشر الأمرد يلهو كما اعتاد، باتت تغلق نافذتها، لم يمنعه خصاصها المغلق من إرسال رسائله وانتظار الرد.

لمست أصابعه الخجلى شعرها وهي مغمضة العينين، ارتجف فعادت يده المتعرقة تسكن إلى جواره في صمت.

الموسيقى تعلو ووتر التشيلو يرسم على الصحراء أكبر مفتاح صول قد رأته، حلته الممزقة كتبت له مكانا في تاريخ بلون الدم محفور في عمق فاحم.

بلا قدم، لكن أصابع يديه حلقت به فوق السحاب، الكرسي المتحرك طائرة تسافر به كل بقاع الدنيا.

الرمل المنهوب قد اعتلته معاهدة السلام فنادق ومنتجعات تعزف موسيقاه بلا إذن مكتوب ولا معاهدة منصوص عليها.

لم تُدخل الأصفر لوحتها، الأبيض من تحتها يصرخ، لازال الثعبان الأسود يواصل حماقاته يلتحم بالأبيض، تسقط رغما عنها بقع من الأحمر تدفع بها نحو النافذة مدت حينها يدها الشابة، لم تلتقط رسالة، لم تسمع نغما يومها أدركت أنَّ الأحمر حين يمس بياض الكون يعني....

حلقت طائرته في سماوات بعيدة، القدم الضائعة رسمت نجاحاته دموعا في عيون مستمعيه، وبقت على حائط أمه وساما عسكريا.

- لم أرسم قبل.

كان ذلك جوابها على الجميع.

الثعبان الأسود يواريها، تعبث بها الألوان يحارب الأخضر ليكون له مكانا لكنه ينزوي حين يجد أنَّ الأزرق لا يفسح له طريقا.

الأزرق كان لون نافذته قبل أن يدخل الأحمر شريكا للبياض.

المرآة عكست الرمادي الذي يغطي هامتها، ألقى بظلاله على اللوحة، لم يعد يتبقى في جعبتها أي من الألوان غير الرمادي والأسود، وذلك الصوت الذي يعبر من النافذة المقابلة، حين فتحت نافذتها عن آخرها لم تجد العجوز الذي تلقت قدمه نيشانا عسكريا، وجدت شابا أنيقا يحتضن أوتاره وصغيرا يلهو بين قدميه.

من فوق جدار الوحدة أمسكت باللوحة ونزعت تلك النافذة الزرقاء.

رباب كساب

* كاتبة مصرية

السبت، 14 يوليو 2012

أحن إلى هانم


أحن إلى ... هانم
مقالي أحن إلى هانم بعدد يوليو 2012 بمجلة الثقافة الجديدة

أحن دائما للأفكار التي تراودني بين حين وآخر ثم تغرق في بحر نسياني شديد العمق مختفية في غمرة انشغالي ، لكني ما إن شرعت في الكتابة عن الحنين وجدتني أكتب عن حنيني لشخصية من لحم ودم وليس لفكرة، ووجدت أن في الحنين لشخص مليون فكرة وفكرة وأن الكاتب بداخلنا يغرق في السرد دونما النظر إلى أننا كأشخاص في الأصل أفكار تكتمل بها شخصياتنا وشخصيات أبطالنا ، حنيني للأماكن وللذكريات يقترن دوما برفيق الذكرى أيا من كان أبي ،أمي ، أختي،  أخي، أصدقائي ، زملائي .. أنا.
جميعنا يحن لمرتع صباه وملعب طفولته خاصة، يحن لبداياته مع كل شيء في المدرسة ، الجامعة، الحب وغيرها ، لو عددت لمن ولماذا أحن لن تكفيني الصفحات، إننا نتشكل بذكرياتنا وتمتلئ كتاباتنا بمخزون ماضينا ومشاهداتنا التي قد تمر على عين الرائي العادي لكنها تصطبغ في عقولنا وتُنحت في قلوبنا بما يجعلها جمرة نار يتلقفها القلم بسرعة وينثرها كلمات.
حين تحدث شاعرنا الكبير رحمة الله عليه محمود درويش عن الحنين قال ( أحن إلى خبز أمي / وقهوة أمي / ولمسة أمي ) توقفت طويلا أمام كلماته لم أفتقد يوما خبز أمي ولا لمستها وإن كانت لا تصنع القهوة هي تشتريها لأجلي فقط ، لكني أحن لتلك المرأة التي أخذت الكثير منها ولم يُعطها العمر فرصة لترى نفسها فيّ ، أحن لجلستها على الأرض ونحن حولها كدجاجها الذي تعشقه ولم تكن تغادر البيت لأجله ، تجلس ساعات طويلة تمسك بالخبز الناشف لتكسره قطعا صغيرة وكيزان الذرة الجافة لتفرطها لطيورها التي تملأ سطح البيت الكبير ، كانت تقسم سطح البيت لحجرات شتى بها كل ما تشتهي الأنفس، كنت أخشى كل تلك الحيوانات وكم سببت لي الرعب في كثير من الأحيان ، ذات يوم تسللت خلفهم إلى السطح العامر، كنت ارتدي الفستان الصوف الأحمر الذي صنعته أمي بيديها لحظة اقتربت من الديك الرومي الكبير ثار نافضا عرفه رافعا صوته عدا خلفي وأنا أصرخ وهم جميعا يضحكون ــ أدركت الآن لماذا أكره اللون الأحمر ــ  لم ينقذني إلا باب السطح الذي فتحته هي على مصراعيه لأنزل ثم أغلقته خلفي مسرعة.
لم تكن فلاحة رغم ذلك كانت هانم وهي هانم فعلا ، قبل عامين كنت أعلق صورتها في حجرتي ، صورة في بداية استخدام الألوان في الصور الفوتوغرافية كان شكل الصورة غريبا عما نعرفه من الصور الملونة فلم يكن بها ملونا سوى طلاء شفتيها الأحمر، أما بقية الصورة فبالأبيض والأسود لم أعرف لون التايير الذي كانت ترتديه، بان شعرها الفاحم الناعم المصفف كما نجمات السينما ، ماتت وهو على سواده، القرط الأبيض الذي يتدلى من أذنيها؛ حقا كانت نجمة ، كثيرا ما كنت أختلس النظر في ألبوم الصور القديم الذي تعتني به أمي أتوقف دائما عند صورها يقولون أنَّ لي أنفها وفمها ولونها ، لم يكن أحد يناديها باسمها هانم وإنما ( الست أم رفعت) لابد أن يسبق اسمها كلمة ( الست ) وكيف لا وهي كانت تمد الولائم تكرم من يقصدها أو لم يقصد، الكثيرون ممن يقصدون المصلحة أو الود غير المشبوب بشيء سوى المحبة الخالصة جميعهم يأتون لم أر هذا البيت كجدران إلا حين رحلت فخبا نوره وصمت حسه رغم أنها تركت به من يسكنه.
أحن لضحكاتها حين كانت تستمع إلىِّ أقلد أم كلثوم ممسكة بمنديل في يدي أعتصره وأنا أقول يا حبيبي تعالى.
أحن لشرفتها التي تستطلع منها البلدة وتلقي التحية على المارة الذين يحيونها ، ثم تجلس إلى مقعدها الأثير إلى جوار ياسمينتها العتيقة وأصص الصبار التي تملأ المكان ممسكة بسيجارتها والجريدة في هدوء تستمع بين حين وآخر إلى نداءات (نجية) على فاكهتها، تتبادل ابتسامة عذبة مع جارتها السورية التي تحتضن الشرفة بهو شقتها.
لم تكن وهي التي ربت سبعة أطفال تضن بنا وبلهونا وصياحنا، لم تكن تبخل علينا بحكاياتها وألعاب الكوتشينة التي تجيدها ، كانت تنتظر يوم حضورنا كل خميس فتصنع الكيك والبسكويت اللذان أحبهما لم يرث أحد أسلوبها في صنعهما لم يُجد أيا من بناتها صنع المهلبية الرائعة التي كنا نلتهم أطباقها في سرور وورثت أنا عشق العصيدة وصنعها لم تعلمها لي علمتني إياها صغرى بناتها، فاجأت أمي ذات ليلة وأنا أمد يدي لها بطبق في منتصف الليل، أَكلْتَها وأنا أتذكرها وأحن لطعم عصيدتها وخلت للحظة أني آكل عصيدة ( الست أم رفعت ).
لم يهنأ لها طعاما إلا وقد مدت مائدة الصغار أولا واطمأنت أننا جميعا قد تناولنا طعامنا قبل نزولنا للبهو الكبير في الدور الأرضي لنكمل لهونا البريء، كل أمهاتنا كن يشكين أننا لا نأكل فإذا بنا نلتهم الطعام التهاما ونحن نمزح ونلهو ونتخاطف الأكل من بعضنا البعض وهي تشاهدنا من بعيد ثم تدخل مطبخها لتواصل عملها لتضع لمستها الأخيرة وتمهر كل شيء بإمضاء الهانم الست أم رفعت.
حنيني لتلك المرأة التي أُشبهها مبعثه شعور بالامتداد بأني تخطيت جيل يفصلني عنها لأكون وهي شخصا واحدا ، كنت أحس ذلك وأنا أنام في سريرها في ليلة شتوية مطيرة، أو حين أتشمم رائحتها، أو حين أنظر في وجهها وأراني، وأشعر أنها حين مضت وتركتني ابنة ستة عشر عاما أني أخذت منها رايتها وإن لم أسر على دربها ! تركتني في فبراير الذي هو شهر ميلادها كنا نتندر بأنها تحتفل به كل أربع سنوات وأنها محظوظة أنها لا تتذكر ميلادها إلا حين يكون فبراير تسعة وعشرون يوما.
أذكر مزاحها وأبي وجلستهما معا يدخنان ويتضاحكان، أظن أن أبي رحمه الله كان أول رجل يبكي حماته لمحت في عينيه دموعا يوم وفاتها أظنه وهي الآن يرمقاني من العالم الآخر ويبتسمان كلاهما كان عاشقا للحواديت كلاهما علماني الحكي، حفظت عنهما الكثير هو كنت آخذ من ذراعه وسادة تدغدغ أحلامي حتى أنام وأنا أستمع لحكاياته وهي كنت أشعر بدفء العالم في حضنها.   
يراودني شعور الآن أني عدت ابنة السابعة وأني أجلس إلى جوارها وهي تروي لي واحدة من حواديتها ثم تنتفض واقفة حين تسمع جرس الباب وصوت القادم يناديها فتتجه نحو الشرفة لترى القادم وأنا بجانبها أردد نفس كلماتها ( حاضر جاية أهه ) وأجذب معها الحبل الطويل لينفتح مزلاج الباب في الدور الأرضي وليدخل القادم عيناه في الأرض احتراما وهو يمد يده ليصافح جدتي الست أم رفعت.
رباب كساب
       

حواري لجريدة السياسة الكويتية

رباب كساب: حان وقت تجديد دماء الساحة الأدبية أجرت الحوار شروق مدحت  تمردت على الظروف المحيطة ،رافضة الاستسلام لعادات وت...