الأربعاء، 28 مايو 2008

بين قوسين


بين قوسين


لم أكن والشتاء على علاقة وثيقة ولكن الحكاية بدأت مع أوائل شتاء هذا العام ، حين التقيته لأول مرة .
في ذلك اليوم كنت قد التحفت الانتظار كعادتي أشق طريقي بين الناس لأواصله غير متعبة فقد اعتدته .
جاءت جلسته بجواري على مقعد خشبي بجوار الكورنيش نطالع النيل وأحصي الدقائق في انتظارها ، كالعادة تأتي متأخرة وكعادتي أصل في موعدي .
لم تكن السماء صافية ولكنها لم تنذر بمطر ، شعرت بوخز الكلمات المتناثرة في عقلي ، حاولت أن أتناسها متعمدة فلقد باغتتني فجأة ولم أكن مستعدة لها .
كان يرمقني بطرف عينيه ويشاهد تململي كما ألحظ الكلمات الحيرى التي تتراقص على شفتيه وتأبى الخروج .
فتحت حقيبتي أبحث فيها عن ورقة وقلم ، أخرجتهما وشرعت أرتب الكلمات المبعثرة .
سطرت كلاما بدا لي كما لو كان لعبة الكلمات أو الجمل غير المرتبة وعلى من يريد خوض اللعبة أن يرتب الجمل وأن يحصل على قطعة تحمل معنى مفيد .

الفضول يلعب به ، يتراقص السؤال داخله أعلم ذلك ، نقلت لي يده المتوترة انفعالاته وأنا أجلس إلى جواره ، أواصل مشاهدة النهر الهادئ ، وأرقب الساعة التي تتحرك ببطء يلذعني .
رأيتها من بعيد تأتي مهرولة فلقد تأخرت كثيرا عن موعدها .
تنفست أخيرا بهدوء ، مجيئها سيريحني من فضول عينيه وأسئلته الكثيرة التي باغتني بها وجوده وألمحها كلما أدرت عيني ناحيته .
أخذتها في حضني تبادلنا التحية والقبلات قبل أن تستقر إلى جواري تلتقط أنفاسها .
لمحت بيدي الورقة جذبتها من يدي دون استئذان وقرأت ، نظرت لي ثم له وضحكت .
أثارت فيّ ضحكتها رغبة عارمة في مشاركتها لكني آثرت الابتسام .
وقفت مسددة نظري إليها وإليه ، وجدته يقف ويحدج بي بنظراته التي فشلت في تفسير حقيقتها هل هي نظرات وله ، أم اشتهاء ، كانت باردة ولكنها جذابة ، أثارت فضولي ونهمي لمعرفته .
تفعل بنا الصدفة الكثير ، وأجمل الصدف تلك التي تحمل بداخلها مفاجأة الـ .... .
امتدت يده إلى جيبه في رفق وحذر خمنت أنه سيخرج ورقة ويكتب اسمه ورقم تليفونه ويعطيني إياها ويمضي .
يالي من مغفلة ! لازلت أحيا في زمن الأبيض والأسود ، هل لازالت الناس تتعارف بتلك الطريقة البدائية ؟
إنه الاقتحام لا غير ، لو لم يقتحم فجأة ويأخذ موقع المهاجم وأتحول أنا للدفاع مسرعة ، أحتمي خلف درع الأخلاق والعادات والتقاليد ـ مرة أخرى مغفلة - ، ما رضيت بمعرفته .
لازالت يده اليمنى داخل جيبه الداخلي الأيسر جوار القلب تماما وكأنها سكنت بداخله ، بطيئة تلك الثواني .
حسبتها ساعة .
صديقتي شردت مني في النظر للمارة ، ولموجات النيل الهادئة ، وللحظات العشق المختلسة من حولنا ، ذلك العناق المستتر في عيني كل عاشق من حولنا يُترجم داخلي لنشرة أخبار شديدة القتامة.
أزمة إسكان طاحنة ، أسعار مجنونة ، بطالة ، زحام ، فقر ، كفر ، تشدد ، بلطجة ........
قائمة من الأخبار الـــ ........
خرجت يده بمنديل مرره على وجهه ، لم يكن الجو حارا ولكنه كان غارقا في عرقه .

دنا مني وسط دهشة رأيتها في عينيّ صاحبتي وتوقع مني لتلك الحركة المباغتة ، قال : أنا......
- ليس مهما الاسم ــ هكذا فاجأته ــ المهم أنه أنت .
- فعلا .
سرقتني اللحظة ضحكة صديقتي ، لكن صوته قطع ضحكتها وهو يقول : أعرفك منذ أعوام ، حين رأيتك لم أكن أصدق أنها أنت ، حتى وجدتك تنظرين لي بنفس نظرة المعرفة ذاتها .
- فعلا ، أنا أعرفك منذ أعوام .
قالت صديقتي : ولكني لا أعرفكما .
ضحكنا
سرنا طويلا وهي معنا ، لم نتحدث بقدر ما تحدثت عيوننا ، حملني فوق وجودي ووجوده إلى عالم من الخيال ــ يربطني الرجل دائما بالخيال ــ اخترق حاجز صمتي وعزلتي .
كان لابد أن أتركه مودعة ، مددت يدي أصافحه ، باتت يدي الصغيرة في كفه مركب شراعي في بحر هائج .
لم يعرف اسمي ولم أعرف اسمه فقط كنا على موعد يومي دون أن نتشارك المعرفة العادية لكل الناس .
ماذا تعني الأسماء إذا تعارفت القلوب ؟!!!
في نفس المكان وعلى ذات الكرسي الذي بدا وكأنه يخلو خصيصا لنا في ذاك الموعد ، يجمعنا الزمن ويتوقف بنا عند المصافحة الأولى والابتسامة ولا ندري هل مرَّ بنا أم لا ؟
جمعتنا شتى الموضوعات ، قرأني قبل أن يعرفني ، وصلت له كلماتي ، وجدته يحمل لي ذات لقاء دفترا صغيرا به ملاحظات عديدة ، وتعليقات ودّّ لو كان يعرفني حتى يخبرني بها ، كان لزاما أن نلتقي .
وجدته سباحا ماهرا في بحركلماتي الهائج ، علم ما وراء السطور ، نفذ إلى داخلي ، أكان يشاركني الكتابة ؟!!
أهو شيطان إلهامي ؟
قرر أن يأخذني لمكان لم أذهب إليه من قبل ، أخذني وانطلقنا ، معه لا أسأل عن الساعة ، عن المكان ، عن أي شيء ، فقط أسأل متى سيفارقني ؟
رغم الوله الذي يملأ عينيه لا يكف لسانه عن حديث السياسة وعن الأحوال المتردية هنا وهناك ، وعنا نحن في هذا البلد المهضومين المهدورين الحقوق ، يملك حلولا لكل شيء ولا يمكن أن يتقدم بها إلى أي مخلوق فهو واحد من مُهدري الحقوق !!!!
إزدواجية تلك التي يحياها ، فسرت الآن سر نظراته الزائغة أحايين كثيرة .

أمعقول أن تكون تلك اليد الناعمة ، هي يد البطش ، هي من تحيك سرابيل الألم وتحكم غلقها على أجساد كل ما اقترفه أصحابها أنهم قالوا لا في وجه الظلم ؟
- أوامر وعليّ تنفيذها .
- وهل بالأمر تتخلى عن كونك إنسان ؟
- لا تثقلين عليّ حمولي ، معكِ أنسى من أكون .
- ولكنك هو ذلك الذي تنساه وأنا تائهة بينكما .
- في جلستي أمام النهر وحيدا كنت أتلمس كوني بين الناس الذين أرهقهم كل يوم ، أرجوهم أن يحسبوني منهم ، علني أنسى أنني صرت آلة بين يدي رؤسائي .
اقترب مني ومرر يده على وجهي ، كم هي ملساء ناعمة ولكنها تقطر دما أرعبني ، ابتعدت خائفة .
فهم ما دار بي ، ابتعد جلس على الأريكة حزينا ، أحسه وأدرك أنه يتألم ولكن ، كيف أفصل بين كونه حبيبي وأنه الجلاد .
إنسان مساء وحيوان في كل صباح .
حاول أن يخفي عني دمعه المترقرق في عينيه .
دنوت في حنان ولمست شعره الغارق في ليل حالك ، وقبَّلت رأسه ، ثم زحفت نحو وجهه ليغرقني عطره في بحر من النشوة التي لم أعرفها يوما ، لتستقبلني ذراعاه في محيطهما الهادر الموج ، الثائر للأبد .
في تلك اللحظات التي شهدت توحدنا ، عرفت معنى أن تكون صاحب سلطة وصاحب قرار ، وأن تكون عبدا مرهونا بإشارة سيدك ، وأن تكون ملكا متوجا بلا أدنى سلطة ، وأن تكون أنت في غمرة توهتك .
يالله ، ما كل هذا الإحساس ؟
أشعل سيجارة وأعطاني إياها ثم شاركني التدخين في هدوء وصمت نقطعه بابتسامات متفرقة ، أهي السعادة ، أم فرط اللذة ؟
من بين كل ما أملك من حُلي شاهدني أرتديها انتقى حرف اسمي باللغة الإنجليزية وصمم أن يأخذه مني ليذكرني به دائما .
- وهل تنساني ؟
- لا ولكن ليبقى لي منكِ شيئا .
- وأين سأذهب منك ؟
- لا أعلم ولكني أخشى ......
وضعت يدي على فمه لأمنعه من مواصلة كلماته : أنا معك حتى ولو كنت أنتقدك ، أنا لك ومعك حتى النهاية .
لثم يدي الملامسة لشفتيه ، لأذوب بين حنايا جسده وليمتزج العشق داخلنا بالرغبة ، لتولد حياة لولا وجوده ما كانت .
كان لديه كل الحق في أن يخشى القادم ، حين رأيت يده تطال تلك المرة كل شيء حتى أنا .
لم أجعل قلمي يصمت ، تحدث وتحدث ونطق دون أن أعبأ بكل نجومه ونياشينه ، اقترفت كل الموبقات في حقي وحق كل الناس لابد أن تدفع وأمثالك الثمن ، حتى لو كنت حبيبي ، نعم طالبت بشنقك وهم في ميدان عام ، ولتكن ثورة بحق ، ولتوضع مقاصل في أشهر الميادين ويتقدم لمحاكمة معلومة النتائج فمثلك لا يأخذ براءة أو حكم مخفف ، الإعدام هو السبيل الوحيد .
وقفت أمامه ، عيني بعينيه ، أذوب فيه وأتوحد معه ، ولا أحس الحياة إلا ونحن متوحدين ، تعطيني لمساته الحياة ، العمق ، توقظ بداخلي الأنثى النائمة ، بت أتجدد يوميا حتى لا يمل وجودي .
- لماذا لا تقتليني أنتِ ؟
- أقتلك ؟
- نعم أو لم تطالبي بإعدامي ، ألست واحدا من زبانية الجحيم ؟
- أنا أطالب بقتل وإعدام صاحب النجوم والزي الرسمي ، ولكنك أنت ....
- أنا هو صاحب النجوم .
أخرج سلاحه ومد لي يده به ، أمسكته بيدٍ مرتعشة ، وقلب وجل .
قبَّل جبهتي ، واحتضنني لاطمئن وهو يهمس في أذني : هيا افعليها ، ستكونين بطلة لا مجرمة ، ستخلصين الناس من واحد مثلي ، ستكون شرارة الثورة ، سيفيق الناس صدقيني ، ستكون تلك البداية .
بكيت بكاء حارا وكأنني سأفعلها حقاً ، وضعني أمام أمنيتي بكل سهولة أن أقتل بيدي واحداً من هؤلاء الذين عبثوا بكل شيء حتى قلوبنا وأقواتنا .
ولكنه حبيبي ، صاحب الصدفة .
ألقيت المسدس من يدي ، وألقيت بنفسي بين يديه ، بت أعاني مثل إزدواجيته ، المفروض أنه عدوي نهارا ، وليلا هو كل ما لدي .
ما كان بيدي إلا أن أسافر بعيدا ، بلا وداع ، وبلا أثر كان لديه كل الحق حين أخذ مني شيئا للذكرى ، ولكني أخذته معي كله كذكرى .
كانت تلك المرة الأولى التي أقبل فيها العمل خارج بلدي ، هاربة لا من الواقع المر بها وإنما من حبيب هو العدو .
قلمي لم يتوقف عن انتقاده وجهازه وكل حكومته ، تواريت خلف الكلمات أو جاهرت بها لم أتوقف يوما .
طالعتني صورته يتسلم منصبا جديدا ، منصبا قويا أتاح له الظهور في التليفزيون ، ترى هل سيكون بإمكانه أن يتخلى عن زيه الرسمي ويجلس على مقعد خشبي أمام الكورنيش ؟!!
هل سيجمعني به مكان آخر ؟
اتصلت بي صديقتي ، قابلته في إحدى الحفلات الرسمية ، نقلت لي عنه رسالة .
( الحياة صدفة كبيرة ، وأجمل صدفها ما يحمل مفاجأة الحب وكذا الهجر )
هجرته نعم حتى أظل أحبه ، إنه معي ، لا يفارقني ، غارقة في عينيه ، في شفتيه ، في كفيه ، هو البحر إذن لا غير ، وأنا ....... بعض منه .
الغربة تطحنني ، الفراق يمزقني ، روايتي الجديدة مزيج من تراب الوطن وعطر الاغتراب ، وألم الفراق وهو .
تحمله جميع الصفحات ، يسكن كل الحروف ، أعلم أنه سيدرك أني أخاطبه ، مهام منصبه لن تتيح له القراءة ولكني أعلم أنه سيقرأ ، سيعود ليقرأني من جديد وفي دفتره القديم سيضع كل التعليقات حتى نلتقي ، جمعها وهو لا يعرف أنه سيكون بيننا لقاء ، والآن لابد أن يكون هناك لقاء آخر ، لقاء نحن أصحابه ، نحن من نقرر موعده ، لن يكون صدفة ، سيكون بقرار سنأخذه سويا ، لكن متى سيكون ؟ وأين ؟
الحياة تجبرنا أن نتقبل كل ما تأتي به ، وهاهي تدبر لنا لقاء آخر ، علمت أنه كان ضمن وفد رسمي لزيارة البلد التي أعمل بها ، قررت أن أتوارى في أي مكان ، ولكن الظروف لم تسمح لي رغم أني لم أحتك بأي شيء وبعدت ، لم أذهب لأي مكان يجمعني والوفد ، شعر بأني تعمدت الاختباء .
في مساء اليوم الثاني لوصوله كنت أسير في الشارع في طريقي للجراج الذي أركن به سيارتي ، شعرت بيدٍ أعرف ملمسها تتخلل أصابعي برفق لم أضطرب له ، نظرت ناحية صاحب اليد وقد فاجأني الحنين في عينيه ، والشوق الذي تفجر مرة واحدة ، وعذب الابتسام الذي افتقدته .
لقاء لم يكن كسابقيه ، أطفأنا به كل الشوق المتقد بداخلنا .
لم نتحدث عن هروبي ، لأنه كان متوقعه ، ولم أهنئه بمنصبه الجديد ، يعلم أني أكره عمله .
24/5/2008

الأحد، 11 مايو 2008

في ليلة ممطرة


في ليلة ممطرة


الأفكار تتوالى تترى ، ينظر للورق أمامه في ازدراء ، يكسر القلم .
يخرج من كتب التاريخ المتناثرة حوله واحد من أبطال مصر القدامى ، واحد من هؤلاء الذين صنعوا التاريخ ، طل عليه غاضبا ثائرا ثورة مقاتل يعرف كيف يهزمه سلاح مكسور .
ينظر له في لامبالاة ويمزق الورق ناثرا أشلاءه في كل أرجاء الحجرة ، إلا أن الفِكَرْ لا تكف عن متابعته ، تخرج من خباء عقله الرافض لكل شيء ، لكنه ما عاد يحس جدوى الكلام .
يصرخ البطل أحمس هاتفا : الفكر سلاحك ، والجندي لا يترك سلاحه .
تعلو ضحكته الساخرة فيحس أحمس الإهانة وخنجر السخرية الذي طعن به تاريخه يمزق قلبه .
الأمطار تضرب زجاج النافذة بعنف ، ينظر له أحمس في إشفاق ويقول : السماء عليك غاضبة .
يبصق على كل شيء وعلى كل الكتب الملقاة بلا عناية كأن أحداً بقر بطن مكتبته وألقاها خارجها .
إلا أنَّ أحمس القائد المثابر ما كان له أن ينسحب من المعركة اتخذ منه معركته إما هو أو أن يشطب تاريخه كله ويكفر بكل مقدساته .
يأخذ مفاتيح سيارته ويغلق الباب خلفه بعنف ، ينطلق بالسيارة غير عابئ بتلك الروح المقاتلة التي تزحف من خلف صفحات الماضي خلفه .
الماضي . نعم الماضي حيث كان للفكر وجود وللقلم خلود .
يضحك بصوت عالٍ ، ترمقه عيون أصحاب السيارات المنتظرين معه في الإشارة ، يتعجبون ضحكه منفردا في يوم كهذا وفي وقفة كتلك .
ترى ماذا يضحكه ؟!
الماء المنهمر بشدة يعوقه عن السير رغم أن المسَّاحات الأمامية لا تكف عن العمل ، يفشل في قيادة سيارته في هذا السيل المتدفق ، إلا أنه لم يتوقف وحده لقد وجد السيارة تقف وحدها أمام الجيش العرمرم الذي ظهر أمامه فجأة بجند لا يحصيها بصره ، تلمع سيوفهم تحت أضواء مصابيح الشارع يختفون خلف دروع ضخمة لا يدل عليهم غير ملابسهم الفرعونية القديمة .
يتزعمهم البطل الفار من الصفحات أحمس طارد الهكسوس .
- ماذا يريد ؟ ألا يكفي ما حقق من انتصارات خلدت اسمه في التاريخ .
صرخ عاليا : ليس هذا زمن الانتصارات ، افهموا .
قال أحمس في ثبات : ها قد عدت لك بجيشي وسنحقق الانتصار .
- ما عاد جيشك ينفع ، لقد تخاذل كل شيء ودُمر كل شيء .
- إن دمرت الأسلحة ما كان لسلاحك الخالد خلود الحياة أن يُدمر.
- لم يعد خالدا ، ولم يعد هذا زمنه .
- إنك الكاتب ، إنك الفكر ، إن مات الفكر مات الشعب .
- لقد مات فعلا .
- أحفادي لا يموتون بهم روح الثأر ، وأنت منهم يا صاحب القلم .
قالها وهو ينحني أمامه ممجدا .
قال : أنا ؟! لقد مت منذ أعوام .
اقتربت الجيوش يتقدمهم صفوف جنود تحمل ألواح البردي القديمة تزينها النقوش الفرعونية ، تدعمها الكتابة الهيلوغريفية ، وصورة للكاتب القديم ، يجبرونه أن يقرأ .
لكنه يصرخ : ما أنا بقارئ .
- ستقرأ وتقرأ وستظل تقرأ وتحمل فكرك ، إنك أنت القائد .
تنهمر دموعه على ألواح البردي التي امتزج محتواها به ، وبأفكاره المستعرة برأسه ، تفيق الروح المحتضرة بداخله رويدا رويدا ، يمسك بريشة ومدادٍ من دمه ، ويخط كلماته العربية الفصيحة تعانق قديمه المجيد .
يصيح الجند مهللين فرحين .
يعرف أحمس أنه ما خُلق لينهزم .
يصافحه ، يهبه قلادة النيل ثم ينصرف ، ليجد الرجل نفسه وحيدا في سيارته ، التفت حوله لم يجد أي منهم لم يجد غير أوراقه وقلمه ، امتدت يده إليهم في لهفة وشوق ، شرع يكتب وصوت المطر موسيقى تبعث في الروح ما كان قد مات .

رباب كساب
8/5/2008

السبت، 3 مايو 2008

لا


لا

استعارت كلماته ، رسمت على وجهها ضحكته .


واصل غروره ، استمر في عنجهيته ، وإطلاق أوامره .


ذات يوم شعرت بالتلاشي .

أقسمت أن تتجرأ

وفي تلك اللحظة التي قالت فيها : لا .

سقطت كل ألوية الحب المزعوم .

رباب كساب
25/4/2008

الأربعاء، 23 أبريل 2008

مادة خاملة


مادة خاملة


استحال لقاؤنا في نقطةٍ ، بحثت كثيراً عما جمعنا فوجدته حرفا وكلمة لم تكن بعد بقاموسي ، وأطلت النظر في عينيه علني ألمحني .
أسرتني تلك الضحكة المنبعثة من عميق نفس يملؤها كثير من التخبط والضياع ، كانت مختلفة مع ذلك الحزن المطل من عينيه .
أقصر الطرق بين نقطتين الخط المستقيم هكذا أفكر .
معه تعلمت أن هناك طرقاً يمكن للمرء عبورها ، أزقة وحوارٍ ، وأن هناك كبارٍ يمكن أن تختصر الطريق .
التفت إلى أيامي الماضية لم أجد غير فتاة لم تعرف غير نفسها وعالمها المغلق عليها .
في تلك الغابة الرائعة التي هي مشاعره عرفت الحياة .
تسلقت يده الممتدة عبر الأيام ، لم أكن بحاجة لجهد فلقد بذل هو كل الجهد حتى وصلت إليه .
لأول مرة ألمح وهج عينيه ، وفرحة لقاء بعد طول انتظار .
أخذني من يدي وانطلق بي عبر مروج وآفاق لم تمر بي ، سرنا على كل حرف جمعنا ، وطأنا كل حزن هزنا بكثير من الكبرياء صعدنا تلا من الهموم وانطلقنا لأول مرة بعيداً عن كل الناس في ذلك المكان المخبوء عن عيون الناس إلا العاشقين وجدنا أنفسنا .
لغة الصمت أكثر تعبيرا من كل الكلمات ، في حضرته أصمت طويلا ، وأتلذذ بكلماته الضائعة المتخبطة ، كان لحنا متفردا في نغماته .
استفقت على يد تلكزني تدعوني لأصحو من سباتي ، كانت يد أختي التي تخبرني بأني سوف أتأخر على موعد عملي .
ملعون عملي هذا !!!!!!!
امتدت يدي لها ضاربة في غيظ وكلماتي المحتدة الغاضبة تكاد تحرقها ، ولكنها لم يكن لها ذنب ، من أدراها أني كنت أحلم به وأني معه ؟!!
خرجت لعملي وكلي رغبة في العودة للنوم وللحلم به من جديد ، صرت كلما أغمضت عيني واستسلمت للنوم أرجوه وأتمنى لقاءه ، ولكنه لم يأت ولم يصادفني وجوده .
أنكرتني سماء الحلم وحرمتني فيضها .
أسبوع أتلمسه بين كل أحلامي ولا أجده حتى يئست ونسيت ، مضت بي الأيام وأنا كما أنا بين عملي والبيت .
في معملي وبين أنابيب الاختبار أجد مواداً تتفاعل وألوانا تختلط ، لابد من أن يكون هناك تفاعل وإلا أصبحت المواد خاملة ، لم أحب يوما المواد الخاملة !
خرجت قبل انتهاء دوامي راغبة في السير إلى جوار هذا الشريان الذي كلما نظرت إليه أحس معنى الحياة ، كثيرا ما أحدثه ويسمعني وأحيانا يلقي لي بحبال نجاة من مآزق شتى .
سرحت بعيدا وأنا أبثه شكواي كالعادة ، فإذا بيد أخرى تفيقني من سرحتي ، ما الأمر أكل البشر اتفقت على ازعاجي ؟!
التفت إلى المقتحم الجديد فإذا به صديق قديم لمحني فأراد إلقاء التحية ، كان وجهه المهموم غريبا عليّ لم أره يوما هكذا ــــ لم أره منذ أمد ـــ كان أكثرنا مرحا وإقبالا على الحياة ، جلسنا طويلا لنتحدث لم يكن بمقدوري أن أخبره أني متكدرة لأني أبحث عن بطلٍ جاءني في حلم ، سمعت شكواه حاولت المساعدة إلا أنه يصر على أن كل الطرق مسدودة .
تركته وأنا أحمل على كاهلي بعض ألمه ، لازال النيل يسمعني عرفت الآن أنه يضحك عليّ ( اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته ) دائما أمي تردد هذا المثل .
غارقة في ذاتيتي فلم أنظر حولي وأرى ، اليوم فقط وضعني صديقي أمام نفسي ووجدتني خير مثال للمادة الخاملة ؟
وصلت البيت وأنا أبحث عن كل تليفونات من أعرف من أصدقائي المهجورين ، اتصلت بالكثيرين .
كم أنا بعيدة عن العالم !!!!
- الهاتف الذي طلبته غير موجود بالخدمة ، الرقم الذي طلبته غير صحيح أعد المحاولة .
كلمات صدمتني ، لم أجد أحداً .
خرجت في دهشة من أمي وأختي اللتين تعلمان أني لا أخرج أبدا بعد العمل ، لم يسألاني إلى أين فهما مدهوشتان بما يكفي لعدم النطق بأية كلمة .
سرت بين الناس وكأني أسير في الشارع لأول مرة ، وجدتني لم أكن أرى ، أكان يعميني الزحام ، أم أنني كنت وحدي في الكون ؟
فوق أحد الكباري وجدتني أقف وحيدة رغم كل المارة لكنهم لم يروني ، لم يلمحوني وكأني ليس لي وجود ، ووجدتني في لحظة أعتذر لهم وأبكي ، وأعد بأني لن أكون مادة خاملة ، لكن لم يسمعني أحد .

رباب كساب
19/4/2008

الجمعة، 18 أبريل 2008

حالات حب


حالات حب


جلست إليه ذات يوم أتطلع إلى وجهه الذي أعشق تفاصيله ، وجدتني أسأله : لماذا تهواني ؟
نظر إليّ بعينين ملؤهما الحنين ولم يتكلم ، ربت على كتفي وابتسم ، قَبّل جبهتي ومضى .
تركني والسؤال ،وفي عينيّ تفاصيل وجهه الذي أعشقه .



**********


قالت لي في خفوت : أحبه ولا يهواني .
كيف عَرَفَتْ أنه لا يُحبها ؟
تعتقد أن صمته الدائم هو السبب ، لم يقل لها يوما أحبك .
لم أجد لديِّ ما أقوله لها .
جاءتني بعد أيام تحمل بشرى لقد قرر الزواج بها .


**********


ساعات من الانتظار ، أيام من الألم ، إنه بعيد ، مسافر أرهقه السفر ، أراه يوما ويغيب عشرا .
صَرَخْت به : كرهت بعدك .
لم يكن بيده حيلة ، هكذا هو شئت أم أبيت .
مَدَّ لي يده بوردة وقبّل يدي وقال : إلى لقاءٍ قريب .
أغمضت عيني وتركته يمضي .
مرت أيام وراء أيام ، شهور أعقبتها شهور ، تصلني منه خطابات ذات كلمات يسيرة يتضاءل عددها خطابا بعد آخر .
عاد بعدها وفي يده وردة لم تمتد لي يده بها ، امتدت لمن تتأبط ذراعه وهو يقبّل يدها.


**********


في غفلة مني تركتها تحتل مكاني لديه ، أنا السبب ، فتحت لها ثغرة نفذت منها إليه .
كم حذرني ولم ألتفت . اليوم هي معه وأنا عنهما بعيدة .
وصلتني دعوة الفرح ، واحدة من المدعوين كنت .
في عيون الناس من حولي سؤال : كيف ؟!!!!
مددت يدي اسلم عليهما وأقدم التهاني وأعزي نفسي فأنا من ضيعهما .


**********


أسوار بنيتها ما استطاع أحد تسلقها ، لم يتمكن مخلوق من حل ضفائري ،والصعود إلى برجي العالي ، حين أرخيت الضفائر ، حين هدمت الأسوار ، وجدتني أعجز عن الإمساك بالمشط لأمشط شعري ، ولا عن مواراة الشيب الذي غزاه . فلقد فات الوقت.


**********


طفلة أنا لازلت في مرحلة الحبو ، نظر لي نظرة مُشفقة وهو يقول : اكبري .
كنت أسمع كلماته دائما وأظنها ألغاز ينطق بها ، ماذا يريد ؟ أنا كما أنا لن أتغير لأجله ، إذا أرادني عليه أن يتحملني .
ذات يوم جاءني بصحبة أخرى سألته عنها قال : حبيبتي .
أعطاني مصاصة ومضى .


*********


في يوم بحثت عن المجهول ، خرجت للدنيا الرحيبة ، ألقيت بنفسي في حضن أول من قابلني .
بين أحضان كثيرة تنقلت . كلمات ، كلمات ، لا شيء سوى الكلمات ، قسوة وآهات ، دموع أغنيات .
على جدر جسدي ارتسمت علامات وخطوط ، كلٌ كان له إمضاء ، جراح غائرة ، وكان السبب أني سمعت وارتحت لأول الكلمات .

رباب كساب
24/8/2007

السبت، 12 أبريل 2008

دنيا

دنيـــا

إنفجار ........ رصاص يتناثر ......... كلمات هوجاء...... أصوات تتبعثر على موائد نقاش وصور لا تكف القنوات الفضائية والأرضية عن نقلها .
دخان سجائر تتوالى ، أحجار نراجيل تتتابع ونظرات تسعى للإلتقاء ، أفكار تتلاقى وأخرى تتباعد ، نقاشات تحتد .
أحباب يختلسون اللمسات والنظرات ذات المعنى .
ضحكات تعلو مع كثير من النكات التي تنطلق من أفواه حزينة وقلوب يشغلها الهم .
جنازة طفل قتله التتر عمدا ، دموع أم ثكلى وأب يحمل على كتفه مدفعه الرشاش ، صراخ نساء تنعي الميت متشحات بذكرى موتاهن .


تتجه العيون نحو الشاشة ، وجه البريء الملقى على العالم يثير في أنفسهم الاستفزاز ، ملامحه الطفولية الميتة جعلتهم يرونه شابا يمسك علم بلاده ويضحك في زمن آخر .
يشجبون ، ينددون ، يتظاهرون ، يعودون لجلستهم على المقهى ذاته يتضاحكون ، تتتابع أحجار النراجيل ، يعانق دخان سجائرهم سماء حلمهم المفقود .
ضحكاتهم تعلو ......... وتعلو يتلقف صداها الهواء .

رباب كساب
11/4/2008

الجمعة، 28 مارس 2008

السيدة


السيدة



ضحكة ماجنة علا صداها أرجاء المكان ، نظرة غاضبة من عين تلقت سخرية الضحكة بصمت معتاد .
صمت يُغلف المكان ، وتبادل نظرات اتهام ، ودفاع ، وهجوم رغم طول الوقت بينهما وقد تعدت الساعة الواحدة صباحا .
طالت الجلسة ولا فائدة كلاهما يدور في رحى لا تكف عن الدوران ، يتعمدان ستر الكلام ويتركان العين تنطق بما عجز عنه اللسان ، ولتفعل ما على اليد المشلولة فعله .
خصمان تجمعهما دائما طاولة البحث عن حل لمشكلة أبدية لا تُحل .
حاول إنهاء الليلة بما هو مفروض عليه عَلَّه يظفر بشيء !!
دنا منها ، مدَّ يده ومرَّ بأنامله على وجنتها الحريرية ، تَمنَّعت ، وانفلتت كأفعى ، وهي تلامسه برفق مقصود .
عاد لجلسته رغم حر الشهوة الذي تَملَّكه ، هي الوحيدة التي تملك الحل ، سيدة الدنيا وهو عبد من عبيدها .
كم تملقها وكم صدته ، تُلقي له بالفتات ، وتفعل فقط ما تريد ، الجميع يهب العطايا ويخدمون بفناءٍ عظيم فقط هي تأمر .
وعلى سرير الدنيا تأخذ لذتها ممن تريد ، كثيرون هم عشاقها ، لا .... متملقيها ، خدامها حاجتهم إليها تدفعهم دفعا لها .
كادت الليلة أن تنتهي دون أن يفعل شيئا ، الكل ينتظره ليعلمون نتيجة اللقاء ، وهو بين نارين ، نار مطالبه لديها ، وناره التي أشعلتها لتوها ؛ ليتها تطفئها !!
حين تفرج عنه سيخرج لهم ويقول أنه فعل كل ما في وسعه وأنها أرخت حبالها تلك المرة ، وفي المرة القادمة ستوافق على كل الطلبات التي قدمها لها أليس هو أثيرها كما يعلمون ؟!!!!!
لا أحد يعرف أنه .........
سارع بسؤال نفسه : هل ستكون هناك مرات قادمة ؟!
- نعم ، هي لعبتها من البداية .
تملق ، وطلبات ، ومداعبات تسبق كل رفض ، واستجابة فقط لضئيل ما طُلب .
أيقظته من شروده ضحكة أخرى تعلن أنه قد حان موعد إنصرافه ، فلقد أذن ديك الصباح لتسكت شهرزاد عن الكلام المباح ولتستعد السيدة لنقاش آخر .

رباب كساب
28/3/2008

الخميس، 27 مارس 2008

عازفة الفلوت


عازفة الفلوت


عندما أًبصَرتُه دائما في الصف الأول تذكرت ذلك المعجب الذي احتل صف مسرحها الأول ،وكذا بيتها ولكنه لم يكن بالدكتور حفناوي ولا هي بأم كلثوم .
كانت عازفة فلوت مغمورة في فرقة موسيقية وهو واحد من رواد المسرح ومن عشاق الموسيقى الكلاسيكية ، نادرا ما تفوته حفلة .
كما كان من النادر أن تعزف هي منفردة فيتعرف عليها الجمهور .
ذات يوم وهو في طريقه إلى داخل المسرح جذبه عزف جميل لمقطوعة ساحرة ، استوقفته الموسيقى ورآها لأول مرة .
كانت شبه مُغيّبة ، يأخذها اللحن بعيدا عن الكون فانفصلت معه إلى عالمٍ آخر ، عالمٌ من السحر اللا مرئي ، فحلقت بمنأى عن الأرض .
وقف يستمع إليها وقد غاص في بحارٍ من الخيال لم يخرجه منها إلا توقف صوت الموسيقى ، فاستفاق باحثا عنها ولم يجدها فشعر كما لو كان بحلم ٍغريب .
دخل المسرح وبدأ الحفل ،مبتدئا وصلة الاستمتاع برائعة من روائع شوبان الساحرة ، فإذا بعينيه تصطدم بها مرة أخرى وهي في مثل غرقها الأول ، لا تشعر إلا بآلتها في حضن شفتيها تتحرك أصابع يدها عليها في خفة ومهارة ، وباللحن الذي تعزفه وبيد المايسترو التي تحركهم جميعا .
تمنى لو يحدثها ، لو يبدي إعجابه بعزفها ، حاول اللقاء بها بعد الحفل ، لم يتمكن .
كان المسرح مزدحما بالناس فلم يرها وسط من خرجوا ، حين سأل عن أعضاء الفرقة علم بانصرافهم .
عاد خائبا ، وإن كان لم ينس عازفة الفلوت .
في موعد الحفل التالي ذهب حاملا زهور الزنبق وعصفور الجنة والجلاديولس متمنيا لقاءها ، ذهب مبكرا عن موعد الحفل بحث عنها لم يجدها ولكن أثناء الحفل تجلت وصابها الحظ وعزفت منفردة فصفق لها بشدة .
بعد الحفل التقيا ، أعطاها الورود وهنأها مبديا إعجابه بها وبعزفها ، قبلت زهوره وشكرته .
انصرفت تاركة بداخله إحساسا لم يفسره إلا بعد أن باتت تلك الفتاة تشغل كل فكره ، صمم أن يتحدث معها ، يُعرّفها بنفسه ، يدعوها للعشاء ، أي شيء ، المهم أن يقترب منها ويستمتع بتلك الابتسامة التي سلبت لبه .
تبع الفرقة أينما ذهبت ، حاول كثيرا أن يجدد اللقاء ولكن الفشل حليفه في كل مرة .
لم يمل من إرسال زهور الزنبق والجلاديولس وعصفور الجنة التي تحمل توقيعه ، ورغبة في اللقاء .
وأخيرا وبعد عناء رآها بعد الحفل ، انتشى قلبه ، فرح ،شد الخطو نحوها ، فإذا بصوت ينفذ إلى أذنه ، صوت صغير قطع عليه الطريق إليها وهو يعدو نحوها مناديا إياها : ماما .
لحظتها سمرته المفاجأة مكانه ورآها تحمل صغيرها مقبلة إياه وتستقبل من أتى به في حضنها وهو يقول لها : كنت هايلة النهاردة .
مضت في صحبة زوجها وابنها .
لكنه ظل في الصف الأول في كل حفلاتها ، حاملا زهور الزنبق وعصفور الجنة .

رباب كساب
6/1/2008

الجمعة، 21 مارس 2008

اعتذار


اعتذار



في ذلك الصباح لم أكن بعد قد نفضت غطائي عني حين قفزت الشمس لحجرتي مخترقا نورها جميع أرجائها ، ودفعتني لكي أصحو حتى قبل أنْ يرن هاتفي في موعدي المحدد كل يوم .
في تلك اللحظة بين الصحو والمنام أحسست بأني اضحك من قلبي ، أكيد كان ذلك حلما ودّعته حين فتحت عيني .
حاولت أن أتذكر الحلم ولكن دون فائدة ، فلقد ولىّ تاركا في نفسي بعضا من البهجة استحسنتها ، إحساسي بالبهجة سوف يجعلني أسعى لمحو أثار غضب الأمس .
التفت نحوه وهو يرقد إلى جواري ، لازال غائبا في عالمه الخاص ، كنت أحسه حين ينام بأنه يهرب إلى دنيا أخرى ــ قد لا أكون شريكته بها ــ ولكني لا ألومه عليها ، أحب كثيرا تأمله وهو نائم .
لكم هو وديع بريئ كطفلِ ، أما في صحوه فهو جبار حتى في أرق لحظاته .
في إحدى المرات دمعت عيناي إثر نظرة غاضبة وجهها إليّ ؛ ولكم هو كثير غضبه هذه الأيام .
ليلة أمس تشاجرنا ، هو السبب فلقد أصبح دائم الغضب من كل شيء ، لا ذنب لي في أنهم يتجاهلوه في عمله ، وأنهم يضيقوا عليه الخناق حتى يُحيل حياتي معه إلى جحيم .
لم يعد يعجبه طعاما أعده ، ولا غسيل ملابسه ، ولا ترتيب المنزل ، لا شيء صار يعجبه .
- كلهم يسعون لتدميري ، نفذوا إلى رئيس مجلس الإدارة ، وشوا إليه بكثير من أكاذيبهم ، شوهوا صورتي ، فقدت حظوتي لديه .
لم يعد يمسك أعصابه ، يخرج جم غضبه أمامي ، وأتحمل فأنا الوحيدة التي تعرف كم يحب عمله ويخلص له .
ولكني بالأمس لم أتحمل ، فاض بي الكيل فصرخت بوجهه بكل ما أملك من قوة ، وقد نفذ صبري ، لم أبك هذه المرة ، لم أدع دموعي تنهي الموقف .
ظل حبيس حجرة مكتبه لساعةٍ متأخرة حتى جاء متسللا للفراش معتقدا أني نائمة ، لكني لم أنم فكيف أنام دون أن أتأكد أنه بجانبي وأشعر بأنفاسه الدافئة تتسلل إلى وجهي فأستشعر أمانا وسكينة .
لازال نائما ولازالت عيناي تراقبانه ، مددت يدي أسير بها في هدوء على وجنته ، وتركت أصابعي تعبث بخصلات شعره الناعمة حتى فتح عينيه بصعوبة ، أعلم أنه لم ينم جيدا ، ابتسمت له ، بادلني الابتسام وعينيه تحمل اعتذارا وخجلاً جعلني أطبع قبلة على جبينه ثم أهب واقفة أمشط شعري وأقول : هيا ستتناول أجمل إفطار اليوم .
نفض غطاءه وسحب جسده ببطء لأعلى مسندا ظهره للسرير وقال : أحبك .
أحبك ، دائما بعد كل شجار لها طعم آخر ومذاق هو الأروع ، تكون محملة بعطف وحنان ورجاء واعتذار .
لم نفتح أمر شجار الأمس ونحن على المائدة ، ولا بعدها ، تناسيناه كأن لم يكن ، خرجنا كُلا إلى عمله ، في منتصف اليوم رنَّ هاتفي بالرنة المخصصة له فسارعت بالرد عليه قال : سأمر عليكِ الآن .
لم يعطني فرصة حتى لأسأله : لماذا ؟
قبل مرور ساعة وجدته أمامي ، اصطحبني لمكان هادئ لم نذهب إليه من قبل ، جلس إليّ يغلف الصمت وجودنا ، الدهشة تلجم لساني ، وهو بدا كما لو كان حائرا يبحث عن كلام ، نظراته زائغة ، يحمل وجهه تعبيرات عجزت عن تفسيرها .
قطع الصمت مجيء النادل ليسألنا : ماذا نطلب ؟
لم يسألني عما أريد طلب له ولي ذات الطلب ، لم أناقشه فأنا أعشق ما طلب .
ابتسمت بعد انصراف النادل وسألته : خيرا ماذا وراء تلك الدعوة الجميلة ؟
ابتسم ابتسامة عريضة وقال : أبدا ، اعتبريها اعتذار .
- ما أجمله من اعتذار .
لم نذهب إلى البيت بعد الغداء ، ولا بعد العشاء ، ظل بنا ننتقل من مكان لآخر ، لا يريد الذهاب إلى البيت ، لكني وبعد انتصاف الليل أخبرته أني مرهقة وبحاجةٍ للراحة .
امتثل لرغبتي وعاد بنا وما إنْ دخلنا وأغلق الباب خلفنا حتى قال : لقد فصلوني اليوم من العمل .

رباب كساب
21/3/2008

أنا وهو والعَلَم


أنا وهو والعَلَم


لا تذكرني بمن أنا ، فأنا أعرفني تماما ، كلما التقت عينانا أحس بعينيه تصر أن تذكرني بماض كنت عليه ، ماض تناسيته وأصررت أن أنساه .
قابلته أول مرة وقد أمسكت العلم هاتفة : تحيا مصر .
لم أكن بمظاهرة أنادي بالحرية وقت الاحتلال أو حتى الآن ، وإنما كنت لتوي خارجة من استاد القاهرة الدولي بعد مبارة هامة فاز بها منتخبنا الوطني .
فصل العلم بين وجهينا في زحام هو الأصعب والأشد .
تعلقت عيناي به ، وشدتني نظرة الإعجاب بعينيه .
ألوان علم مصر الأسود والأبيض والأحمر ، ثلاثة ألوان لكل منهم أثرا كبيرا في نفسي ، كم كنت فخورة بي وأنا أقف في ثباتٍ وجرأة في منتصف فناء المدرسة أُحيي العلم كل صباح ، للعلم مكان لا يُخطئه في قلبي .
كانت أيام ، ويوم كنت أحيي العلم هاتفة تحيا مصر كنت أهتف ......... ما علينا ، لا أريد أن أتذكر ذلك .
في ذلك اليوم ارتبط وهو بأجمل قصة حب تحاكي عنها كل من يعرفنا ، وفوجئت أني وهو زوج وزوجة .
سريعة أيام عصرنا .
- صباح الخير يا سماح .
- صباح الورد يا حبيبي .
دخلت وأشرف دنيا غريبة كنا من أشد المعارضين لها ، اصطدمنا بالأيام بشدة ، واقع مرير استحق أن أمسك بالعلم حينها وأصرخ : أين أنت يا مصر ؟
ولكني من أجل عيون يوسف الصغير ، تعلمت الصمت ، وصنعت له لفافات بالعلم .
وودعت ماض كنت فيه سيدة نفسي .
أشرف يبذل الكثير من أجلي وأجل ولده ، يدور في رُحى لا تكف ولا تهدأ ، يعود كل مساء حاملا همومه وتعبه ، يلقي أحيانا بحمله في حضني ، وأحايين كثيرة لا يدعني أشاركه يظن أنه بذلك يرأف بي ، ولكني أحسه .
كل يوم الحياة تزداد جشعا ومطالبها لا تكف ، ولم أعد وهو ويوسف صارت هناك ضحى ، لم نعد نذهب لحضور مباريات أو حتى ندخل سينما ، اختفى العلم .
وبات عليّ كل يوم أن أقول : عمار يا مصر .
وأودع زوجي لدى الباب بابتسامة تعينه على ما هو فيه .

رباب كساب

الخميس، 13 مارس 2008

رحلة ليلية


رحلة ليلية


قد قارب الليل الانتصاف ، حين خرجت إلى شرفتها تاركة صدرها يستقبل نسمات تلك الليلة اللطيفة . دخل الهواء نقيا منعشا أرادت استبقاءه في داخلها إلا أنها لم تستطع ، فسارعت بطرده واستنشاق غيره بسرعة شديدة ، رغم أنه لن ينضب .
كانت رأسها تضج بكثير من الفِكَر التي لا تكف عن لكزها كل حين ، إلا أنها قد أخذت عهدا مع نفسها أن تصمت ، وألا تبوح بأي شيء ؛ لن تدون كلمة ، ولن تكتب حرفا ، ولتصمت أيضا تلك الأفكار العابثة التي تجعلها ترفل في سرابيل من الألم كلما تذكرت تفاهتها .
- تفاهتها !!!!!
توقف عقلها برهة أمام الكلمة وانطلق بسؤاله الذي يحاول به نسف تلك الإهانة التي وصمت بها عمله ، أما أفكر به تافها ؟!!!!!
كانت وكأنها تحاربه ، دخلت معه مبارزة لن يخرج منها إلا فائزا واحدا . إنها تقوده للجنون كلما رفضت أن تخرج ما به من أفكار حتى صار قدرا يغلي ، تزيد حمم الأحاسيس والمشاعر والدوافع بداخله ولا تحس به ، لماذا تعامله هكذا ؟
سؤال آخر انطلق منه عَبر قلبها عله يستحلفها أن تجيب ، حتى صدرها الذي يعب الهواء عبا صرخ بها وقال ليس هذا هوائي ، ولا تلك النسمة التي تصافح عظامي هي الحياة بالنسبة لي .
- حتى أنت !!!!
كل ما بها أراد أن يتنفس وهي أبدا لا تريد ، تتشبث بالموت حتى النهاية ، تمنع أسباب الحياة حتى أوشكت على الاختناق .
لازالت بالشرفة وقد قاربت الساعة أن تدق الثانية من صباح اليوم الجديد ، حين شعرت بيد تربت على كتفها ، تملكها الرعب فهي وحدها مَن هذا الآتي ؟
التفتت بغتة تنظر إليه ، لم تصدق عينيها أحقا أنت ؟!!
سيل من الدموع المحبوسة قد انطلق وهي تدفن رأسها بحضنه الذي افتقدته كثيرا ، أحقا أنت ؟!
لم تكن تكف عن ترديد السؤال .
مَسَّد شعرها المهوش بيديه كما كان يفعل دائما ، ثم حمل وجهها على طرفِ سبابته لينظر لعينيها المغرورقتين بالدموع وقَبَّل جبهتها فعادت لتدفن رأسها بصدره مرة أخرى .
حملها معه وقد فرد جناحيه ، حلقا معا في سماء المكان وهي فرحة منتشية ، شعرت بخفتها كلما صعد بها لأعلى ، أجلسها على كتفه ، طار بها من مكان لآخر قاصدا دنيا بعينها .
دخل بها حواري وأزقة ، أحياء ما هي بحية ولا سكانها بناس .
سألته مندهشة : أين نحن ؟ من هؤلاء ؟
لم يجب ، بل ملأ عينيها وعقلها بمشاهد ، ومشاهد فرضت ذاتها ، واصل اندفاعه وطيرانه من واد إلى آخر ، ومن مدينة إلى مدينة ، ومن قرية لأخرى .
وهي تواصل تعبئة عقلها الذي كَفَّ عن الاستيعاب ، وقلبها الذي اعتصره الوجع ، وصدرها الذي لم يعد يدخله هواء .
رحلة طويلة كان فيها البراق ، ولكنها لم تكن برسول ؛ كانت أضعف من تلك المهمة التي أوكلها لها ، سألته لماذا ؟
لم يُجب ، فقط أعادها لشرفتها مرة أخرى ، قَبَّل جبينها ، وانطلق من حيث أتى مبتعدا بأقصى سرعة .
نظرت لساعتها وهي لا تصدق ما حدث ، أكانت تلك الرحلة خارج حدود الزمن ؟!!
عقارب ساعتها تشير إلى الثانية صباحا .
لم تكن تدري ماذا تفعل ، فَجَّربداخلها بركان انطلقت حممه بلا توقف ، تصاعدت حتى فمها ألهبته ، وكذا عقلها ، كما حرقت قلبها ، فسارعت إلى أن تتنفس ،أمسكت بالقلم ، ووضعت سنه المدبب الرفيع الذي تنتقيه بعناية على الأوراق ، تركت روحها الميتة تعود للحياة ، دون خوف أو رهبة .
طرد عقلها أفكاره القديمة ، وعلل الحب المقيتة ، استفاق من مشاهد نشرات الأخبار المعتادة ، تمحور في تلك الرحلة التي وضعته أمام ما لا يتوقع ، وشاهد ما لم يتخيل ، تلك الرحلة التي حَمَّلته أوجاعا ، وخلقت منه سيفا قرر أن يكون محاربا بيد فارس في زمن قتل كل فرسانه .
وحين تبددت ظلمة الليل وبان الخط الأبيض كانت لازالت تمسك بأوراقها تخرج كما من الآهات المحبوسة في صدور من رأتهم .
بعد انتهائها وضعت القلم وتنفست بعمق .
فجأة فتحت عينيها التي أخذت تتجول بالمكان متعجبة ، وشعرت بيديها تنفض الغطاء عنها في روتينية تعهدها باحثة عن الساعة التي أشارت إلى السابعة صباحا موعد استيقاظها اليومي .
رباب كساب
13/3/2008

حواري لجريدة السياسة الكويتية

رباب كساب: حان وقت تجديد دماء الساحة الأدبية أجرت الحوار شروق مدحت  تمردت على الظروف المحيطة ،رافضة الاستسلام لعادات وت...