الأحد، 23 يوليو، 2017

كأنهم فرغوا من الحساب مقالي على البوابة

كأنهم فرغوا من الحساب 
على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك قد تجد نفسك بين ليلة وضحاها عضوا في عدد لا بأس به من (الجروبات) التي قد لا تلائمك ولا تتناسب اهتماماتك ومن بين سيل هذه (الجروبات) هناك جروب ظريف اسمه شعبي أصيل، يختص بالأمثال الشعبية المصرية خاصة، ووجدتني لأول مرة منذ سنوات أتفاعل مع الصفحة إما بوضع مثل أو كتابة تعليق أو إبداء إعجاب وهذا الأكثر.
ثم تطور الأمر وبدأت أبحث عن الموضوع الذي يلقى هوى في نفسي منذ مدة طويلة غير أنني أعجز عن الحفظ، فأنا أدون الكثير من الأمثال وأنسى أين وضعتها.
وفي طريق البحث وجدت كتاب ( الشخصية المصرية في الأمثال الشعبية .. للدكتورة عزة عزت) بت أقرأ الصفحات بنهم شديد، فذلك المثل أو تلك الكناية أو هذا القول هو نحن، وكلما تقدمت في قراءة الكتاب كلما وجدتنا كمصريين على صفحاته، قد يكون الموروث المصري من الأمثال قد وجد طريقه عبر الحكايات والنوادر والأغاني والسفر والمقاهي، إلا أن الموروت القديم والحديث يجد طريقه في سرعة لن يتخيلها أجدادنا أصحاب الموروث القديم، فنحن بضغطة زر ننشر الحكايات، السخرية، النكات، بأسرع من سرعة الضوء، وانتشار النار على صفحات التواصل الاجتماعي.
لم تفاجئني الدكتورة عزة بحديثها عن الشخصية المصرية ومدى تطورها واعتمادها على أدبياتها الشعبية وحفاظها على طبيعتها، لكن بدراستها القيمة والمراجع الهامة التي بنت عليها الدراسة قد أكدت لي تماما ما وصلني من خلال حياتي كمصرية وبعض قراءاتي.
وقد رصد الكتاب سخرية المصريين الأصيلة كطبع متجذر فيهم فتقول (إن حب المصري للفكاهة، وخفة روحه أمر لا خلاف عليه، وهما دافعه للسخرية اللاذعة والتهكم حتى في ساعات الجد والألم، فهو يسخر من نفسه، ومما يصيبه، وكأنه يستعلي على المحن بأسلوب يبدو للعامة وكأنه وسيلة إضحاك، وإن انطوى على تلميحات لاذعة، تسخر من الحياة ومن سلوك المجتمع، وتنتقده بشدة قد تصل إلى حد الفحش أحيانا بهدف التأثير في النفس بعنف وكأنها دعوة للرفض والتعبير).
وتؤكد أن أكثر الفترات التي تنتشر فيها الفكاهة والسخرية اللاذعة هي أكثر الفترات بؤسا وقهرا، فتجلت وعلت قديما في فترة حكم المماليك، كما كانت في أوجها حديثا في الفترة التي أعقبت هزيمة 1967 ولو كان الكتاب قد صدر الآن لأكد أن ما تشهده وسائل التواصل حاليا من سخريات ونكات قد فاق كل ما شهده المصريين على مدار تاريخهم، فالنكتة أو السخرية تنتشر بسرعة كبيرة وتتبدل كل يوم مع تغيرات الحوادث المتسارعة، بنفس سرعة هذا الزمن المجنون. 
وأجدني أتفق مع الباحثة الدكتورة عزة عزت في أن السخرية والنكات اللاذعة ليست وسيلة تغيير، ولا طريقا إلى حياة أفضل، فالباحثة ترى أن هذا يعني أننا شعبا غير مدرك للعواقب، وأراه أنا التفاف على الواقع وعدم مواجهته بشكل مباشر، وأتفق وهي أن هذه السخرية هي إفراغ طاقات وأنها تستنزف مخزون الغضب فهي على حد قول الدكتورة عزة تفريغ لشحنة من الكبت والقهر والحزن، مؤكدة ذلك بما قاله ابن خلدون (أهل مصر كأنهم فرغوا من الحساب).
لكنها تؤكد أنها طبيعة المصري التي فطره الله عليها، لم تتغير منذ الأزل، بل تزداد حدة في فترات القهر، فالسخرية اللاذعة تحمل فكرة ذكية، لغة متفلسفة، خفة ظل، قدرة وكفاءة على التخيل، مدللة بما نقله هيرودوت لمقولة الشاعر الروماني ثيوكربتوس (المصريين شعب ماكر لاذع القول روحه مرحة).
وبرغم يقيني بأن السخرية مواجهة سلبية إلا أنها في حالات العجز وقلة الحيلة وفساد الآخر وسطوته وجبروته لا شيء سواها، وكلما اشتد جبروتهم وفعلهم كل ما يحلو لهم دون النظر لنا أشعر بهم كأنهم يلقون في وجوهنا نحن المقهورون قليلي الحيلة المثل الذي يقول (قالوا للقردة اتبرقعي قالت دا وش واخد على الفضيحة).
http://www.albawabhnews.com/2628421

الأحد، 16 يوليو، 2017

متى تصير هاء الفقيه راء مقالي على البوابة

متى تصير هاء الفقيه راء
الجميع لا يحبون تلك المدينة الصغيرة، يتنكرون أحيانا للنسب لها بينما يذكرون أسماء قراهم بفخر، العجوز قريبتي كانت تردد (كفاية إنها بلد ملهاش ولي)، حتى سمعت هذه الجملة لم أكن أفكر أبدا بمسألة الأولياء والأضرحة، كنت ألمح في كثير من القرى زوايا صغيرة أو مدفنا في أحد الأركان، وأعرف بعد ذلك أنه ضريح لواحد من الأولياء، في كل بقعة واحد منهم يتبرك الناس بوجوده، إلا في مدينتنا الصغيرة لا بَرَكة ولا ضريحا.
ولأنني ولدت ونشأت بها لم أنشغل بفكرة الضريح أو البحث عن البركة، زياراتي كانت للأضرحة الكبيرة للتمتع بالأثر ليس إلا، أقرأ الفاتحة لصاحب أو صاحبة المكان ثم أمرر عيني على تفاصيل المسجد، شكل العمارة والنقوش، أبحث عن الراحة، قد يتعجب البعض أنني لم أجد راحتي عند الحسين، ووجدتها في مسجد بلا أضرحة، دخلته أول مرة فوجدتني أسجد وبي رغبة قوية في الصلاة، أجدها في رحاب البدوي رغم أنني أدخل دون أن أمر على ضريحه، وعند أم هاشم السيدة زينب كان العجب كله، فهي إن أرادت دعت وإن لم تُرد صرفت!
قبل سنوات ثلاث كنت أبحث عن عنوان ما ودلني الأصدقاء عليه مسترشدين بأنه إلى جوار أبي السعود، لم أكن أعرف حينها من هو أبو السعود الذي بت كل يوم من بعدها أطلب من سائق الأتوبيس أن يتوقف عنده لأذهب لعملي.
ولم أفكر به وأنا أرى النسوة لديه كل ثلاثاء، يدخلن إليه أو يجلسن مجاورات للمسجد أو في الحديقة المجاورة هن وأطفالهن، مولده بلا ضجيج أو زحام يكاد يمر فلا تلحظه.
في الجزء الخامس من كتاب الدكتورة سعاد ماهر محمد "مساجد مصر وأولياؤها الصالحين" تحدثت عن مسجده، معنونة الفصل بمسجد العارف بالله أبو السعود الجارحي (أبو السعود له جاه ومنقبة من زار ساحته يبلغ به أمله) وهو شيخ المتصوفين في القرن العاشر، توفي في عام 931هــ، وتؤكد دكتورة سعاد أنه ليس هناك تحديدا أو ترجيحا لمولده.
وعلى الرغم مما ذكره النجم الغزي في كتابه (الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة) بأن أبا السعود الجارحي قاهري والده من أعيان كوم الجارح تقول سعاد إنه غير معروفة نشأته وطفولته أو شبابه المبكر، وأنه لم يعرف إلا بعد اكتمال شخصيته وكثرت مكاشفاته، وأصبح له مريدون وله زاوية في كوم الجارحي.
ارتبطت شعبية أبو السعود الجارحي بأن النسوة الطالبات الإنجاب يلجأن إليه طمعا في بركته، وينسب إليه حكاية جعلته المقصد في ذلك الشأن إلا أنني أشك في صحتها ولم أجدها إلا في دراسة للباحث صالح سعد (وتقول الحكاية أن هناك عاقرا تحب زوجها ويحبها لكنها كانت تخشى زواجه من أخرى ليكون له ولد، لم تقتنع بطمأنة زوجها ووفائه لها فما كان من الرجل إلا أن أخصى نفسه، ولكن يشاء القدير أن يزول سبب عقم الزوجة وكاشفته برغبتها في الإنجاب! فذهب الزوج إلى أبي السعود الذي أخذه معه إلى سردابه فجلس معه ثلاثة أيام ويقال ثلاثة أسابيع، صنع من الطين الذي يصنع منه القلل عضوا تناسليا ومسح عليه فعادت للرجل رجولته!) وشاعت الحكاية وانتشرت.
ولقد اجتمع القول بأن لأبي السعود بركات عدة ويقول عبدالوهاب الشعراني في كتابه الطبقات الكبرى أن أبا السعود لم يكن صفي العامة فقط، وإنما أيضا الملوك والأمراء والوزراء حتى إنهم عملوا بأيديهم في بناء زاويته، ويذكر أن طومان باي لم يتول الحكم إلا بعد مشورته، وكانت له حظوة في أيام حكمه، فأخذ يعزل ويولي ويثيب ويعاقب، لم يذكر شيئا عن الرواية الخاصة بالزوج والزوجة رغم أنه ذكر أن أبا السعود كان يعتكف في سرداب تحت الأرض يدخله في أول ليالي رمضان ولا يخرج منه إلا بعد العيد بأيام ستة، بوضوء واحد بلا أكل ولا يشرب من الماء إلا قدر أوقية كل ليلة وهذا ما ينافي الطبيعة البشرية، ويجعلني أيضا أتشكك في هذه الرواية أيضا لكنها في كل الأحاديث تقريبا عن الشيخ الذي كان يردد أنه لم يبلغ مقام مريد، ولكن الله تعالى يستر من يشاء.
ولم يكن للشيخ خليفة، وكان يقول: ليس لي أصحاب ويقول أيضا: لا تجعل لك قط مريدا، ولا مؤلفا ولا زاوية وفِر من الناس فإن هذا زمان الفرار.
وسُمع أبو السعود الذي دفن في سرداب زاويته بكوم الجارح بالقرب من جامع عمرو يقول لفقيه من الجامع الأزهر: متى تصير هاء الفقيه راء. 
وفي حديث له مع الشعراني قال: من حين عملت شيخا في مصر لي سبع وثلاثون سنة ما جاء لي أحد يطلب الطريق إلى الله، ولا يسأل عن حسرة، ولا عن فترة، ولا عن شيء يقربه إلى الله، وإنما يقول أستاذي ظلمني، وامرأتي تناكدني، جاريتي هربت، جاري يؤذيني، شريكي خانني، وكَلّت نفسي من ذلك، وحننت إلى الوحدة، وما كان لي خيرة إلا فيها فيا ليتني لم أعرف أحدا ولم يعرفني أحد!

الأحد، 9 يوليو، 2017

لكل بيت أفعى حارسة مقالي على البوابة



لكل بيت أفعى حارسة
في سوق بلدتنا ما زالت بعض البائعات يحملن نقودهن في كيس يربطنه بحمالة الصدر، تمد الواحدة منهن يدها في فتحة جلبابها مخرجة الكيس، ولكثرة ما يخرجنه يبقينه خارج فتحة الصدر ظاهرًا، لكنه معلق بالقرب منهن، بينما إحداهن تعطينى باقي نقودي لمحت ما وراء الكيس علها في عجلتها الصباحية وهي تبدل ملابسها لم تنقله للطرف الآخر بعيدًا عن كيس نقودها، أو أنها تعمدت إظهاره لا أعرف، ففي الغالب كل مَن يحمل حجابًا يخفيه عن الأعين.
يقول إدوارد وليم لين في كتابه (المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم) إن العرب يعتقدون في الخرافات اعتقادًا عظيمًا، وأن المصريين خاصة يفوقونهم اعتقادًا بذلك، يخشون الجن أخيارهم وأشرارهم، حتى أن العادة قد جرت حين يصب أحدهم ماءً أو غيره أن يقول (دستور) فهم يعتقدون في وجود الجن في طبقات الأرض الصلبة وفي السماء، كما يعتقدون بأن الجن يسكن الخرائب والآبار والحمامات والأفران، فإن دخل أحدهم المرحاض أو أدلى بدلوه لبئر قال (دستور، أو دستور يا مباركين) اعتقادًا بأن ذلك سوف يحميه من الأرواح الشريرة.
وإن كان "لين" الذي كتب هذا الكتاب بجزئيه في القرن التاسع عشر فقد صدر في عام 1835 يرصد ذلك متعجبًا بعض الشيء من أفعال المصريين ومعتقداتهم وأساطيرهم أيضًا، فلو كان حيًا لعرف أننا للآن ما زال الكثيرون منا يعتقدون في ذلك وأنهم ما زالوا يستعيذون من الجن والشياطين إن أراقوا مياهًا ساخنة على الأرض، وإن سقط طفل سارعت أمه أو واحدة من النساء بحمله قائلة (اسم الله على أختك قبلك) لاعتقادها بأن تلك السقطة قد أذت القرين الذي يسكن الأرض.
وما زالوا في الأرياف حين ينحرون في عيد الأضحى يغمسون كفوفهم في الدم ويلصقونها بالحائط ليطبع شكل الكف كاملًا إشارة ( لخمسة وخميسة) أحد أشهر التمائم ضد الحسد، ويفعلها سائق النقل حين يشتري سيارة جديدة فيطبع بالدماء الكف كاملًا على سيارته، أو يكتب آية (ومن شر حاسد إذا حسد) أو عبارة ( يقيني بالله يقيني)، (ما تبصليش بعين رضية شوف اللي ادفع فيا).
مثل تلك العبارات رصدها إدوارد لين، قبل قرنين، يكتبها أصحاب الحوانيت اتقاء شرور الحسد، فيعلقون ورقة قد كُتب فيها اسم الله أو الشهادتان أو البسملة أو يكتبون (يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم) أو بعض الآيات القرآنية (إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا)، (نصر من الله قريب وبشر المؤمنين)، كما أنهم يكتبون على أبواب الدور (الخلاق هو الباقي) بأحرف كبيرة كحرز وتذكرة لرب الدار بأنه بشر يتوفاه الله.
وللآن أيضًا ما زالت محال البقالة خاصة وبعض الورش الصغيرة تجد فيها تلك الآيات وهذه العبارات، غير أنني وجدت دكانًا صغيرًا في وسط البلد يعلق لافتة بعبارة جميلة (الرب يرزقني فلا يعوزني شيء) استوقفتني الجملة مثلما استوقفتني بضاعة الرجل ومحله الصغير جدًا الذي لا يُظهر حتى ماذا يبيع إلا إذا اقتربت منه أو أنك كنت تعرفه قبلًا وتقصده.
ذكر "لين" العديد من الخرافات التي يتعلق بها المصريون من أحجبة للوقاية من الشرور والحسد، وحرق العروسة التي يتم ثقب كل جزء فيها بإبرة مصحوبًا بنطق اسم من أسماء كل مَن يعرف المحسود والتي ما زالت حتى يومنا هذا، وتوقف عند زيارات الأضرحة وبعض مشايخ الطرق وما يفعله مريدوهم، وذكر أن المصريين قد خصصوا أيامًا بعينها لزيارة الأضرحة، فقال إن الرجال يزورون الحسين في يوم الثلاثاء والنساء يوم السبت بينما يزورون السيدة زينب يوم الأربعاء، والجمعة لزيارة الإمام الشافعي، وعرفت من بعض مريدات سيدة العلم السيدة نفيسة أن موعد زيارتها الاثنين.
كما ذكر "لين" أن السيد البدوي كانوا يحتفلون به ثلاث مرات في العام الواحد إكرامًا له، يحتفلون يوم العاشر من طوبة بالاحتفال الأول، والثاني في الاعتدال الربيعي والثالث بعد الانقلاب الصيفي بشهر تقريبًا في منتصف شهر أبيب، والمعروف حاليًا أن مولد السيد البدوي في شهر أكتوبر من كل عام!
ويرى لين، أن هناك عجيبة باقية من بقايا المصريين القدماء بقيت معهم فهم يعتقدون أن كل حي من أحياء القاهرة له حارس خاص من الجن على شكل أفعى.
بالفعل كان المصريون لوقت قريب يعتقدون أن لكل بيت أفعى حارسة وليس فقط كل حي، كما أن قدماء المصريين اعتبروها راعية وحامية حتى أنها كانت على تيجان ملوكهم.
 

الأحد، 2 يوليو، 2017

النساء والولع بالتفاصيل أول مقالاتي الأسبوعية على البوابة

النساء والولع بالتفاصيل 
لم أفهم يوما أعمال النساء، كنت أراهن يبذلن جهدا غريبا، ينفقن نور أعينهن بطريقة تدفعني للتساؤل عن جدوى أعمالهن – أشغال الإبرة خاصة – تلك الأعمال التي تبدو جميلة، تلقى استحسانا مني قبل الأخرين، ورغم استنكاري كنت أراقب عن كثب وكيف لا وزعيمتهن أمي، وأكثر ما كان يستلفت نظري من مشغولاتهن اليدوية أعمال الكانافاه واللاسيه، تلك التي تحتاج مجهودا ودقة في العمل وعينا ثاقبة، خيوط الكانافاه كانت تستخدم في حشو فراغات خيوط اللاسيه الحريرية بعد أن يتم تتثبيتها على الأوراق بخيط عادي ثم تُحشى الفراغات برقة ودقة شديدتين، الرسوم موجودة لكن شغلها وتحويلها لعمل يدوي ليس سهلا وليست كل النساء بارعات في صنع مفارش اللاسيه ولوحات الكانافاه.
سنوات طويلة قبل أن أعرف أن هذه الأعمال هي النساء، بعد إنتهاء العمل تلمع عيونهن، تزهو نفوسهن، كتلك اللحظة التي أعثر فيها على جملة مميزة، أو حين يمسك عامل باكورة إنتاجه، صنع يديه، يملأهن الفخر وهن لا يعرفن أنهن بارعات لأنهن يعشقن التفاصيل. 
لن تروي يوما أمرا لامرأة إلا وقد اضطجعت وقالت لك : من البداية لو سمحت واحدة واحدة، لا تنسى شيئا.
كم مرة سمعت هذه الجملة من امرأة؟
المرأة تتصيد التفاصيل، المرأة تعرف مكمن الوجع ومكمنه دائما في التفاصيل، فما بالك لو كانت من تكتب الوجع امرأة، إنها تأخذك من يديك لمنطقة دموع بلا جهد كبير، تستخدم أصالتها في سرد الدقائق الصغيرة التي قد تمر على كثيرين دون أن يلقوا بالا بها، تدفعك بهوادة لتكون جزءا منها، فتتألم.
التاريخ موجود، صفحاته ملك للجميع لكن اعطه لامرأة تعشق التفاصيل، تعرف كيف تجمع الخيوط وتثبتها وتقوم بالحشو برقة ودقة وانظر ما سوف ترى. 
فعلت بي ذلك كاميلا شمسي الكاتبة الباكستانية وأنا أقرأ تحفتها الظلال المحترقة التي دارت أحداثها على مدى نصف قرن منذ سقوط القنبلة الذرية على هيروشيما ونجازاكي وحتى مطلع الألفية الثالثة، وكيف جعلتني هذه الكاتبة أرى جمالا فيما لا جمال فيه، كيف استدرت دمعي وهي تروي تاريخا إنسانيا بحتا، موجعا بحق.
وفعلته البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش في صلاة تشرنوبل وهي تغزل بدقة وتروي عما حدث عقب انفجار مفاعل تشرنوبل، سرد مليء بالتفاصيل، تلك التي تؤلم وتوخز الروح بحديث عن النباتات، عن الحيوانات، عن سلوك زوجة مع زوجها الذي تعرض للإشعاع، رد فعل طبيب، حركة جدة ارتبطت بالمكان ويجبرونها على الرحيل، حواديت نسجت بخيوط دقيقة حريرية ما إن تنتهي منها حتى تجد من بين دموعك جمالا لا يُضاهى. 
وفعلته أيضا المصرية رضوى عاشور في رائعتيها ثلاثية غرناطة التي تناولت تاريخ انهيار الأندلس، دفعتني رضوى لمناطق إحساس حقيقية لم يفعلها كاتب كتب عن نفس الفترة، لم يكن امرأة تعرف الدقائق وتنسج الكانافاه، وفعلته أيضا في الطنطورية التي تناولت الشتات الفلسطيني.
وها هي تمارسه بحرفية شديدة وبدقيق دقيق التفاصيل الكاتبة النيجرية تشيماماندا نجوزي أديتشي، تناولت في تحفتها نصف شمس صفراء الحرب في نيجيريا وانفصال بيافرا ومواجهة الإيبو للهاوسا وللمجازر التي تعرضوا لها، كانت تشيما تنسج خيوطها بدقة رهيبة وبتفاصيل دقيقة كما لو أنها تعمل على فسيفساء، كل التفاصيل الطعام، الملابس، الشوارع، البيوت، الحركة، الأفكار، المواجهات، القنابل، المخابئ، ممارسة الحب، الفشل، الرحيل، كل شيء بينما تفاجئك وسط كل هذا بجملة ( العالم كان صامتا حينما كنا نموت) تسجل دقائق الأمور لتعلن أن هناك كانت حياة وكان أناس يدافعون عن وجودهم، فتشعر معها بأنك تعدو للمخبأ، تنتظر القنبلة، تبكي لمصرع طفل، لبتر قدم، لرؤية رأس تبقى من جسد فتاة تحمله أمها وقد اختلطت ضفائر ابنتها بالدم كل ذلك بينما كان العالم صامتا يتلقى الأخبار وينتظر الموت.

http://www.albawabhnews.com/2592917

الثلاثاء، 28 مارس، 2017

و.. هن

و.. هن
كان يوم جمعة.
 كنت وحدي؛ ساعات النهار الأولى، سويعاتي الأهم والأبقى، ممدة على سريري كالمعتاد، بين يدي كتاب، في خاطري فكرة، وإلى جواري فنجان قهوتي.
تباغتني أصواتهن كأنني أسمعهن للمرة الأولى، يتحلقن حول بائعتين محدثين جلبة، يفاصلن على السعر، البائعتان تشاركهن الثرثرة. 
كن بالأمس يسهرن سويا، يضحكن  ضحكات عالية – أزعجتني- تشق سكون الليل، كما لو أنهن يتبادلن قول نكات فاحشة، أطفالهن يلعبون ويتشاجرون، كلما علا صوت الضحكات كلما شعرت بأشواك في روحي، تؤلمني ضحكاتهن، تؤذيني زغاريدهن التي أحيانا تنطلق لأي سبب!
لا ينتهي ضجيج النسوة حتى بعد إنصراف البائعات، تضيع مني كلمات الكتاب وتتوه الأسطر، أكاد أطل عليهن من النافذة طالبة منهن الموت، كنت كنذير يحمل بين يديه سكين يقطع بها صفحات الحياة، أسير بالموت، ولا يسير ورائي داع أو مودع.
كانت أيام جمعة.
الشوارع خالية، فرضوا حظرا على التجوال لكني التقيته، لم يخبرني النهر أن على الحكاية ألا تبدأ، تركني نهري للبحر، بحر واحد ومدينتين، شاطئ وشاطئ، يد تتعلق بكم ردائي، تعلقت بقلبي، ضحكات صافية، بلا هم، بلا تمثيل النسوة الجالسات أسفل نافذتي، جدران القلعة بالمدينة القديمة ترسل لي نذيرا لم أفهمه، الكلمات التي نقشها أحدهم عليها كانت ناقوسا لم ألتفت لصوته، حدثت البحر ونسيت نهري، وقبل السَّحَر على الشاطئ الأخر بالمدينة الأخرى إنهارت كل مدن الملح السابقة، نسيت أن البحر غادر!
عرفت شفتانا طريقهما لبعضهما، في حضرة الفجر، والشمس تحارب الظلمة، كنت أحارب روحي لتستجيب، كلما هَمَّت بحل الظلام والتسلل، يحارب الليل بآخر خيوطه ليواريها، نسمات باردة تتسلل لجسدي ورغبة في الاستدفاء بحضنه يقف أمامها خجل لا يفارقني، ظل يحاول أن يفك طلاسم روحي ويقترب، أتهرب، لا ييأس، يقترب، مرة وأخرى فكان أول شعاع مع أول تذوق للحياة، طعم جديد، لأول مرة أعرف أن شفتي يمكنهما إجادة شيئا أخر غير ما اعتادتا، ذقت حلاوة يزيد شهدها بالتكرار، ظلت شفتي مخدرتين لساعات ثلاث بعدها، ورجفة تسري بين حين وأخر في جسدي كلما تذكرت تلك اللحظة التي امتزجت فيها روحي وروحه، وموج البحر يداعب رذاذه وجهينا.
كان يوم جمعة.
 كنت في شغل عن كل شيء، نسوة البيت بالمطبخ يعددن لوليمة كبيرة، تغرقن بين أواني الطهي وصنوف الطعام، بينما أبحث عن أغنيات مرحة، أغنيات لا تشبه أغنيات النسوة الضاحكات، لكنها على الأقل أغنيات مفرحة.
لم أشارك أحدًا في صنع أي شيء، وهم يفعلون لأجلي كل شيء، كنت قلقة، مشغولة بلا شيء، هو يقترب، يختلس قُبلة، أبتسم، أفرح، إنني قادرة على الفرح.
يدعوني لأن أكف عن قلقي، القلق جزء مني، يوم الجمعة يوم مثير لكل قلق الدنيا، لا أعرف لماذا اختاره ليكون يوم فرحنا، يربت على يدي، يختلس قبلة أخرى، أمي وأختي تعملان بسر البهجة فلا تعب، لا شكوى، أطفال أختي وأخي يمرحون، وحدي أتوجس خيفة، لم يكن للشك مكان في روحي، فقط أريد أن يكتمل اليوم.
خرجت من النافذة في تلك الجمعة والغضب يتطاير من عيني، هممت أن أخرس أصواتهن العالية، قبل أن أفتح فمي أطلقت عيني عليهن، توقفت الكلمات، هدأ الغضب، أنا أعرفهن جيدا، أنا أعرفهن منذ سنين، أعرفهن مذ كنت طفلة تداعبني إحداهن، أعرف حيواتهن جميعا!
تفرغ جلسة النسوة، تفرغ روحي من الأشواك، لا يكف الصغار عن لهوهم، لا شيء أفعل، أغلقت الكتاب، أمي تناوشني كالمعتاد، قبل سنين كانت تعد العدة لزيارة أمها يوم الجمعة، كنا نخرج بعد العصر في أبهى ثيابنا، تسير بنا في طريق يرعبني، كل مرة تصمم أن يكون طريقنا، لم يكن باستطاعتي عبور الكوبري وأسفله مياه ترعة لا ترد من يزورها، رغم أنها ردت أبي! لا جدة اليوم لزيارتها، لا أب، الفراغ يقتل كل لحظاتي.
كل الأغنيات التي بحثت عنها بينما نسوة البيت يعملن وبخلت بمساعدتي حين جاء موعدها لم أجدها! كان فرحا بلا موسيقى، كانت موسيقى الروح التي رقصنا عليها صاخبة، دافئة، حية، شاركني بعض ممن كن يجلسن تحت النافذة يتملقن شمس ديسمبر، رسمن ابتسامة رضا، كانت جمعة بلا حواجز، رأينني حين أحب فلم يعرفنني رغم أنني أعرفهن.
اليوم جمعة.
شجار، الحب يقف كراقص على الجمر، يلملم الروح، يرتق التصدع، لا شيء يجدي، كل الأسباب واهية، كل حروفه كيده التي تعلقت بكمي، تبدو زاهية، تبدو قوية، لكنها في الحقيقة باهتة، بلا روح، بلا شيء، كل الكلمات بلا جدوى، جمعة وراء جمعة، خلاف بعد خلاف، لا خلاص.
اليوم جمعة.
صدع كبير، يضحكن كعادتهن، يوم الفرح، شاركنني الابتسام، لا أملك مشاركتهن البكاء المر، أأحكي..؟ لا شيء يُحكى.
لحقت بهن، تاريخ واحد، ما كرهته حدث، صرت مثلهن، سطر أخر في التاريخ الطويل البائس، بقى أن أجلس وسطهن أسفل النافذة وأشاركهن، اكتفيت بأن أطل عليهن بلا غضب، بلا موت تلقيه كلماتي، مت مثلهن، أضحك ضحكة عالية، يلتفتن نحوي، يصمتن، أيفهمن؟!
اليوم جمعة.
أقترب من البحر، بلا شكوى، هادر موجه، بدا كأنه يفهم، لا يعتذر، في حماه ألقيت دروعي وسلمت، سمح لي أن أفعل، كان طيبا أكثر مما اعتدت، تركني، لم يعكس الصورة كنهري، لو اعتذر ما قبلت اعتذاره، الهاتف يرن، أحول عيني عن الموج لهاتفي، اسمه، صورته، صوته، بلا شيء، الطريق انقطع، مساحات الصفح تقلصت، أغلقت الهاتف.

ضحكة عالية.
النص منشور بعدد مارس 2017 من مجلة الثقافة الجديدة  

السبت، 3 سبتمبر، 2016

يوميات بهية (8)


بهية تلح لأذهب بها للبحر!! لماذا الآن؟! أعرف أنها تعشقه شتاء، تحبه والمطر يعانقه، تجذب ياقة البالطو الثقيل وتلف الكوفية بإحكام وتعدو من قطرات الماء القوية محاولة الاحتماء منها، وبعد أن يخف المطر تذهب للكورنيش المغسول تتأمله. وبينما كانت بهية بعيدة لا أعرف عنها كان البحر شريك أحلامي الدائم، في كل أحلامي أراه هائجا، مندفعا للبر، مغرقا كل شيء حتى أنا، أستقبل موجه العاتي بضحكة وأحيانا بخوف كبير. ..

جلست أروي لها أحلامي فذكرت لها ذاك الحلم البعيد يوم هاج الموج فأغرقني وجدتي رغم أننا كنا نجلس في شرفة بعيدة عنه، تذكرت المرأة ذات الشعر الأحمر التي لم أعرفها للآن، تلك التي جذبت يدي لبحر لم أر له مثيلا ووقفت معي صامتة على الشاطئ الذي لرماله لون شعرها حتى انتهى الحلم، وتلك الرحلة الرهيبة التي أغرق فيها البحر كل شوارع الإسكندرية وأنا أهرب من موجه فيلاحقني، احتمي بالبيوت، بالعمارات، بكل شيء ويلحق بي.

متى تركني البحر وحالي يا بهية؟

لا أذكر متى كف البحر عن ملاحقتي، لكني أعرف لماذا كف عن ملاحقتي، وفسرت كل أحلامي! نظرت لي بنظرة استعلائية كعادتها وكأنها تستكثر علي أن أعرف ولا تعرف، تجاهلت نظرتها فلا أريد أن أفتح على نفسي سيل وجع وعليها بحر تأنيب لي. حاولت أن أرجئ رغبتها في الذهاب حتى يحين موعد المطر أو على أقل تقدير حتى يأتي أكتوبر، أكتوبر شهري يا بهية. قالت لي :

"منذ متى تحبين المطر وتنتظرينه؟!"

كنت أحب المطر، كنت أخرج من مدرستي على ظهري حقيبة كتبي الثقيلة وكراسات أبلة ألطاف التي كانت تدرس لنا كل المواد، يوم أنجبت أصغر أبناءها وابتعدت في إجازة عرفت لأول مرة أن قلبي بإمكانه أن يكره، كرهت أبلة سنية قاسية القلب، دعينا منها، المطر يا بهية كان له طعما جميلا، أحببت مذاقه المالح في فمي، ومريلتي البيج التي شغلت أساورها وياقتها أبلة نورة كنت أعود بها لأمي مبللة، مرات حاولت مغافلة أمي والسير حافية كصاحبتي في الطين، بلدتنا كانت تغرق في الوحل وتنقطع الكهرباء، الليل يدفئه السحلب الذي يعده أبي، وبطاطس أمي المحمرة، كل هذا قبل أن أرتدي تلك النظارة التي لم تكن تحب المطر ولا الظريف الذي كان يطالبني بتركيب مساحات، كرهت المطر يا بهية لأني لم يكن بإمكاني خلعها، لا أستطيع تحمل آلام عيني ورأسي حين أخلعها، ولا نزلات البرد التي لا تتركني حتى الآن، هل قلت لك من قبل أني كنت أرقبه من خلف نافذتي وأكتب اسمي على الزجاج بعد أن يتكثف عليه بخار الماء من فمي وأنفي، وأمد يدي لألمسه وأشم رائحته، وفي الخلفية دائما صوت وردة تغني أوراق الورد، كانت الأمطار تنتظر بدء المسلسل المعاد لتبدأ فأعدو نحو النافذة لأمارس طقسي المفضل وأشم رائحة المطر، رائحة أرضنا، أرضنا التي كانت طيبة، كانت لها رائحة قوية جميلة حانية كلما أمطرت، لم أكن أرسم قلوبا على الزجاج بالبخار المتكثف، فقط كنت أكتب حروف اسمي حتى مللت.

حاولت أن أشغلها بالحكايات عن رغبتها في البحر حتى جاءت سيرة الرائحة فقفز لعقلي تلك الرائحة التي استوقفتني وهي، رائحة عطر امرأة كنا قد أبعدنا ناظرينا عنها بعدما رأينا لون شعرها الفاقع صفاره، للحظة نقلتنا لعالم أخر بمجرد أن اقتربت منا، قطعنا حديثنا الذي لم يكن رائقا ولا هينا، كانت تلومني كعادتها، لكنها توقفت لترقب معي في دهشة منا بقايا أنثى تتشبث بالحياة. ثم بحركة مفاجئة لكزتني بهية في كتفي وقالت:

""لا أحد يمكنه هزيمة الشمس وحدنا نحفر أنفاق هزائمنا.

نظرت إليها مستهزئة بدت لي كمن تود الحديث لمجرد الحديث أو أنها وجدت شيئا آخر تلومني بسببه، هي لا تشعر بما شعرت به، لا تعرف أن تلك المرأة التي تعرج قليلا كما لو أن قدمها قد التوت وهي تسير، المرأة التي حشرت جسدها الضئيل في بنطلونها الجينز الضيق وتلك البلوزة البيضاء القصيرة ولونت شعرها بالأصفر الفاقع قد منحتني بعطرها رغبة في الحياة. صرخت بي بهية قائلة :

"يا غبية هذا ما أقصد، الحياة لا تتوقف وأنت تسعين لتوقفها بكل جهد، بإهمالك، بثوراتك غير المحسوبة، باستسلام جسدك لأسقام لا وجود لها."

أَمسَكَتْ بأطراف أصابعها دمعة فرت مني وقالت :

"لا وقت لها."

تذكرت قولها ذات يوم ( للمتكئة على ضريح الوجد ابتسام الدنيا عارض والعوارض إلى زوال) اعتقدت غير ذلك، آملت أن تستقيم لي ولو مرة صدقت الدنيا وهي الكاذبة دوما وأنكرت على روحي صدقها. مضى الوقت بي قبل أن أدرك أن النول كان واهيا متداعيا، أمضيت الليالي والشهور أنسج عليه بدأب، كانوا يضحكون وكنت نوحا ، نجا نوح ولم أنج .. ولازالوا يضحكون!

رباب كساب

2/9/2016
المقال منشور على موقع عابر 

السبت، 6 أغسطس، 2016

يوميات بهية (7)



ضبطتني بهية أتشاجر على الأوراق، جلست أمامي مُسددة سهام نظراتها إليِّ، مُغلقة عين فاتحة الأخرى، لم تتكلم لكنني حين كنت ألتقط أنفاسي التي تتلاحق بشدة من الانفعال أجدها على تلك الشاكلة، لم يكن بي طاقة لحديثها هي الأخرى، كنت أجاهد روحي، أجاهد لحظة حنين، لحظة كان عليِّ قتلها، لذا لم تنطق وإنْ كنت أظن أنها سوف تشدني بعيدا عنها بعدما كذبت كلماتي كثيرا وأنا أكتب، كنت أدعي غير الحقيقة، كنت أظن أنني نسيت إلا أنني كنت أتناسى، لم تتركني بهيتي للحظة قاتلة قد تفتك بي وتعود بي لواقع كريه أمقته، لقد هربت بصعوبة فلا حياة مع الموت حتى ولو سُمي باسمٍ أخر.

تذكرت مقولتها التي قالتها لي قبل عام من الآن ( أكره فيّ عنادي لكنني أحبه حين يمنحني قُبلة حياة في لحظة الموت).

كان هروبي هو قُبلة الحياة، كان طوق النجاة الذي أخذ بيدي بعيدا عن شبح الموت، عن ذلك الذي يخطو فوق أشلاءك في تباهٍ واضح، مغلفا كلماته بالجمال وأحيانا باللوم والعتاب، مترنما بألحان تذوب معها كلما ترنم بها، لتكتشف في لحظة صدقٍ مع روحك أنَّه يدفنك شيئا فشيئا لا أكثر ولا أقل.

تركتني بهية أستمر في تفاهاتي واستعذاب الشوق والحنين وعند نقطة معينة أدركتها معها في نفس الوقت جذبتني بعيدا، دخلت بي من قلب اللعبة، لعبة الحنين، إنها تعرف الطريق، وتعرف إذن كيف تُخرجنا من الشرك الذي أوقعتنا أنا به.

كانت تسترجع كل مفرداتها التي تشكلت بها عبر سنوات عمرها، ترصها أمامها، لم تكن يوما بحاجة لتدوينها، تسكنها، تعيش بها لكنني ( أنا ) من كنت بحاجة لأن أحفظ وأدون جيدا.

التفتت إليِّ ذات مساء وقالت : أنتِ السبب.

لفني الخجل وأدرت عيني عنها، مرة من مرات نادرة أعرف أنني من أقتلها، لم أعتذر، لكنها تلقفت دمعتي في راحة يدها وصمتت، لم تعدني حينها بالعودة حتى مع الرجاء الذي ملأ عينيِّ، لم تعنفني، احتضنتني وكفى.

عرفت بهية كيف تأخذني حقا، تُدرك أنني أذوب حنينا لطفولة تشبعت مما حولها، كانت كاميرا عينيِّ تطبع كل الصور بسرعة مذهلة على جدران عقل عرف فيما بعد كيف يتخلص أولا بأول من كل شيء، إلا أن الصور الأولى لازالت في مكانها، موشومة على جدرانه.

قالت أتذكرين سؤالك الأهم لماذا لستِ مثلهن؟

حينها لم أكن أعلم بوجودها وكنت دوما أحار لماذا أجد غضاضة في أن أكون مثل أمي وصاحبات الدرس والجارات، كنت أغرق دائما في كل السطور التي تملأ الأوراق من حولي حتى تلك التي كانوا يلفون بها ساندويتشات فول عم أحمد الذي كنت أمر عليه يوميا فأجده يقف بقامته الطويلة وجسده الضخم يعد للناس طعامهم بلا ابتسامة واحدة رغم أنه كان يرد كل التحايا، كان ينحني كثيرا ليأخذ مني أنا الطفلة القصيرة ثمن ما أريد، كنت أحب الشراء منه رغم كراهيتي للزحام ومحله دائما مزدحما!

كثيرا ما أخذت الأوراق التي غلفت ساندويتشات الفول والطعمية لأحتفظ بها، اعتدت التفتيش في الكراكيب لأحصل على الكتب القديمة والمجلات، كان أبي يحتفظ بالروايات بينما احتفظت أمي بمجلات حواء وفينوس وبوردا كنت أنظر للباترونات وأعتبرها طلاسما وأسأل نفسي هل أم سمير الخياطة تعرف شيئا عن هذه الباترونات؟! في كل مرة أتجاهل هذه الأشياء وأبحث عن الحكايات وأنهل من روايات أبي حتى التي لم أفهمها حينها، بينما أمي تجمع الكثير من الإبر؛ إبر كثيرة لكل شيء، إبر وخيوط، حاولت مرارا أن أمسك بها أن أكون مثلها، لم أفشل! لكنني لم أحب!

لم أكن أعلم عن صاحبتي التي تشبهني، صاحبتي التي أخذتني من كل شيء من خيوط أمي وإبرها، من تحدي أبلة نبيلة مدرسة التدبير المنزلي بصنع بعض مفارش حتى لا تنظر لي نظرة فوقية كارهة وتسخر منيفأنا ابنة من علمتهم ولا أعرف كيف أمسك بإبرة، من استجداء أمي أن تصنع لي كوفية فأغلقت بابيِّ علي بضع أيام لأنهيها بينما الفتاة التي تشبهني تحثني كي لا أضيع وقتي لكنني صممت أن أصنعها، ابتعدت عني قليلا لكنها عادت بقوة، في كل مرة أتركها لأكون كالبقية تغضب قليلا لكنها تعود كأنها قدري وأنا قدرها.

وها هي الآن بالحكايات تنتشلني من لحظة ضعف، تعرف البهية أنَّ الحكايات ترياقي، وتعرف أنَّ الموت لا يعرف طريقه لمن اعتاد الخلق !

رباب كساب

5/8/2016

المقال منشور على موقع عابر في 6/8/2016


السبت، 30 يوليو، 2016

يوميات بهية (6)

قبل سنوات أربع وجدت نفسها تنكمش وتنكمش، تلعب في أطراف ضفائرها تكاد تقطعها، تكتم ابتسامة تصارع الوجود حتى لا تتحول إلى صرخة في وجه الدنيا التي اعتادت أن تدير ظهرها إليها، واصلت انكماشها واللعب في ضفائرها، وبرعونة طفلة ألقت جدائلها على وجهي وأعطتني ظهرها ثم دخلت وحدها قوقعتها واختفت، لم تعد بهية، لم تعد تأتيني بخرافاتها، بعنادها، ذهبت وذهبت معها بصيرتها، ما تراه بمرآتها، تركتني وحدي، أشعر بالوحشة، بفراغ قاتل، طال غيابها، تمنيت أنْ تمنحني فرصة أخرى، وقفت أمام بوابتها -مرآتها -وقدمت لها طلبا مدموغا مشفوعا بإمضاءات كل من تعرف ومن تُفضل، دعوت كل أحبائها ليصطفوا معي في الطابور وقفنا جميعا بلا تردد نناديها، كان معي أوراقا كثيرة وقلما سارع الجمع بتذييل الورق بحروف أسمائهم وتشفعاتهم، وانتظرنا طويلا، ثم مضوا إلى حالهم وتركوني وحدي، أعيش بلا روح، بلا بهية! ولما فرغت حِيلي عادت بعدما مَرَّ وقت طويل قبل أنْ تعود وتعود بهجتي إليِّ.

أما اليوم فأنا وهي معا داخل القوقعة، نصبر، نشاهد، نحلل ما نرى، نغرق في رسم صور لكل حدث، أو نبتعد عن كل شيء، نرقص بهيستريا، نغني بأصوات زاعقة كريهة، نسب، نلعن، نضحك وحين يشتد بي الكرب وأنا أحاول ترتيب أيامي المبعثرة واستعادة ما راح مني أجدها تتسحب وتأخذ شالي البنفسجي الذي اعتقدت أنه ضاع مني ذات شتاء وترقص على أنغام ( ألف ليلة وليلة ) ترقص مثلما كنت أفعل، تردد مع ( الست ) المقاطع من قلبها، تضغط على حروف الكلام كما كنت أفعل تماما عادت بي بهية لنفسي التي نسيتها، لم يكن الجسد حينها يطيع النغم فقط وإنما كان يُمثل الكلمة بحركته، بهية التي تغلفني بالأمل وتعطيني بعضا منقوتها تستعيدني ببطء وبروية بفعل ما كنت أحبه وتركتُه بلا أسباب تستحق.

تغيرت بهية في الآونة الأخيرة، أحسها كبرت كثيرا عما مضى، أكبر من عمرها الحقيقي – كم عمرها؟ لا أعرف حقيقة –كلما هممت بالانفعال كعادتي، بالرد على بعض الحماقات التي تطالني تمسك لساني، تعتصر غضبي، تدفع بالصمت لشراييني لأهدأ، لا أهدأ لكني أمتثل لها، هي أكثر مني خبرة، هي تعرف أكثر، لكن آتون الغضب المشتعل لا تهدأ ناره، لم أكن يوما ممن يكتمون غضبهم، سريعة الإنفعال وسريعة الرضا، أنا متعبة يا بهية، هكذا أصرخ فيها فتبتسم لي وتربت على ظهري فتطمئن روحي لما تفعل، وإن كنت لأول مرة لا أعرف كيف ستواجه وكيف ستخرج بنا من القوقعة؟!

ضَبَطتني أنظر ليديِّ، لا أعرفهما بعدما قصصت أظافري، صارت أصابعي بلا أظافر طويلة، الأظافر التي كنت أحرص عليها ليس لجمالها وإنما لأنها حصن من حصوني، معول بنائي الهام، تخلصت منها في لحظة وأنا أعمل بجد في ترتيب حياة جديدة، خفت عليها أن تتلوث، أن تتغير فأمقتها، بعض من جنوني ليس إلا، سأنتظرها لتطول من جديد على ألا أراها مريضة ضعيفة، لحظتها رمقتني بعين عجوز خبير نافذ الصبر وقالت : بقدر ما نعرف لا نعرف!

إنها بهية، المباغتة، الشقية، البراوية، المتلونة، الكبيرة، الصغيرة التي تصفع بلا صفعات، تقتل بلا دماء، تفرح بلا صوت، تبكي بلا دموع، تأنس للدنيا بلا ناس، تعرف ولا تعرف، هي البحر الذي يفخرون بتوقع ثورته وهدوئه لكنهم حقا لا يعلمون شيئا!

رباب كساب

30/7/2016

تم النشر على موقع عابر في 30/7/2016

كأنهم فرغوا من الحساب مقالي على البوابة

كأنهم فرغوا من الحساب  على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك قد تجد نفسك بين ليلة وضحاها عضوا في عدد لا بأس به من (الجروبات) التي قد لا تلا...