السبت، 6 أغسطس، 2016

يوميات بهية (7)



ضبطتني بهية أتشاجر على الأوراق، جلست أمامي مُسددة سهام نظراتها إليِّ، مُغلقة عين فاتحة الأخرى، لم تتكلم لكنني حين كنت ألتقط أنفاسي التي تتلاحق بشدة من الانفعال أجدها على تلك الشاكلة، لم يكن بي طاقة لحديثها هي الأخرى، كنت أجاهد روحي، أجاهد لحظة حنين، لحظة كان عليِّ قتلها، لذا لم تنطق وإنْ كنت أظن أنها سوف تشدني بعيدا عنها بعدما كذبت كلماتي كثيرا وأنا أكتب، كنت أدعي غير الحقيقة، كنت أظن أنني نسيت إلا أنني كنت أتناسى، لم تتركني بهيتي للحظة قاتلة قد تفتك بي وتعود بي لواقع كريه أمقته، لقد هربت بصعوبة فلا حياة مع الموت حتى ولو سُمي باسمٍ أخر.

تذكرت مقولتها التي قالتها لي قبل عام من الآن ( أكره فيّ عنادي لكنني أحبه حين يمنحني قُبلة حياة في لحظة الموت).

كان هروبي هو قُبلة الحياة، كان طوق النجاة الذي أخذ بيدي بعيدا عن شبح الموت، عن ذلك الذي يخطو فوق أشلاءك في تباهٍ واضح، مغلفا كلماته بالجمال وأحيانا باللوم والعتاب، مترنما بألحان تذوب معها كلما ترنم بها، لتكتشف في لحظة صدقٍ مع روحك أنَّه يدفنك شيئا فشيئا لا أكثر ولا أقل.

تركتني بهية أستمر في تفاهاتي واستعذاب الشوق والحنين وعند نقطة معينة أدركتها معها في نفس الوقت جذبتني بعيدا، دخلت بي من قلب اللعبة، لعبة الحنين، إنها تعرف الطريق، وتعرف إذن كيف تُخرجنا من الشرك الذي أوقعتنا أنا به.

كانت تسترجع كل مفرداتها التي تشكلت بها عبر سنوات عمرها، ترصها أمامها، لم تكن يوما بحاجة لتدوينها، تسكنها، تعيش بها لكنني ( أنا ) من كنت بحاجة لأن أحفظ وأدون جيدا.

التفتت إليِّ ذات مساء وقالت : أنتِ السبب.

لفني الخجل وأدرت عيني عنها، مرة من مرات نادرة أعرف أنني من أقتلها، لم أعتذر، لكنها تلقفت دمعتي في راحة يدها وصمتت، لم تعدني حينها بالعودة حتى مع الرجاء الذي ملأ عينيِّ، لم تعنفني، احتضنتني وكفى.

عرفت بهية كيف تأخذني حقا، تُدرك أنني أذوب حنينا لطفولة تشبعت مما حولها، كانت كاميرا عينيِّ تطبع كل الصور بسرعة مذهلة على جدران عقل عرف فيما بعد كيف يتخلص أولا بأول من كل شيء، إلا أن الصور الأولى لازالت في مكانها، موشومة على جدرانه.

قالت أتذكرين سؤالك الأهم لماذا لستِ مثلهن؟

حينها لم أكن أعلم بوجودها وكنت دوما أحار لماذا أجد غضاضة في أن أكون مثل أمي وصاحبات الدرس والجارات، كنت أغرق دائما في كل السطور التي تملأ الأوراق من حولي حتى تلك التي كانوا يلفون بها ساندويتشات فول عم أحمد الذي كنت أمر عليه يوميا فأجده يقف بقامته الطويلة وجسده الضخم يعد للناس طعامهم بلا ابتسامة واحدة رغم أنه كان يرد كل التحايا، كان ينحني كثيرا ليأخذ مني أنا الطفلة القصيرة ثمن ما أريد، كنت أحب الشراء منه رغم كراهيتي للزحام ومحله دائما مزدحما!

كثيرا ما أخذت الأوراق التي غلفت ساندويتشات الفول والطعمية لأحتفظ بها، اعتدت التفتيش في الكراكيب لأحصل على الكتب القديمة والمجلات، كان أبي يحتفظ بالروايات بينما احتفظت أمي بمجلات حواء وفينوس وبوردا كنت أنظر للباترونات وأعتبرها طلاسما وأسأل نفسي هل أم سمير الخياطة تعرف شيئا عن هذه الباترونات؟! في كل مرة أتجاهل هذه الأشياء وأبحث عن الحكايات وأنهل من روايات أبي حتى التي لم أفهمها حينها، بينما أمي تجمع الكثير من الإبر؛ إبر كثيرة لكل شيء، إبر وخيوط، حاولت مرارا أن أمسك بها أن أكون مثلها، لم أفشل! لكنني لم أحب!

لم أكن أعلم عن صاحبتي التي تشبهني، صاحبتي التي أخذتني من كل شيء من خيوط أمي وإبرها، من تحدي أبلة نبيلة مدرسة التدبير المنزلي بصنع بعض مفارش حتى لا تنظر لي نظرة فوقية كارهة وتسخر منيفأنا ابنة من علمتهم ولا أعرف كيف أمسك بإبرة، من استجداء أمي أن تصنع لي كوفية فأغلقت بابيِّ علي بضع أيام لأنهيها بينما الفتاة التي تشبهني تحثني كي لا أضيع وقتي لكنني صممت أن أصنعها، ابتعدت عني قليلا لكنها عادت بقوة، في كل مرة أتركها لأكون كالبقية تغضب قليلا لكنها تعود كأنها قدري وأنا قدرها.

وها هي الآن بالحكايات تنتشلني من لحظة ضعف، تعرف البهية أنَّ الحكايات ترياقي، وتعرف أنَّ الموت لا يعرف طريقه لمن اعتاد الخلق !

رباب كساب

5/8/2016

المقال منشور على موقع عابر في 6/8/2016


السبت، 30 يوليو، 2016

يوميات بهية (6)

قبل سنوات أربع وجدت نفسها تنكمش وتنكمش، تلعب في أطراف ضفائرها تكاد تقطعها، تكتم ابتسامة تصارع الوجود حتى لا تتحول إلى صرخة في وجه الدنيا التي اعتادت أن تدير ظهرها إليها، واصلت انكماشها واللعب في ضفائرها، وبرعونة طفلة ألقت جدائلها على وجهي وأعطتني ظهرها ثم دخلت وحدها قوقعتها واختفت، لم تعد بهية، لم تعد تأتيني بخرافاتها، بعنادها، ذهبت وذهبت معها بصيرتها، ما تراه بمرآتها، تركتني وحدي، أشعر بالوحشة، بفراغ قاتل، طال غيابها، تمنيت أنْ تمنحني فرصة أخرى، وقفت أمام بوابتها -مرآتها -وقدمت لها طلبا مدموغا مشفوعا بإمضاءات كل من تعرف ومن تُفضل، دعوت كل أحبائها ليصطفوا معي في الطابور وقفنا جميعا بلا تردد نناديها، كان معي أوراقا كثيرة وقلما سارع الجمع بتذييل الورق بحروف أسمائهم وتشفعاتهم، وانتظرنا طويلا، ثم مضوا إلى حالهم وتركوني وحدي، أعيش بلا روح، بلا بهية! ولما فرغت حِيلي عادت بعدما مَرَّ وقت طويل قبل أنْ تعود وتعود بهجتي إليِّ.

أما اليوم فأنا وهي معا داخل القوقعة، نصبر، نشاهد، نحلل ما نرى، نغرق في رسم صور لكل حدث، أو نبتعد عن كل شيء، نرقص بهيستريا، نغني بأصوات زاعقة كريهة، نسب، نلعن، نضحك وحين يشتد بي الكرب وأنا أحاول ترتيب أيامي المبعثرة واستعادة ما راح مني أجدها تتسحب وتأخذ شالي البنفسجي الذي اعتقدت أنه ضاع مني ذات شتاء وترقص على أنغام ( ألف ليلة وليلة ) ترقص مثلما كنت أفعل، تردد مع ( الست ) المقاطع من قلبها، تضغط على حروف الكلام كما كنت أفعل تماما عادت بي بهية لنفسي التي نسيتها، لم يكن الجسد حينها يطيع النغم فقط وإنما كان يُمثل الكلمة بحركته، بهية التي تغلفني بالأمل وتعطيني بعضا منقوتها تستعيدني ببطء وبروية بفعل ما كنت أحبه وتركتُه بلا أسباب تستحق.

تغيرت بهية في الآونة الأخيرة، أحسها كبرت كثيرا عما مضى، أكبر من عمرها الحقيقي – كم عمرها؟ لا أعرف حقيقة –كلما هممت بالانفعال كعادتي، بالرد على بعض الحماقات التي تطالني تمسك لساني، تعتصر غضبي، تدفع بالصمت لشراييني لأهدأ، لا أهدأ لكني أمتثل لها، هي أكثر مني خبرة، هي تعرف أكثر، لكن آتون الغضب المشتعل لا تهدأ ناره، لم أكن يوما ممن يكتمون غضبهم، سريعة الإنفعال وسريعة الرضا، أنا متعبة يا بهية، هكذا أصرخ فيها فتبتسم لي وتربت على ظهري فتطمئن روحي لما تفعل، وإن كنت لأول مرة لا أعرف كيف ستواجه وكيف ستخرج بنا من القوقعة؟!

ضَبَطتني أنظر ليديِّ، لا أعرفهما بعدما قصصت أظافري، صارت أصابعي بلا أظافر طويلة، الأظافر التي كنت أحرص عليها ليس لجمالها وإنما لأنها حصن من حصوني، معول بنائي الهام، تخلصت منها في لحظة وأنا أعمل بجد في ترتيب حياة جديدة، خفت عليها أن تتلوث، أن تتغير فأمقتها، بعض من جنوني ليس إلا، سأنتظرها لتطول من جديد على ألا أراها مريضة ضعيفة، لحظتها رمقتني بعين عجوز خبير نافذ الصبر وقالت : بقدر ما نعرف لا نعرف!

إنها بهية، المباغتة، الشقية، البراوية، المتلونة، الكبيرة، الصغيرة التي تصفع بلا صفعات، تقتل بلا دماء، تفرح بلا صوت، تبكي بلا دموع، تأنس للدنيا بلا ناس، تعرف ولا تعرف، هي البحر الذي يفخرون بتوقع ثورته وهدوئه لكنهم حقا لا يعلمون شيئا!

رباب كساب

30/7/2016

تم النشر على موقع عابر في 30/7/2016

الأحد، 17 يوليو، 2016

يوميات بهية (5)


لم أكن أدرك وجودها، سنوات مرت ولم أعرفها، لا أعرف متى ظهرت، ذات يوم وجدتها في حجرتي، تجلس أمام مرآتي، اتخذت من هذا المكان مستقرا، تحلت بصمت عجيب، الفضول يقتلني لأعرف من تكون، تشاركني كل شيء أنا التي لا أحب الشراكة، لم أعتدها سريعا، لم تكن حينها تعرف الكلام أو كانت تعرف وتصر على الصمت لأموت فضولا، معها أغرق في بحار الحيرة.

تختفي وتظهر وفي كل مرة أجدها مختلفة، تهتم بنفسها على عكسي تماما، ترعى جمالها، تتفنن في تصفيف شعرها، كل ما لا أفعله تفعله هي بمحبة غريبة لروحها، كنت أنظر إليها وأتذكر أختي التي لم تكن تفارق المرآة هي الأخرى ولا تسلم من سخريتي، بينما أُهمل وأُهمل ولا أَكف عن إهمال روحي، بدت وكأنها تُعلمني كيف هي المرأة!

تركت كل شيء وتابعتها، كل ما كانت تفعله في صمت يثير حيرتي ويدفعني لتقليدها، للمرة الأولى أفكر في تقليد أحد، ما كنت ألتفت لشيء خارج حلمي الذي كان يطاردني في صحوي أكثر من منامي.

عادت في يوم لتجدني أفعل مثلها، اِبتَسَمَتْ وهي تنظر لمرآتها – مرآتي – بعمق كأنها تأتي بالغيب ثم جلست ترتق أثوابا تسعة، تعجبت العدد، رصتهم إلى جوارها وبدأت العمل فما كان مني أنا التي أشتاق لنص جديد يحمل مني ويخبر عني أتابعها في شغف وبداخلي رغبة قوية في أن أكتبها قبل أن تسمح لي هي بذلك بعد سنوات.

كنت لحظتها أشعر بأن بلاد الحروف بعيدة، وساحات الكتابة ضيقة كثقب إبرةوقد كانت في رحابة الكون، لا أقوى على ما أحمل ولا أقدر على الخلاص، كنت ألمس دموع الليل وأعد نجوم النهار،شعرت هي بمعاناتي،ربتت على كتفي بلا كلام ونظرات عينيها تملأني إطمئنانا وثقة وتدعوني للعيشِ بملء روحي، كانت تزرع ابتسامتها في نفسي وترحل لا أعرف إلى أين لكنها تعود؛ اليوم جاءت في صمتها المعتاد تمسك بأثوابها، تعمل بهدوء، كأنها تُشكل العالم، ناديتها، لم ترد.

لم أختر اسمي لكنني أسميتها بهية، لم تعترض، أحببتها وصمتها، مَرَّ عامنا الأول معا أتخبط في حيرتي، جزعي، رهبتي، تشككي، بينما هي تفعل ما تريد بغير كلام، لم تكن تشاكسني بعد، لم تكن حينها تلقي بلفسفاتها وجملها المثيرة المجنونة، لم أكن أعرفها وفي العيد الأول جلست ترتق أثوابها التسعة، وترمم شقوق جدرانها الأربعة، تسعة أثواب وأربعة جدران، وسطور عشر، وعام وحيد هو كل العمر، لسان لم يتعلم كلامنا، فقط يتخبط في حرف الباء ويحول كل ما يريد لصرخات ودموع، أعطيتها قلما قد أفك بسحره طلاسم طلباتها، زاد الصمت حين لم أفك رموز خطوطها المتشابكة، تسعة أثواب ! وغطاء أبيض كتلك الصفحة قبل الخطوط، كتلك الذاكرة قبل أن تمتلئ بصورٍ شتى، كتلك الحنجرة قبل أنْ تصرخ لأول مرة، بحثت عنها في أحلامي كانت هناك معي نتساند على الجدران والمقاعد والأسرة، نظرت لقدميها الصغيرتين، لعينيها الواسعتين وسجلت بكاميرا هاتفي حركاتها، بدت لي على كبرها صغيرة تحبو، فرحت بخطوتها الأولى، انتظرتها طويلا لتنطق انتظرت كثيرا لتكون منا، مثلنا، وحين نَطَقَتْ كنت أنتظر أنا من يُعيدني لأمان الرحم.

رباب كساب

17/7/2016

المقال منشور على موقع عابر في 18/7/2016

السبت، 9 يوليو، 2016

يوميات بهية (4)


لا شيء يجعل بهية تترك مرآتها إلا إذا أتيتها بأمرٍ جلل، حينها تلتفت إليِّ، مرات تُعطيني دروسا، ومرات تمد يدها وتربت على كتفي، هذه الأيام وَجَدَت أنَّ دروسها لا تُجدي، حَاوَلَت استخدام طيبة مزعومة، أعرف أنها لا تجيد الحنان، لا تتقن العطف، لا تقدر على لبس ثوب الرأفة، لا تحب الضعف.

أحبها هكذا، لا يعنيني أن تكون طيبة في كون يرتع فيه الشر، يسكنه الغدر، كثيرا ماتصرخ فيِّ كارهة نقائي، قلة خبراتي، سوء تقديري، استقبالي للناس جميعا بصدر رحب، بلا تشكك، بلا حيطة، لكني أعرف أنها ستمد يدا وتنقذني حال ترنحت، أو سقطت بالفعل، هي حصني.

أتذكر كلماتها على الدوام، أتعلم، بطيئة حقا في التعلم لكني أتعلم. 

كانت تأتيني على مهل، تلقي بأسئلتها ليمرح عقلي في شكوك، في حيرة هي منشأها، فتخرق كل ستائر الراحة ولأبقى على أهبة الاستعداد لما سوف يحدث، كانت تقول في هدوء أيشعرون حقا ولهذا يسألون ؟ أم أنهم كانوا ينتظرون لحظة الاكتشاف فعجلوا بالدليل ؟

حدسها يسبقها؛ هذا كل ما أتمكن من قوله في كل مرة،ومع ذلك أتمنى لو كان حدسها كاذبا، تُعييني بهيتي حقا، أهددها دوما بأني سأكسر مرآتها إن لم تكف عن جنونها .. ولا أفعل!

أشفق عليها من سذاجتي، وأخاف أن تذوب غيمتها وأنا بعيدة على الأرض، فلا تستمع للخفي من أحاديثهم، ولا تقف لي بالمرصاد إن أوشكت على التوغل في ثناياهم.

بهيتي أنا لا أعرف كيف أواجه السيل إن ذابت غيمتك مطرا وإن هبت الريح وطارت مظلتي!

ذات مساء واجهتني بأني أعيش في صفحة كتاب، في حلم عَليِّ أن أصحو منه، أن أفيق من غفلتي، أن أواجه الناس، أن أعرفهم حق المعرفة، أن أكف عن رؤية الجميل فقط، ابتسام الناس في الواقع ليس إلا وسيلة خداع– هكذا تقول- تمزقني بكلماتها، تقتل فيِّ إحساسي، أنا التي قد أقيم حوارا مع راكبة في أتوبيس لا أعرفها، أنا التي قد أرحب بكلمة من سائق يقلني لعملي وأشعر أنه قد بتنا نعرف بعضنا بعضا، أنا التي قد أرد تحية من ناس لا أعرفهم لمجرد ابتسامة بدت مطمئنة على وجوههم، أنا أحب الناس يا بهية.

لكنها تعرف كيف تبعدني، كيف تقيم سواتر، مصدات تقيني منهم، هي التي تزرع في الروح أشواكا إن اقترب أحدهم منها مزقته، الأشواك التي لانت بعض وقت لم تغفره لي، لم تغفر لي شعورها بالألم كأنها وحدها التي تتألم! لم تسامحني وإن أبدت تعاطفا معي لا أصدقه.

عادت لتُكرهني على الصحو، على ترك الحلم، على نبذ الراحة، كان أحدهم يقول أنني أحب أن أريح عقلي، وماذا في ذلك، لا شيء أهنأ من عقل مستريح، ماذا يفيد شقاء عقلي والبراوية لا ترتاح أبدا ؟!

أحب الأحلام يا بهية، في الحلم الأمطار لا تغرقني، الرعد لا يخيفني والبرق لا يصيبني، في الحلم كل الأشياء مباحة حتى تلك التي يُحرمها عليِّالناس وبين حين وآخر يُطلقون سهام كلماتهم، في الحلم الدماء ليست حقيقية وهؤلاء الذين نودعهم القبور يخرجون ويعودون إلينا ببهجةٍ افتقدناها برحيلهم، في الحلم يرقص القلم على صفحتي البيضاء يُضاجعها بعد رقصة تانجو وضعا فيها كل الحياة فيكتب ما لا أعرف كيف يُكتَب، في الحلم تنزل ستائر مخملية حريرية وتنتثر الورود أينما حللت وصوت موسيقى يملأ جنبات الكون لأني فقط أعيش فيه، في الحلم نجاة يا بهية.

أقول ذلك ولا أنظر لعينيها حتى لا ألتقي وسهام سخريتها، وأعترف أنني بعد كل شجار أتمنى أن تصبح مثلي، وبعد كل كبوة أدعو الله أن أصبح هي!

رباب كساب

8/7/2016
المقال منشور على موقع عابر 

السبت، 2 يوليو، 2016

يوميات بهية (3)

أجلستني إلى جوارها، مجلس التلميذ من معلمه، ألقت بيدي بعيدا عن وجهي، لا تحب جلسات الهموم، كأنها لا تعرف أنه طبع من طباعي أن أسند رأسي على يدي، أخشى أن يفر منها الكلام، نهرتني، رغم أن شمسها اليوم مشرقة لم تطق مزاحي.

كانت تضع نظارتها جانبا، وتطلق لشعرها العنان، كغجرية، وصف يخص عزيز علي، كلما رأى جنون شعري نعتني به، باتت كل الشعور المنطلقة لدي كشعور غجريات الكتب والأفلام، الغريب أنها كانت تضع إلى جوار نظارتها مشطا خشبيا، هي لا تحب الأمشاط الخشبية، أنا أيضا لا أحبها، لا أعرف من أين حصلت عليه؟ بهيتي نظرت لصف الكتب الذي يجاورني وقد ازداد كتابين اليوم وضحكت.

لاحظت ارتباكي، حاولت تغيير مسار عينيها عن الكتب، عني، عن الآهة المسجونة بداخلي، حاولت أن أنهل من نور شمسها التي عادت من جديد بوعد واحد ووحيد بألا غروب بعد اليوم، لكنها تعرف أني أُمثل عليها، تعرف أني أهرب.

بهيتي التي هي أقرب للروح من الروح تعلم كل شيء، تقرأني، لقد صرخت بقوة فتحررت بينما أنا لازلت أحبس الصرخات، لازلت أكتم الكلمات، لم تقلق حين مرضت، كانت تعرف أني سأعود، لكني خيبت ظنها حين عدت بلا شيء، قالت في قوة إلقي خُفِّي حُنين وراء ظهرك، انطقي، انطلقي، الطرقات لم تُخلق مُعبَّدة، علامات السير مستحدثات، نخطئ لنعرف، نبدأ لنعود من جديد.

أنا أعرف يا بهيتي، ما أنا فيه غريب، مثلك تماما حين تستمعين إلى ما لا تفهمين وتتلذذين به، مثلما تفردين شعرك بمشط لا تحبينه وتتركينه للهواء، أو تضعينه تحت الماء لساعة وأكثر ثم تجدلينه بعنف، مثلما تشعرين بغروب شمسك إن رأيتي البنفسجي، أعرف أني غريبة يا بهية، لكن الوقت كفيل يا أنا .. الصبر بهيتي الصبر.

نظرتها الاستعدائية كانت أقوى من احتمالها، مدت يدها لقلبي اعتصرته، قالت في صوت هادر، اخترتي أن تروي عني ولي أن آمرك.

في لحظة جنون كنت سأطلق لساني بأن لا أمر، ولتعود لتغلق كل صناديق أسرارها ولتتركني وحدي.

لكني لذت بصمت أقوى وأكثر استفزازا.

أدارات لي ظهرها، التفتت لمرآتها، جلست تعيد جدل ضفائرها كأني بلا وجود.

تركتها ومددت يدي لكتاب جديد، غامت الكلمات، سقطت دمعة رغما عني، لقد فَتَحَت بابا أغلقته وعليِّ أن أجد وسيلة وحدي.

قالت ببرود : إن كنت تخشين انتهاك الذكريات فلازال قلبك ينبض.

حاولت مقاطعتها، لكنها واصلت الحديث مستهزئة: الأماكن كثر، كوني حذرة فليس عليهم تكرار المشاهد في نفس الأماكن، ليس عليهم تبديل الوجوه، الأماكن كالأشخاص تزرع بداخلنا، إما نعود إليها معا أو نعود بمفردنا.

لم أفهم شيئا، من هؤلاء الذين تتحدث عنهم؟! وما ضير قلبي الخالي إن وطأ مكانا كان له فيه ذكرى؟!

ضحكت ضحكة مائعة ثم نعتتني بالغبية البلهاء ..ورحلت!

رباب كساب
1/7/2016

نشرت بموقع عابر بتاريخ 2/7/2016

الأحد، 26 يونيو، 2016

يوميات بهية (2)


لازالت تخاصمني، تخاصم أيضا مرآتها، تلك التي كانت ترى بها كل شيء، حاولت جاهدة إرضاءها، أحايلها مرات، أباغتها بما تحب، أسمعها ما تريد، أدعوها للرقص، أعرف أنها حين ترقص تلقي بهموم الكون، تتحول لمخلوق شفاف، رقصها صلاة، رفضت بشدة كل محاولاتي، أدارت ظهرها عني، لونت حياتي بالأسود، بكيت، لم أفتح صندوقها لأنشر عنها، كنت أريد لها أن تنطلق من جديد. لكني حين ذكرتها بعفاريتها، بالفناجين، بمراحلها الاستطلاعية، التدقيقية، الاستبيانية، الإحصائية التي كنت أجلس أمامها لا أفعل شيئا والدهشة تملأني إلا تدوين ما تقول وانتظار نتائجها كتلميذ بليد يتمنى النجاح، ضَحِكَت، ضحكة أعرفها، ضحكة الصفاء الكامل، ضحكة هونت عليِّ كل ما مضى، وما كنت أعانيه منها ومن الدنيا. التفتت لمرآتها وهي التي علمتني أنَّ من اعتاد النظر للمرآة هو العاجز عن النظر في مرآة روحه، أُدرك أن مرآتها ليست كالمرايا العادية، مرآة بهية روح لا تعرف إلا النقاء، أَمسَكت بالمشط وطلبت مني أن أُمشط شعرها الطويل، دققت في ملامحها من خلال المرآة، أعرف أنها رضت، لكنها تفكر، أعرفها حين تعقل شيئا وتود الإفراج عنه. بهية البراوية التي تلتقي عندها الخيوط، هي المبتدأ، الأصل الذي لا شبيه له، أمرتني في حزم ألا أقول إلا ما سوف تفرج عنه، أسرعت بالموافقة، لا تردد مع بهية حتى ولو حملت في نفسي تردد العالم كله. تذكرت حين كانت تناديني وتلقي لي من السحاب كلمة وخيط، خيط واهٍ ضعيف، قد لا يبدو له نهاية لكنها دوما تقف سندا حين توشك على السقوط، حضنها براح! تعشق نور الشمس وضحكة القرنفل وصحبة الصيف، يتجمل لأجلها فقط الخريف فتحب أشجاره التي تلقي بحمل أوراقها لتعود أجمل وأجمل في الربيع، تسكن الحلم، وإن جاء يوما وقصفت قلم الكحل وتجرأت على قص ضفائر بطول العمر تقف شامخة تفرد قلوع مراكبها ولا تنحني لريح الغدر.

رباب كساب

26/6/2016
الموضوع منشور على موقع عابر على الرابط التالي

الاثنين، 20 يونيو، 2016

يوميات بهية (1)

هذه المرة تركت مرآتها ونظرت لي نظرة غريبة، لم أفهمها، لبهية دائما تصرفات لا أفهمها، تحيرني، تنقلني من مساحات الهدوء للاشيء، لأجدني أسيرتها، نظرتها أوقفت الكلمات، المشاعر، الحضور، كأني هواء، كأني ماء بلا طعم، بل جثة بلا روح، وضعت يديها في خصرها واندفع مدفعها يضرب طلقات متوالية، كأنها تقول لي: من أنتِ؟

أنا .... لم أكمل بل هي التي اعتلت خشبة المسرح وحدها، دون انتظار جمهور، دون انتظار أحد، هي دائما لا تنتظر أحدا، لا يهمها أحد، هي التي تضع الشروط، كيف أوافق على شيء دونها، كيف أقبل أن أحكي عنها دون أن تعرف أولا، حتى الحب، كيف أجرؤ عليه دون أن تكون هي من تحب أولا!

أنا ... تلعثمت، خرجت مني همهمات باهتة، غير مفهومة، لا تعني شيئا، في محاولة لتبرير موقفي بينما هي تمسك سوطا من كلمات تضربني بلا هوادة، تلقيت ضرباتها الموجعة في صمت، تقزمت فجأة وتقزمت فرحتي، أنا حقا لا شيء.

حاولت تذكر كيف بدأنا، كنت أنقل عنها، ما كنت أنا التي تسطر يومياتها، كانت هي، كنت فقط يدا تكتب، تدق الحروف على الحاسب، الحروف التي تدفع بها إليِّ، هي من تريد، البراوية حين تريد تفعل، وإن فَعَلت امتثلت، هي الأنا التي اختارت قبل ست سنوات أن تكون تحت القبة وفي بؤرة الرؤية وأن تنطق بما تحب، تلعب القطة العمياء، تجري وراء عربة الرش، وتمسك بالشماعة التي سرقوا الجاكت من عليها وتغني كما في الأغنية تماما وتزعق بشدة وتقول أنا بهية البراوية! وعليِّ ألا أتعجب، أن أتوقف عن دهشتي.

تفاجئني بفلسفتها، فأقف مكتومة، لا سبيل لي والفلسفة، تتحدث إلى أم بدوي وأم حلموس عن مبادئ القومية وشرف المهنة عن كيفية إرساء قواعد استقصاء اللامرئي وتحويله لسينما سكوب بالألوان! وتتعجب من عدم فهم السيدتين لها.

أنا أيضا لا أفهم، أسقط في شركها، أسكن حماها، تطمئن لي، تعرف أني لن أتمرد عليها وإن حاولت ستقمع كل ثوراتي وتتركني قانعة، ديكتاتورة كبيرة، لكني أحبها!

بهية لا تحب الكراسات ذات التسعة أسطر، ولا تلك التي بلا سطور، لم تكن تحب أن تترك سطرا للفراغ، تعلمت أن تملأ الصفحات حتى الهوامش لذا فهي لم تقبل يوما بأن تكون نصف حياة.

المقال تم نشره على موقع عابر 20/6/2016