الثلاثاء، 29 يناير 2008

أحبكِ ولكن ....

أُحبكِ ولكن .......

وقفت تستحلفه نظراتها أن يتريث قليلا ويبقى بجوارها ولسان حالها ينطق : هل أسكب العطر في راحتيك ؟ دعني ألملم شتات نفسك الراغبة في الرحيل حتى تسكن لدي . اعطني فرصة واحدة .إلا أنه رمقها بنظرة أماتت داخلها كل رغبة في بقائه ، فصمتت .خرج وقد لملم كل حاجياته وما يخصه ومضى .سمعت صوت انغلاق الباب خلفه فتذكرت أنه نسى شيئا هاما ؛ لقد نسيها خلفه !! وقفت شاردة تبحث عنه وعنها ، إن هذا مكانه ، بيته ، سريره ، كل شيء هنا له وقدا اختاراه سويا .صرخت بقوة تناديه ، صدمها صدى ضحكاتهما فقالت : اصمتي أيتها الضحكات ، اصمتي ؛ لم يعد هناك غير الدموع ، لقد مضى صاحبك رفيق الدرب .تملكتها الحسرة وهي تتذكر أيامهما ، وذلك المكان الذي ضمهما عروسين وقد تناثر الحب فيه ، ورفرف العشق به ، وتجلت السعادة ، تعانقت البسمات ، تضافرت الأمنيات ، ورُسمت خطط مستقبلهما .مسحت تلك العبرات التي وجدت بسهولة سبيلا لوجنتيها ، وهي تتوجه للشرفة تشاهده وهو يبتعد ، سالكا طريقا ليست فيه ، تلك الشرفة التي شهدت صباحات عديدة لهما سويا ، جلست على مقعدها المفضل ، ترمق الأخر الذي خلا من صاحبه . كم جلسا هنا يتناولان إفطارهما ويتطلعا للشارع الفسيح ، الرحيب رحابة قلبيهما ، وحين ترشف أولى رشفاتها من فنجان قهوتها يسارع بخطفه من يدها ليتناوله عن آخره وهو يعطيها فنجانه ويقول : عايز دايما أجري وراكي . قالت والحزن يلفها : لم تجر ورائي يوما ، بل أنا التي أرهقني العدو خلفك .لماذا تهرب يا حبيبي ؟!!!!تدافعت الذكريات التي كانت تجترها في ألم وحسرة ، كل ركن من أركان البيت تجلت فيه ذكرى ، وأحست رائحته تحيط بها وكأنه كان في حضنها لتوه .كم سكبت في تلك الليلة من كؤوس الدمع وتجرعت مثلها من الندم .إنها من أضاعه ، من خنقه ، طوقته بطوق من حديد وأحكمت الغلق ، وما إن وجد الفرصة ليحطمه ويهرب لم يفكر سارع بالفكاك منها .ذات يوم قال لها في غمرة انفعال : عايز أحس إني نفسي ، عايز أشوف الدنيا بعيد عنك ، اتخنقت ، معرفتش أجري وراكي لأنك دايما حواليا .كانت تقابل ثوراته بصمت يُميته ، قادرة هي على استفزازه وإثارته صمتت أو تكلمت ؛ وتجلس ببرود لتشاهده وقد اشتد به الغضب بفرحة تطل من عينيها لتؤكد لديها صدق حدسها وأن ثورته دليل على أنه يداري أفعاله .أين كان الماضي من الآن وهي تطلع إليهما في صورة زفافهما وجهين مرحين مليئين بالفرحة والأمل والاطمئنان ، شتان الفرق بين ما كانا عليه وما آل إليه الحال ووجهان يحملان حسرة وبؤسا وانعدام أمان .أكان مخطئا بإتمام زواجه منها ؟ لقد اعتقد أنه بامتلاكها له وامتلاكه لها ستكف عن تلك المشاعر الحمقاء التي تصيبها بين حين وآخر وشكوك غيرتها التي كان يتجاهلها كثيرا لحبه وعشقه الكبير لها . لكنها زادت من غيرتها ، من شكها ، صارت تلاحقه في كل مكان وفي كل وقت ، شعر بها في الماء الذي يشربه ، في دخان سجائره الذي ينفثه.باتت كالسيل حين ينهمر ولا يتوقف ، حاول كثيرا أن يثبت لها حبه ولا فائدة ، دائمة الشك ، شديدة الغيرة .صار قلبه العاشق سجينا حبيسا في داخله يبحث عن الحرية ، يريد أن يتنفس دون أن يجدها خارجة مع زفيره ، لذا كان عليه السير دونها ، المضي في طريقه بلا عودة للوراء .لابد وان ينجو بما بقى من نفسه .في حين جلست هي تبكيه وتتدثر بفراشه ، تتنسم عبيره ووجوده وتبكي ..... وتبكي ، لكن أيفيد البكاء على اللبن المسكوب ؟

رباب كساب
5/1/2008

عاشقان

عاشقان
أنا وهو حبيبان لم نفترق يوما ، عرفته منذ ميلادنا لا بل مذ كان جنيناً في رحم أمه .
بيني وبينه الكثير والكثير ، هويته وهواني أعطيته كل ما لدي وما أملك ، لم ابخل أو أضن ، رهن إشارته كنت وطوع بنانه عشت .
كان لي وكنت له حتى تسلل إليّ المرض وصار ينهش أوصالي ويحطم على جدره أحلامي كدت أنهار وأتداعى لولاه ، وقف إلى جواري ، ساندني وجند نفسه لخدمتي لأكون حتى لو لم يكن هو .
أخذوه مني وتركوني أشاهد انتهاكه ، رأيتهم بعيني التي لم أستطع أنْ أغمضها ، رأيتهم يسحلوه ويتلذذون بعذابه وبعذابي من أجله .
أبصرته معلقاً في الهواء مربوطة يديه إلى أعلى وجسده يتدلى وأثار ركلاتهم وضرباتهم عليه ، اختفت ملامحه .
نزل السوط على ظهره لينتفض جسده انتفاضة كاد يقف معها قلبي ، تلقى ضربة على صدره لتكون انتفاضة أخرى دون آه تخرج منه ، ترك لي الآهات والصراخ .
أذكر في لحظةِ صفاءٍ بعيدة كنت وهو حين قال لي : لو بيدي لجمعت نجمات السماء لأرصع لك بها تاج مُلكك ، وأغوص في بحارٍ وبحار وآتيك بكل لؤلؤة لأصنع منها عقدا يزدان به جيدك ، ومن شعاع الشمس أخيط ثوبك الشفاف ، ومن سنا القمر هالة أخفيك فيها عن العيون .
سمعته ولم أتمكن من الرد ، لم أعرف ماذا أقول ، انحدرت دمعة من عيني فلثم دمعتي تلقاها بشفتيه وطبع قبلةً على جبيني وذبت في حضنه .
وها هم يأخذوه مني نزعوا أظفاره حتى لا ينبش بيديه في تاريخهم ، تتوالى الضربات والصفعات ومع كل ضربة انتفاضة تُميتني ، يعذبونه ويخشى عليّ .
عيناه تقول لي : لا ، لا تبكي لا تصرخي .
لكم قال لي في عذابه بعيونه : كم يهواني .
وبكل صرخة صرختها كنت أستحلفه بها أن يقاوم ، أن يبقى إلى جواري .
حبيبي اعلم أنك حبيبي من كان قبلك ومن سيأتي بعدك أعلم أنكم تحبونني ، كلكم تحبوني وأهواكم .
قال لي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة : أحبك يا عمري .

رباب كساب
نوفمبر 2006

الجمعة، 18 يناير 2008

بلا عنوان

بلا عنوان

كانت تسير بسيارتها في طريق عودتها بعد انتهائها من العمل ببطء سلحفاة تصعد تلاً غير عابئة بأصوات أبواق السيارات التي انطلقت زاعقة تحثها على السير دون جدوى متلقية سباب ولعنات سائقيها .
لم العجلة ؟!!!
لقد قال لها في الصباح : لا تنتظريني على الغداء اليوم .
لم يكن بأمر غريب فهو دائم التخلف عن الغداء والعشاء ، لم يعد أمرا يشغله حضور الغداء منذ مدة .
طفليها لدى أمها ينعمان بعطلتهما بين الحقول والطبيعة التي لا زالت طيبة في الريف .
لم العجلة ؟!!!!!
لا شيء تعود لأجله .
غيرت قصة شعرها لم يعد ينسدل على كتفيها قصته صار بالكاد يصل منكبيها ، رفعت غُرتها فبان وجهها الصغير ، لم يلتفت أو يعلق حتى على طاقم النوم الجديد البرتقالي اللون ، لم يلفت نظره رغم أنه يكره هذا اللون .
أدوات زينتها ملقاة بإهمال على نضدها ، لم تعد في حاجة إليهم .
اليوم يوم ميلادها الثلاثين ، قبل خروجه مباشرة قَبَّل وجنتها سريعاً وقال : كل عام وأنت بخير .
قالت في نفسها : الحمد لله ، لم يتذكره العام الماضي .
لم يعطها فرصة ترد عليه تبادله قبلته ، انطلق خارجا ، سمعت صوت انغلاق الباب .
توقفت لدى محل العطور قابلتها صاحبته بالترحاب فهي تعرفها جيدا ، تلك السيدة التي يبدو على وجهها صولات الزمان وجولاته ، امتدت لها يدها بعطرها المفضل أخذته دفعت ثمنه ومضت .
كانت قد ابتاعت ملمع الفضيات لتعالج به انطفاء لون شمعداناتها الفضة ، فهي مغرمة بالشمعدانات ، ملأت بيتها بمختلف أشكالها وأحجامها ، اعتنت بهم جيدا تحسبا .
كانت لديها خططا لعيد مولدها ، عشاء فخما على ضوء شموع شمعداناتها ، موسيقى هادئة ، فستانها الأسود المرصع بالفصوص اللامعة ، وردة شعرها الحمراء ، مساحيق وجهها وطلاء شفاهها الأحمر القاني ، الأولاد لدى أمها .
وجدت نفسها أسفل بيتها ، ركنت سيارتها وصعدت ، أدارت مفتاح الشقة ودلفت للداخل واجهها الصمت ، تلفتت حولها لا شيء غير الصمت .
توجهت إلى حجرتها ، خلعت عنها ملابسها في غير تسرع ، ألقتها بإهمال على السرير ، ارتدت ملابسها المنزلية .
أخرجت زجاجة العطر الجديدة انطلق رذاذا العطر مننها على رقبتها ووجهها ، تسلل عبيره لداخلها أنعشها قليلا .
دخلت المطبخ أمسكت بإصبع موز التهمته وهي تنظر غير عابئة لأثار عشاء الأمس وإفطار اليوم ، تركت المطبخ .
ولجت غرفة المعيشة امتدت يدها لجهاز التسجيل كان به شريط ( أغدا ألقاك ) ألقته بعيدا وهي تبتسم ابتسامة ساخرة .
انطلقت الموسيقى من الجهاز ، موسيقى حالمة ناعمة ، ظلت ترقص وترقص رقصا منفردا رغم أن ذراعها تتخذ وضع وجود شريك أمامها .
في المساء أطفأت شمعتها الثلاثون ......................... وحدها .
رباب كساب
11/3/2007

اليوم الأخير

اليوم الأخير

اليوم هو الأخير . وقفت أمام المرآة نظرت لذلك الوجه المغضن . ربتت على شعرها الأبيض بتلك اليد المعروقة ، فردت طرحتها على رأسها ، أحكمت لفها ثم مضت
في الطريق تذكرت اليوم الأول ، شابة في مطلع العشرينات تحمل أمالا عريضات بقوة وعنفوان الشباب .
مشطت شعرها عقصته للخلف ، تركته يغطي ظهرها ،أكملت زينتها ثم انطلقت تملأها رهبة اليوم الأول والتجربة الأولى .
نفس الطريق تمشيه منذ سنين لم يتغير ، لم يتبدل ، أقيمت بيوت ، شوارع مهدت ، كثرت الناس إلا أنه نفس المسلك.
دار بذهنها الكثير ففي أشهر قليلة باتت تفقد كل ما تملك حتى صار كل ما هو قادم عصر فقدان على الدوام ، لا شيء يسر .
وصلت إلى عملها وطأت قدمها مكتبها ، استقبلها الجميع بحفاوة ليست من المعتاد زادتها تجهما ، حاول الجميع ممازحتها إلا أنها أبت الابتسام ظلت على صمتها .
منذ أعوام قليلة عُين بعض الشباب بعد توقف الحكومة عن تعيين أي موظفين جدد لسنوات وسنوات، امتلأ بهم المكتب أضفوا على الحياة بالعمل بعض الحيوية ، تعاملاتهم ،أفكارهم المختلفة ولدت نوعا من الصدام بينهم وبين الكبار القدامى في المكان والخبرة ، فهم لا يتصورون شبابا في عمر صغارهم يزاملوهم ويأخذون نفس حقوقهم ، إلا أن الشباب تلك المرة هم من احتووا الوضع بإتباعهم السياسة السائدة تلك الأيام سياسة ( تكبير الدماغ ) وكان الجميل أنها أتت ثمارها ، كانت ناجحة فهدأت الأمور بسرعة وساد الوئام ، وعرف الصغار كيف يدخلون عالم الكبار ، وفي ذات الوقت يُنفذون ما يريدون .
كانت الأكثر خلافا معهم فهم في عمر أبنائها ، إلا أنها اعتادت وجودهم في النهاية .اليوم هم عنها مشغولون ، لهم مدة يعدون لهذا اليوم الذي لم تكن ترجوه ولم تُرده ، لو لم يذهب ما كان لهذا اليوم مثل تلك الوطأة وهذه القسوة .
لمن تعود ؟!!!!!!!!!! رحل منذ شهور تاركا إياها وحيدة ، أولادها في مقتبل حياتهم كل له شواغله .
في مخيلتها البيت الكئيب دونه ـــ أيام العمر فقدت معناها وألوانها ، قضت معه أكثر من نصف عمرها ـــ تصحو في موعدها كل يوم يلفها الفراغ والوحدة ، كان العمل سلوتها ومقابلة الناس فيه هي كل ما تملك ، الآن صارت بلا عمل.
اليوم هو يومها الأخير ، وجدتهم أقاموا لها حفلا .
علام يحتفلون ؟! بموتها ؟!!!! يكرموها في اليوم الذي فيه تحتضر !!
قالوا كلمات كثيرة ، لم تعِ شيئا ، ولا تذكر ما قد قيل ، كانوا يذكرون محاسنها ، وفناءها سنوات في العمل .
ماذا أفادتني تلك المحاسن وهذا الفناء ؟!! هل مدت في عمري عاما أخر ....... شهرا ...... أسبوعا ...... يوما ؟!!!
هكذا تساءلت .
أعطوها هدايا أحستها كفنا .
أكلوا وشربوا مما أعدته واشترته فتيات ونساء القسم الذي تعمل به من حلوى ومشروبات ، شعرت بهم كمن يتبادلون الأنخاب على روحها .
حانت اللحظة ، لحظة الوداع ، لحظة الفراق ، اللحظة التي لا بعدها لحظات أخرى .صافحتهم . ترقرق الدمع الغالي .
مضت مسرعة تستقبل ما يسمونه ربيع العمر .
رباب كساب
21/4/2007

السبت، 8 ديسمبر 2007

الجدار

الجدار
كانت في طريقها لعملها حين قابلها أحد سكان العقار الذي تسكنه وقال لها : إنَّ بشقته شرخاً طويلاً امتد دون أنْ يلحظه واصلا إياه من الدور الذي يعلوه وأنه خائف كل الخوف أنْ يصل لأسفل ثم إلى باقي العمارة الصغيرة .
أصابها الهلع ، كيف لم يره أحد ؟إنها كل يوم تقف أمام جدارها تنظر له تتفحصه ، حتى أنها تتحسسه بيديها ، كم تساءلت ماذا لو انتهى عمره وسقط ؟ ماذا سيكون مصير أهل البيت وسكانه ؟إن وجودهم بوجوده وأمانهم في سلامته ، إن هذا الجدار هم .
كان أي شرخ بالجدار كفيل بإصابتها بالذعر ، لا مكان لهم غيره ، أين سيذهبون لو انهار ؟إنها تحرص عليه تتابعه بين الحين والأخر .
مرورها اليومي عليه بعض من طقوس حياتها ، وسواسها الأول إصابة الجدار بأي سوء ، إنه عمود البيت فكيف الحياة بلا سقف يحميهم و عمد يرفع سماءهم ؟كيف لم يصادفه أي منهم ؟ كيف لهم أن يتركوه حتى يقوض أمنهم ؟المزيد من كيف والرجل لا يعرف بم يرد ، يجب الإسراع بترميمه .
قالت : سأرسل للمهندس لا بل سأذهب إليه ، دعني أراه أولا .
وقعت عينها على الجدار ، صدمها عمق الشرخ ، وصدمها هؤلاء الجيران الذين سهوا عن أهم شيء في وجودهم أمان حياتهم عمد دارهم ، الخطر كان منهم يقترب ويدنو وهم لاهون .
خرجت والخوف يملأها.الجدار لا يُرجى معه الإصلاح . هكذا قال المهندس .
بات انتظار انهيار البيت هو كل ما يملكونه ، لا يوجد مأوى غيره ........ وأين سيجدون ؟وهل سيعوضهم أي مكان ذكريات عمرهم أجمع .الانتظار طويل ......... مرير .................. مقيت .انهار الجدار ............ ضاعت الأسرة ................ ماتت الذكرى .لقد سقط البيت .
رباب كساب
6/3/2007

محاكمة ابتسامة

محاكمة ابتسامة

منذ المساء والقرية لا هم لها إلا سيرة عبير وما اقترفته عبير ، الأفواه جميعها تلوك سيرتها ، الخبر تناقلوه كانتقال النار في الهشيم .خرجت في الصباح ورأت بعينها الغمز واللمز والنظرات التي تخترقها اختراقا وهي لا تدري ماذا حدث ؟ إنهم يردون تحيتها يبتسمون ابتسامة غريبة ، رأت في عيني البعض شماتة .تعجبت !!! إن لها سيرة كما اللبن الحليب ، نقية ، يحبها الجميع ، يحلفون بأخلاقها يتمنون أن تكون جميع بنات القرية مثلها .قابلت إحدى صديقاتها وهي في طريقها لعملها سلمت عليها فإذا بالفتاة تقابلها ببرود لم تعهده من قبل فسألتها أخبرتها الفتاة ما سمعته من أهل القرية أكدت لها ما شعرت به وقالت : لقد كنت تبتسمين في فرح .صمتت عبير ولم ترد ، تركتها ومضت .رمقتها الصديقة بتعجب فلقد زادت داخلها الشكوك ، صمت عبير يؤكد الحدث لديها ولدى أهل القرية جميعهم.إلا عبير !!!!مضت في طريقها ، النار تستعر بداخلها ، إن ما عاشت تبنيه طوال سنوات عمرها انهار مرة واحدة سقط كأن لم يكن له وجود ، نُسي ولم يبق إلا ما حدث أو ما عُرف من جديد ، غضبت إلا أنها لم تطأطئ رأسها ، لم تنحني، لم تخجل ، ليس من حقهم أن يحاسبوها .إنها لم تنحرف عما رسمته لنفسها من طريق وما رسموه لها أيضا ، لم تخطئ لكنها بعد طول انتظار وجدت ضالتها .ليس من حقهم الحكم عليها وهو لا يشعرون ولا يحسون بمثل ما تحس .كان العمر يمضي بها وهي تحيا حياة باردة ليس فيها من جديد لا حضنا دافئا ولا حبيب شغلها الشاغل دراستها ثم عملها ، الحب وقفت أمامه صدته بكل ما تملك إنها لا تعرف سوى طريق المأذون من يريدها يذهب إلى أهلها لا لها ، لم تكن تعلم أنها لم تستجب لأنها لم تحب ولأن كل هؤلاء لم يداعبوا خيالها لم يحركوا بها شعرة واحدة .حتى قابلته منذ الوهلة الأولى وهي تحس به وقد اخترقها بات واستقر في عقلها وقلبها كان هو ما تحلم به وتنتظره منذ أن جاءت الدنيا ، كيف تغلق الباب تلك المرة؟!!! كيف تحكم عقلها وقد استجاب إليه ؟!!كيف تصد أذنيها عن كلمة الهوى وهي تشتاق لها ؟بل وهي تسمعها مختلفة هذه المرة ، لم تكن كأي كلمة حب سمعتها من أي إنسان من قبل لقد ذابت فكيف لها أن تجمع شتاتها مرة أخرى ؟!!!!لم تذهب لعملها عادت للقرية شامخة كما كانت ، عادت بثباتها دون أن تخشى أحد ، مرت على بعض النسوة وهن جالسات على باب أحد الدور مشت بترفع دون أن تعبأ بهن دون أن يهمها من رآها معه في المدينة ولا ابتسامتها التي ظلوا جميعا يحكون عنها ويتحاكون وهي تمشي بصحبته .كيف لها ألا تبتسم وتضحك وتفرح وهي إلى جواره بمشاعر وأحاسيس وأفراح لم تكن تدرك وجودها من قبل .كيف يحاكمون قلبا عاش مسجونا منقادا لأهوائهم وتقاليدهم ؟كيف يحاكمون ابتسامة ؟
رباب كساب
12/2/2007

تراحيل


تراحيل

مع مطلع الشمس هَّم أن يخرج من داره و قد ارتدى جلبابه وأحكم لف تلفيحته حول عنقه وضبط الطاقية الصوف حول رأسه جيداً ، حاملاً فوق كتفه مع ما يحمل فأسه ومعوله .
لحظة استوقفته زوجته وسألته : هتاكل إيه النهاردة ؟نظر إليها نظرة لم تفهمها ثم تركها ومضى دون أن يرد ، استنكرت المرأة فعله وتمتمت بكلمات لم يسمعها قائلة : هو أنا كدة كل حاجة فوق دماغي ، محدش يريحني أبدا .
أفرغت ما في جعبتها ثم مضت إلى عملها .
خرج هو والأفكار تملأ رأسه لم يرد عليها سؤالها ليس لأنه اعتاده فقط ولكن لأنه دائما هو ما يشغله فهو لا يدري إن كان سيعود ومعه ثمن ما تشتريه لتسأله هذا السؤال في الغد .
وصل إلى حيث يجلس كل يوم ورفقته الذين يتزايدون يوما بعد أخر ، يجلسون في انتظار الفرج ، كل منهم لا يملك إلا الأمل في الله .
افترشوا جميعهم أرض الحديقة الكائنة في منتصف الطريق ، في مبدأ الشارع الرئيسي الكبير ، جلس بينهم وقد ضم ركبتيه إلى صدره وسرح بعيداً ، رأى أولاده وهم بجلابيبهم المتهالكة الممتلئة بالثقوب وكأنها عيون تُفتح على الحياة لتجد أنها ليس لها مكاناً فيها ، يمسكون بأيديهم علبا من الصفيح لم يعرفوا أبدا ما كانت تحتويه قبل أن يُلقي بها أصحابها للشارع ليعلوها الصدأ فلا يبين منها حتى لونها ، أكانت علبا للسلمون أو حتى للمربى ؟ هم لا يعلمون ، يرونها فقط وهي تعلو أرفف دكان عم إبراهيم بقال حارتهم .
كل واحد يمسك بعلبة ليكلم الأخر فيها يربطا كل علبتين بحبلٍ واحد ، واحدة يسمع من خلالها وأخرى يتحدث فيها ،والصبية تمسك العروس القماش التي صنعتها أمها وملأتها بقش الأرز الخشن لا بالقطن ما إن تضمها إلى صدرها حتى تنفذ إليها لمسات القش الخشنة عبر القماش المهترئ للعروس المقيتة .ذهب لزوجته وقميصها الوردي الذي تحرص عليه كل الحرص إلا أنه تهالك وضاع لونه مع ما ضاع منهما .
أليس له عمر ؟! أنطالب قماشا رديئا أن يحتملنا كل سنوات حياتنا ؟! هل سيعود لهم بقوت الغد لتسأله زوجته : هتاكل إيه النهاردة .كان سؤالها دائما ما يثير سخرية لاذعة بل حارقة في صدره فهو يُشعره أن بإمكانها طبخ أصناف وأصناف وأنَّ معها ما يمكن أن تنتقي به بين صنوف الطعام المختلفة ، لا يرد عليها لأنه لا يملك الرد ولأنه يعلم أنه لا يوجد غير صنف أو اثنين بالكثير ثلاثة هو ما يمكنها أنْ تختار بينهم ، ولا يرد لشعوره بالعجز ، تمنى كثيراً لو لم تسأله .
طال الوقت به ولم يأت الفرج وكلما جاء مقاول بسيارته أو أي شخص يريد واحدا من هؤلاء من عمال التراحيل يعدو خلفه عله يصيبه الدور عله يكون واحداً من بين المحظوظين المختارين ، إلا أنه يعود في كل مرة خائباً ليجلس نفس جلسته وقد ضم ركبتيه إلى صدره في عودة للانتظار لا بد أن يعود بقوت الغد هو لا يحلم سوى بسد رمق أولاده وزوجته لا بكسوتهم ولا تعليمهم أو حتى بألعاب لهم .قارب النهار الانتهاء ولم يأت الفرج ، إنه لا يملك سوى الانتظار .لكن الشمس غابت وهو لازال يفكر كيف سيدخل على زوجته وأولاده وهو صفر اليدين ؟ ماذا سيقول لهم ؟ هي ليست المرة الأولى ولكنها واحدة من مرات الخذلان التي لا تنتهي .
إشارة المرور استوقفت السيارات أمامه وقفت قبالته سيارة وجه سائقها في وجهه مباشرة إنها سيارة معروفة لا أحد يُخطئها ولا يتمنى أحد ركوبها فمن يتمنى ركوب سيارة ( تحت الطلب )
نظر إليه سائق السيارة بإشفاق وتطلع هو له بشدة عيونه تستحلفه ، فهم السائق ما يدور في رأس الرجل ولكن ما بيده شيء ، دار بينهما حوارا طويلا بالعيون كأنه سباق في الثواني المعدودة مدة الإشارة وقبل أن تهم السيارة بالسير استوقف سائقها قائلا : مش عايز حد يشيل معاك الجثة .

رباب كساب
4/3/2007

الأحد، 18 نوفمبر 2007

احتمالات

احتمالات

وقف أستاذ الإحصاء يدرس لطلبته كما اعتاد منذ سنوات بعيدة علم الإحصاء ، ذلك العلم القائم على الاحتمالات ، لذا فهو من بين جميع العلوم الذي يتم حساب درجة ثقة له لأن كل اختباراته قائمة على الاحتمال .وبينما أستاذي يشرح تذكرته وتذكرت حياتي معه . لقد كانت في البداية وأعتقد أنها لازالت قائمة على الاحتمالات .كان أول الاحتمالات هو احتمال تعرفي عليه وعرفته ، وثانيها هو حبي له وأحببته أما ثالثها فهو حبه لي وأشك أنه حدث !أستاذ الإحصاء يحسب درجة الثقة للعلاقات التي أوجدها وأنا لا أجد أية درجات للثقة للعلاقة التي أوجدها القدر .إنه مني يهرب ما إن أمسك به حتى أجده من بين يدي قد تسرب ، كما الطير هو لا تعرف له عشا ولا مسكنا .رغم أنه سكن قلبي ، بسرعة البرق ترعرع في داخلي ، ومضة لمعت في حياتي أمسكت بها ، تمسكت ، أحكمت قبضتي وبها تعلقت ، اعتقدت أنها طوق نجاة ، لم أكن ادري أني تعلقت بالوهم وأنه طير يستحيل الإمساك به أو اصطياده لأنه كان أسرع من طلقاتي .عشت خيالا أسعدني لحظات وأوجعني ساعات .أستاذ الإحصاء حسب معامل الارتباط الذي هو بين الصفر والواحد الصحيح .معمل الارتباط الخاص بي اقترب من الصفر ، أنا وهو كما قضيبي السكة الحديد من المستحيل أن يلتقيا .ولكنا التقينا فعلا ، كان احتمالا بعيدا جدا ولكنه حدث ، إذا فنحن لسنا كما قضيبي السكة الحديد .ما سر اقتراب معامل الارتباط من العدم .يجمعني به الكثير ، أنا وهو لعبت الصدفة في لقائنا دورا كبيرا كما لو أنها تعرف أنه أنا .إلا أنه خائف ، أعلم أنه يخشاني ، يهاب الوقوع في براثني اعتبرني سجنا وهو الحر الطليق . أستاذ الإحصاء وصل لحساب درجة المعنوية هل تستجيب عينته للاختبار أم لا ؟إن درجة المعنوية في حالتي عالية المعنوية ! أتعرفون لماذا لأنه عاد ، قبل بالسجن وبالطوق الحريري فارتفع معامل الارتباط وعلت درجة المعنوية وباتت درجة الثقة أعلى ما يمكن .قال لي وهو يبتسم : السجن معك أجمل كثيرا من الحرية بدونك .أحبك ؟
رباب كساب
13/8/2007

القطار.......... وأنا


القطار ............... وأنا

كنت دائماً وموعد مع القطار ، في بلدتنا وأنا طفل صغير كان شريط السكة الحديد يقطع أراضيها ، يمر وسط الحقول كما المارد يُفسح له الجميع الطريق .كنت أقف ودوناً عن أطفال البلدة ألوح له بشدة حتى يكاد ذراعي أن ينخلع ، لا أعرف مسافراً أودعه ولا عائداً أستقبله ، إلا أنني كنت من شدة فرحتي لمروره ألوح له .حين كبرت قليلاً بت أسند رأسي لساق شجرة الكافور العالية ذات القلف الأملس منتظراً مرور القطار أحملق فيه وركابه ، أتأمل ما تصل عيني له فمنهم السارح في همومه أو في ملكوت الله ينظر للفضاء الواسع عبر نافذة القطار التي أبداً ما كان لها زجاج تلتقي عيني بعينيه في لقاء عابر ثوان معدودة ليس إلا .وهناك من يتعلق بالباب لم يجد له مكانا وسط الزحام سوى الباب ، يخفق قلبي بشدة حين اشعر بجسده يترنح ولو قليلا .كما أرقب بعيني المسطحين هؤلاء الذين يظنون بأنفسهم الشجاعة ليتسلقوا سطح العربات يواجهون السرعة والمجهول .ارتبط بي القطار وحلم الرحيل ، أحسست دوما أن عليّ المغادرة ليس لكرهي للمكان ولكن لأنه يتوجب عليّ السفر لمكانٍ أخر لاكتشافٍ جديد ، بُعدا أخر ...... وحياة أخرى .الآن صار القطار طائرة وبت والسفر حبيبان ، جواز سفري رفيقي وموانئ ومطارات العالم كما زوجاتي ، رحالة أنا بين دروب ودروب ، بلدان ومدن ومعالم وأنا وحدي بين كل ذلك .القطار الذي بلا نوافذ ومقاعده الخشبية التي تؤلم أكثر مما تريح واهتزازاته التي تفوق أي أرجوحة وكذا بشره الذي لا يُعد ولا يحصى حتى لأن رأسك فيه تصطدم بقدم راكب اعتلى مكان الحقائب علمني معنى الرحيل والارتحال .ركبت البحر في سفن اعتلت موجه وخرقت عبابه ، رقدت على أسطحها وبين موتوراتها كنت عاملا حتى بت مسافراً لي غرفة وواحدا من رواد مطاعمها .ما كنت أعرف من القطارات سوى قطار الدرجة الثالثة الذي لا لون له المار ببلدتنا ، صرت أركب الطائرات في الدرجة الأولى والسياحية أنعم بالمقاعد الوثيرة والخدمة المميزة .في السفر سبع فوائد ، غنمتهم رغم أني لا أعلمهم جميعاً ، ولكني تعلمت الكثير ، لغات وثقافات ، طبائع بشر تختلف كما اختلاف الليل والنهار ، كسبت مالا نقلني من حالٍ إلى حال ، رأيت الدنيا وما فيها ، تصادقت وألوان من الناس .الحب ........... المسافر سفين ما إن يرسو حتى يغادر .في أحد البلدان قالت لي يوما : سأنتظرك .ولكني الآن لا أذكرها ولا أذكر البلد ، المعالم تبقى والذكرى أحيانا تُمحى ، أتراها تنتظر ؟!!!!!!!!!!اليوم وقد عدت أحمل بين حناياي كل ما نلت من خبرة ومن حياة أنفقت عمرا لأجمعها وأحياها .قالت لي أمي : عليك بالاستقرار ، لابد وأن تكون لك زوجة وأولاد ، أريد أحفادا منك .عَدّدت لي الكثير من النساء وأرتني بعضهن .قالت : انتق واحدة فقط واترك الباقي علي .دوماً كنت أهرب إلى سطح الدار أحاول رؤية شريط السكة الحديد ولكني ما كنت ألمحه ، علت البيوت وصارت الدور عمارات ، عدوت نحو الحقول لأرى المارد المارق من بينها ، ما وجدت حقولاً وإنما كنت أسير في شوارع وبين بيوت ومساكن .الناس كُثر من حولي والأطفال لا يعبأون بالمارد المار من أمامهم ، لم ألمح واحدا يلوح له مثلما كنت من قبل أفعل .عدت للدار آسفا قال أخي : انتقيت عروس أم لا ، لدي واحدة أعلم أنها ستروق لك .جاءتني أختي بصورة زميلتها .الاستقرار . البيت ...... الأولاد كلمات لا أسمع سواها منذ عدت .التشتت والضياع يلفاني منذ وصلت .لم أعد اسمع ، لا أستمتع ظنوني نسيت الحياة بينهم وأني اعتدت الحياة في الخارج .لكني فقط كنت أفتقد شيئا هاما ، سعيت منذ وصولي له إلى صوته إلى نفيره المعتاد الذي كان يخترق سكون قريتنا ليلا أو نهارا ، لا ينافسه في الليل سوى تلك السيمفونية العذبة التي يتنافس في أدائها الضفادع وصراصير الليل لتتباين الأصوات بين الغليظ والحاد الرفيع .كائنات الليل لها سحر غريب كنت أراها كما الألوان على صفحة من الأسود .وأخيرا في قلب الليل سمعت الصوت قد نفذ إليّ والناس نيام والصخب قد صمت ، أَذِنَ لي فهفت روحي إليه كادت تطير معه .يا الله لا زال كما هو بألوانه الباهتة الشاحبة ونوافذه المحطمة ومقاعده الخشبية. قطار الليل دائما خاويا إلا من بعض مسافرين يتناثرون في عرباته .قالت لي أمي : إلى أين ؟قلت : مسافرا .صرخت ، صكت صدرها ، قَبّلت رأسها وقلت : لن يكف الطير عن الطيران ولكل قطار محطة وقوف ، وأنا مسافر لا لي عنوان .إلى اللقاء
رباب كساب
24/4/2007

أربع كلمات

أربع كلمات

عشر سنوات من الغياب والغربة عُدت بعدها لمرتع صباي حيث قريتي الجميلة وشجرة الصفصاف العتيقة ، تلك التي كنت أتعلق بشعرها أقصد بفروعها المتهدلة ، أجلس تحتها أرقب السماء وقت الغروب وهي تتخفى وراء الأشجار .
كانت الشمس تسقط شيئا فشيئا ، يغيب احمرارها مع زحف الليل بقتامته حثيثا نحوها لتأفل وتتركني وهي ننتظر عودتها كل صباح ، لم يكن هناك أجمل من مغيب الشمس سوى شروقها .
ولم أكن أدري أن الغروب يختلف من مكان لآخر إلا بعد أنْ هجرت قريتي التي كان أفول الشمس فيها لا مثيل له .
عدت متلهفة لمكاني المفضل بعد غيبة طويلة لم أعد فيها ، ولو ليوم واحد ، ولم أكن أعلم أني سأقابلها مرة أخرى !
وجدتها تجلس نفس جلستنا القديمة مسندة رأسها إلى يدها ، ظننتها امرأة أخرى أول الأمر ، لكني أعرف أنها هي ؛ أنا أعرفها رغم الاغتراب .
ناديت : هدى .
التفتت نحو الصوت ، رأتني هَبَّت واقفة ، كنت غاضبة منها فلم تصلني منها رسالة واحدة ردا على خطاباتي العديدة ، عَدَت نحوي احتضنتني ، رغم غضبي منها أخذتها في حضني شعرت أنَّ هناك شيئا ما استرددته بهذا العناق الحميم .
كانت عيني تعاتبها وتجيبني عينيها بإجابات لم افهمها ، حين أحسّت عجزي عن فهمها بدأت تهرب .
تحدثنا في ذكرياتنا دون أن تسأل أي منا عن حاضرنا ، تكلمنا عن سابق أيامنا ولهونا في هذا المكان ، ضحكنا حين ذكرنا إصرارنا على الذهاب مع والدها إلى الحقل في يوم الري لرؤية ماكينة الري وهي تسحب الماء من الترعة القريبة من الأرض فتسقي الأرض ( الشراقي ) حتى تروي ظمأها ، وأيام كنا نجلس إلى جواره لنذاكر ، وكان يستمع إلينا فتلتبس عليه الأمور فيستوضح ما نقوله .
كنت أشرح له وأنا فرحة بدور المدرسة وأتخذ وضع أبي وأقلده وهو يشرح للتلاميذ في المدرسة بينما تضحك هي وتقول لأبيها : دايما كدة يابا تعطلنا .
فيرد بعفويته الجميلة : عاوز أفهم يا بت يعني ما افهمش .
تحدثنا عن أحلامنا كنت أريد أن أنهي الجامعة وأتزوج وأنجب أطفالا كثيرين في حين حلمت هي بالهرب بعيدا عن القرية إلى المدينة الواسعة ، إلى تلك الأبراج الأسمنتية التي تملأ شوارع المدينة بعيدا عن الحقول ، والأشجار ، والدور المتجاورة ، ووسط الدار ،وعشة الفراخ ،وحظيرة المواشي ، وخبيز العيش كل طلعة صبح .
سألتها عن أخبارها صمتت لم ترد ، لم تكن كثيرة الصمت هكذا ، كانت لحظة أن تراني تخرج ما في جعبتها دون أن تخفي شيئا رغم أني لست كذلك .
حاولت دفعها لتتكلم ولكنها أصرت على الصمت الذي بددته هي بسؤال كنت أعلم أنها وغيرها سيسألونه .
سألتني : عندك ولاد ؟
لم يكن بوسعي الإجابة فأنا قد زرعت أرضا لم تنبت نبتة واحدة أشفقت علىِّ ، علمت أنَّ لها ولدا وبنتا ، وحين سألتها عن زوجها عادت لصمتها ثم قالت : انفصلنا .
لم تخبرني السبب كنت آخذ منها الكلمات كمن ينتظر خروج روحا من جسد يتشبث بها ، الكلمات تخرج منها بصعوبة تقف في حلقها فتعجز عن النطق بها .
لازلنا في نفس جلستنا نتطلع إلى السماء كسابق عهدنا في صمت عجيب قطعته هي فجأة لتقول : طمعت ، ضعفت ، خُنت ، طُردت .
هزتني الكلمات التي تشرح نفسها ، ورأت بعينيها ما أصاب وجهي حين سمعتها .
بكت وقالت : هي دي حكايتي .
قلت لها وقد اعتصرني الألم اعتصارا : البكا دا ندم ؟
قالت : ندمت من زمان دا حسرة ، لو كنت أعرف لو ما طمعت ما كنت ضعفت ، ولا كنت خنت ، وكان زماني جنب ولادي .
ووجدتني أقول : الحال واحد يا صاحبتي حياتي أنا كمان في أربع كلمات ، بس أربعة مش أكتر غربة ، وحدة ، حرمان ، ضياع .
صديقتين كنا ، مختلفتين عشنا ، إلا أنه كان هناك ما يجمعنا دائما هناك ما يربطنا ، وإذا بنا تتشابه نهايتنا ،وإن اختلفت التفاصيل .
قمنا وقد أمست بنا الدنيا مشينا متباعدتين كانت الدموع كل ما بقى لها ولي بعد زواج دام عشر سنوات لم أكن فيه سوى امرأة وحيدة لا حياة لها في بلد غريب عنها وزوج ملََّ الأطباء والعمليات ، ويئس من الإنجاب فقرر إلقائي من طريقه ، كفاه ما أنفقه من ثمن الغربة على أرضٍ بور .
والآن آن لنا أن نفترق ، وقفنا والدمع في مآقينا لا يكف عن الانهمار ، ها هو مفترق الطرق أعطيت لها ظهري وأولتني ظهرها ، ومضت ، ومضيت .
رباب كساب
14/1/2007

السبت، 17 نوفمبر 2007

قفص اسمه أنا



هذه المقالة قام بنشرها الاستاذ معاذ رياض في موقع بص وطل عن روايتي الأولى قفص اسمه أنا



في مدينة صغيرة بالقرب من طنطا وتحديدا في أحد شوارعها الجانبية، تبدأ علاقة الحب بين "صفاء" و"فتحي" من الطفولة رغم الفقر وضعف الإمكانيات. لكن مع بداية دراستها في كلية الحقوق، تفاجئنا "صفاء" بإطلاق ما كان حبيسا في عقلها وقلبها: الطموح. وهو ليس طموحا ماديا، بل هو طموح في مكانة اجتماعية مرموقة وحياة أفضل من ذلك الشارع الصغير الذي نشأت فيه. لم تكن "صفاء" راضية عن تفاهة مشاكل جيرانها في الشارع وإهمالهم وعدم النظام والجهل الذي يعيشون فيه، وأخذت تخطط لانتشال نفسها من كل هذا إرضاء لطموحها.
تقترب "صفاء" من زملائها الأثرياء في الكلية مع اجتهادها الشديد في المذاكرة حتى تجذب انتباه أساتذتها وتجد عملا في مكتب أحد المحامين الكبار وهي لا تزال طالبة. ويلاحظ "فتحي" ما طرأ عليها ويظن أنها تغيرت، بينما هي لم تتغير وإنما بدأ حبها لنفسها في الظهور. وتبدأ خلافاتها مع "فتحي" الذي لا يعير التعليم اهتماما ولا تعني له الشهادة أكثر من ورقة يعلقها في برواز حتى لا يقول الناس إنه جاهل.
ومن نجاح إلى نجاح انتقلت "صفاء" متجاوزة كل العقبات إلا عقبة الحب. فلم تستطع أن تنزع "فتحي" من أفكاره وتدفعه لأن يطمح في مكانة اجتماعية أعلى. وظلت علاقتهما بين شد وجذب، تحاول أن ترضي طموحها ولا تخسر حبها في نفس الوقت.
بهذه الأحداث تبدأ رواية "قفص اسمه أنا" للكاتبة "رباب كساب"، وهي العمل الأول لها. وهي رواية منتزعة من الواقع بشخصياتها وتفاصيلها. وأيضا أماكنها، حيث انتقلت الأحداث بين مدن مختلفة مما أثرى الرواية. كما أنها مكتوبة بلغة سلسة وبسيطة ويمكن تحويلها بسهولة إلى فيلم سينمائي أو مسلسل تليفزيوني.
"صفاء" و"فتحي"
بطلة الرواية "صفاء" التي وقعت أسيرة نفسها ولم يكن لديها ما هو أهم من طموحها، اللهم إلا أخلاقها ودينها. فعندما طلب منها الزواج رجل يختلف عنها في الدين لم تستجب له، مع أنه كان سيساعدها في تحقيق ذاتها من خلال علاقاته الواسعة. إن الدين والأخلاق خطان أحمران عند "صفاء"، وكل ما عداهما –حتى الحب والعلاقات الإنسانية– قابل للتفاوض! فحتى "فتحي" الذي فتحت عينها على الحياة على حبه لم يكن ليقف أمام وحش طموحها المخيف.
ومع هذا ظلت علاقتها بـ"فتحي" في قمة الرومانسية من أيام الطفولة حتى أولى خطوات الجامعة:"لم يكن باستطاعة أي منهما أن يسير إلى جوار الآخر في طريقهما إلى الكلية فالتقاليد والعرف يمنعان منذ أن حلت الأنثى محل الطفلة والرجل الذي زحف حثيثا إلى نفس الطفل الصغير حتى أقيمت المتاريس بين اثنين لم يفترقا بتاتا إلا في ساعة النوم فأصبحا يتلهفان الوصول إلى الكلية حتى يجلسا سويا ويتحدثان معا حتى في قاعة المحاضرات" (ص 12)
"صفاء" و"صفاء"!
ويبدو التناقض عند "صفاء" فهي لا تتوقف عن تقديم القرابين لطموحها الذي استعبدها، فأصبحت كمن اتخذ إلهه هواه.. ولم تستطع أن تتخلص من هذا الإله وتتحرر من نفسها.يقول لها أحد أصدقائها متعجبا من حالتها:"تعرفي إنك غريبة بجد أنا تعبت معاكي"، كانت تلك الكلمات التي صرخ بها "أحمد" في وجهها، لم ترد عليه فتابع قائلا: "أنتِ إيه؟ إيه اللي مخليكي راضية بالعذاب دا كله وأنت دايبة دوب في هواه؟ وأنتِ محمومة ماكنتيش بتنطقي غير اسمه. كلمة واحدة معاه، وشلالات دموعك مش عايزة تقف. عذبتِ ناس معاكِ علشان حبك ليه، حبك اللي أنتِ مش قادرة تنسيه، ليه؟ وعشان إيه؟
- عشان باحب "صفاء" أكثر.- "صفاء" هي اللي بتحب!!- صحيح "صفاء" بتحب "فتحي"، لكن "صفاء" بتحب "صفاء" أكثر من حبها لـ"فتحي". (ص234)
قفص الأنانية لا يسع غير صاحبه
ولم تكن رحلة "صفاء" في الحياة مصدر ألم للجميع، بل كانت هناك نتائج إيجابية لها. منها وقوفها كمحامية كبيرة لها خبرة في القانون الدولي بجانب القضايا العربية. وأنها كانت سببا في هداية محامٍ فرنسي شاب إلى الإسلام عن اقتناع ودراسة، ثم قام هذا الشاب ببناء مسجد في باريس وألحق به مركزا تعليميا، وانطلق يدافع عن قضايا المسلمين المتهمين بالإرهاب بغير حق في أوربا.
وهنا نستخلص الدرس من قصة "صفاء": إن الذي يعيش لنفسه فقط سينجح ويصل إلى ما يريد وربما أبعد مما كان يحلم مادام يجتهد ويثابر، وسيستفيد من نجاحه المجتمع والمحيطون به. ولكنه سيكون هو الخاسر الأكبر! إن من يحبس نفسه في قفص الأنانية عليه أن يعلم أن هذا القفص أضيق أصلا من أن يسع صاحبه. على المرء أن يكسر أسوار الأنا قبل أن تخنقه وتدمر حياته.
قليل من الطموح لا يضر
ومع ذلك فقد أعجبني في الرواية إصرار البطلة على تحقيق ذاتها حتى وصلت لمكانة كبيرة. وقد اختارت لها المؤلفة كلية الحقوق بذكاء، فهذه الكلية من الكليات التي يدخلها الآلاف كل سنة ويتخرجون منها ثم يشكون من البطالة وصعوبة إيجاد الوظائف. ولكن لو أصر كل واحد منهم على تحقيق هدفه بصبر وجهد ما كنا نرى هذه التجمعات الشبابية على المقاهي يقتلون وقتهم الثمين في اللا شيء.
لقد كانت "صفاء" تحمل روحا قوية، حتى وهي تفكر في مكان تقضي فيه يوم راحتها:"خطر ببالها الإسكندرية فهي كما تسمع بديعة في الشتاء ساحرة حتى بأمطارها الكثيرة إنها تريد أن ترى أمواج البحر المتلاطمة بقوة كقوة عزيمتها ورغبتها في مواصلة الطريق الذي بدأته، وكانما تستمد من قوة الموج قوتها.." (ص 97)
شبح "دارية"
لا يمكنك أن تقرأ هذه الرواية دون أن يلح عليك شبح "دارية" بطلة "سحر الموجي" الشهيرة. فهي تشترك مع "صفاء" في طموحها الذي أثر على علاقتها بالآخر الذي هو الزوج في حالة الأولى والحبيب في الثانية.. كما أن "صفاء" وصلت بطموحها إلى فرنسا، و"دارية" انطلقت إلى ألمانيا. ولكن "صفاء" تميزت بحرصها على التقاليد والعرف كما ذكرنا من قبل، بينما دفعت الظروف "دراية" إلى تجاوز بعض الحدود فخانت زوجها. أما "صفاء" فظلت مخلصة لحبها الأول والوحيد حتى آخر لحظة حتى بعد أن تزوج أمرأة أخرى!
وفي رواية د."سحر" نلمس القهر الذي قام به الزوج على "دارية"، بينما "فتحي" الذي حارب من أجل حبه لـ"صفاء" عندما أدرك نجاحها لم يقف في طريقها بل شجعها على المضي فيه واستسلم كاتما حبها في قلبه متظاهرا بنسيانها بعد أن غادرت المدينة.
والحوار في الروايتين جاء بالعامية، والأحداث متلاحقة فيهما ومليئة بالمفاجآت. وهي أكثر قليلا في رواية "رباب" لأنها أكبر في الحجم، حيث تبلغ ضعف عدد صفحات "دارية" تقريبا.

حواري لجريدة السياسة الكويتية

رباب كساب: حان وقت تجديد دماء الساحة الأدبية أجرت الحوار شروق مدحت  تمردت على الظروف المحيطة ،رافضة الاستسلام لعادات وت...