الثلاثاء، 28 مارس، 2017

و.. هن

و.. هن
كان يوم جمعة.
 كنت وحدي؛ ساعات النهار الأولى، سويعاتي الأهم والأبقى، ممدة على سريري كالمعتاد، بين يدي كتاب، في خاطري فكرة، وإلى جواري فنجان قهوتي.
تباغتني أصواتهن كأنني أسمعهن للمرة الأولى، يتحلقن حول بائعتين محدثين جلبة، يفاصلن على السعر، البائعتان تشاركهن الثرثرة. 
كن بالأمس يسهرن سويا، يضحكن  ضحكات عالية – أزعجتني- تشق سكون الليل، كما لو أنهن يتبادلن قول نكات فاحشة، أطفالهن يلعبون ويتشاجرون، كلما علا صوت الضحكات كلما شعرت بأشواك في روحي، تؤلمني ضحكاتهن، تؤذيني زغاريدهن التي أحيانا تنطلق لأي سبب!
لا ينتهي ضجيج النسوة حتى بعد إنصراف البائعات، تضيع مني كلمات الكتاب وتتوه الأسطر، أكاد أطل عليهن من النافذة طالبة منهن الموت، كنت كنذير يحمل بين يديه سكين يقطع بها صفحات الحياة، أسير بالموت، ولا يسير ورائي داع أو مودع.
كانت أيام جمعة.
الشوارع خالية، فرضوا حظرا على التجوال لكني التقيته، لم يخبرني النهر أن على الحكاية ألا تبدأ، تركني نهري للبحر، بحر واحد ومدينتين، شاطئ وشاطئ، يد تتعلق بكم ردائي، تعلقت بقلبي، ضحكات صافية، بلا هم، بلا تمثيل النسوة الجالسات أسفل نافذتي، جدران القلعة بالمدينة القديمة ترسل لي نذيرا لم أفهمه، الكلمات التي نقشها أحدهم عليها كانت ناقوسا لم ألتفت لصوته، حدثت البحر ونسيت نهري، وقبل السَّحَر على الشاطئ الأخر بالمدينة الأخرى إنهارت كل مدن الملح السابقة، نسيت أن البحر غادر!
عرفت شفتانا طريقهما لبعضهما، في حضرة الفجر، والشمس تحارب الظلمة، كنت أحارب روحي لتستجيب، كلما هَمَّت بحل الظلام والتسلل، يحارب الليل بآخر خيوطه ليواريها، نسمات باردة تتسلل لجسدي ورغبة في الاستدفاء بحضنه يقف أمامها خجل لا يفارقني، ظل يحاول أن يفك طلاسم روحي ويقترب، أتهرب، لا ييأس، يقترب، مرة وأخرى فكان أول شعاع مع أول تذوق للحياة، طعم جديد، لأول مرة أعرف أن شفتي يمكنهما إجادة شيئا أخر غير ما اعتادتا، ذقت حلاوة يزيد شهدها بالتكرار، ظلت شفتي مخدرتين لساعات ثلاث بعدها، ورجفة تسري بين حين وأخر في جسدي كلما تذكرت تلك اللحظة التي امتزجت فيها روحي وروحه، وموج البحر يداعب رذاذه وجهينا.
كان يوم جمعة.
 كنت في شغل عن كل شيء، نسوة البيت بالمطبخ يعددن لوليمة كبيرة، تغرقن بين أواني الطهي وصنوف الطعام، بينما أبحث عن أغنيات مرحة، أغنيات لا تشبه أغنيات النسوة الضاحكات، لكنها على الأقل أغنيات مفرحة.
لم أشارك أحدًا في صنع أي شيء، وهم يفعلون لأجلي كل شيء، كنت قلقة، مشغولة بلا شيء، هو يقترب، يختلس قُبلة، أبتسم، أفرح، إنني قادرة على الفرح.
يدعوني لأن أكف عن قلقي، القلق جزء مني، يوم الجمعة يوم مثير لكل قلق الدنيا، لا أعرف لماذا اختاره ليكون يوم فرحنا، يربت على يدي، يختلس قبلة أخرى، أمي وأختي تعملان بسر البهجة فلا تعب، لا شكوى، أطفال أختي وأخي يمرحون، وحدي أتوجس خيفة، لم يكن للشك مكان في روحي، فقط أريد أن يكتمل اليوم.
خرجت من النافذة في تلك الجمعة والغضب يتطاير من عيني، هممت أن أخرس أصواتهن العالية، قبل أن أفتح فمي أطلقت عيني عليهن، توقفت الكلمات، هدأ الغضب، أنا أعرفهن جيدا، أنا أعرفهن منذ سنين، أعرفهن مذ كنت طفلة تداعبني إحداهن، أعرف حيواتهن جميعا!
تفرغ جلسة النسوة، تفرغ روحي من الأشواك، لا يكف الصغار عن لهوهم، لا شيء أفعل، أغلقت الكتاب، أمي تناوشني كالمعتاد، قبل سنين كانت تعد العدة لزيارة أمها يوم الجمعة، كنا نخرج بعد العصر في أبهى ثيابنا، تسير بنا في طريق يرعبني، كل مرة تصمم أن يكون طريقنا، لم يكن باستطاعتي عبور الكوبري وأسفله مياه ترعة لا ترد من يزورها، رغم أنها ردت أبي! لا جدة اليوم لزيارتها، لا أب، الفراغ يقتل كل لحظاتي.
كل الأغنيات التي بحثت عنها بينما نسوة البيت يعملن وبخلت بمساعدتي حين جاء موعدها لم أجدها! كان فرحا بلا موسيقى، كانت موسيقى الروح التي رقصنا عليها صاخبة، دافئة، حية، شاركني بعض ممن كن يجلسن تحت النافذة يتملقن شمس ديسمبر، رسمن ابتسامة رضا، كانت جمعة بلا حواجز، رأينني حين أحب فلم يعرفنني رغم أنني أعرفهن.
اليوم جمعة.
شجار، الحب يقف كراقص على الجمر، يلملم الروح، يرتق التصدع، لا شيء يجدي، كل الأسباب واهية، كل حروفه كيده التي تعلقت بكمي، تبدو زاهية، تبدو قوية، لكنها في الحقيقة باهتة، بلا روح، بلا شيء، كل الكلمات بلا جدوى، جمعة وراء جمعة، خلاف بعد خلاف، لا خلاص.
اليوم جمعة.
صدع كبير، يضحكن كعادتهن، يوم الفرح، شاركنني الابتسام، لا أملك مشاركتهن البكاء المر، أأحكي..؟ لا شيء يُحكى.
لحقت بهن، تاريخ واحد، ما كرهته حدث، صرت مثلهن، سطر أخر في التاريخ الطويل البائس، بقى أن أجلس وسطهن أسفل النافذة وأشاركهن، اكتفيت بأن أطل عليهن بلا غضب، بلا موت تلقيه كلماتي، مت مثلهن، أضحك ضحكة عالية، يلتفتن نحوي، يصمتن، أيفهمن؟!
اليوم جمعة.
أقترب من البحر، بلا شكوى، هادر موجه، بدا كأنه يفهم، لا يعتذر، في حماه ألقيت دروعي وسلمت، سمح لي أن أفعل، كان طيبا أكثر مما اعتدت، تركني، لم يعكس الصورة كنهري، لو اعتذر ما قبلت اعتذاره، الهاتف يرن، أحول عيني عن الموج لهاتفي، اسمه، صورته، صوته، بلا شيء، الطريق انقطع، مساحات الصفح تقلصت، أغلقت الهاتف.

ضحكة عالية.
النص منشور بعدد مارس 2017 من مجلة الثقافة الجديدة  

السبت، 3 سبتمبر، 2016

يوميات بهية (8)


بهية تلح لأذهب بها للبحر!! لماذا الآن؟! أعرف أنها تعشقه شتاء، تحبه والمطر يعانقه، تجذب ياقة البالطو الثقيل وتلف الكوفية بإحكام وتعدو من قطرات الماء القوية محاولة الاحتماء منها، وبعد أن يخف المطر تذهب للكورنيش المغسول تتأمله. وبينما كانت بهية بعيدة لا أعرف عنها كان البحر شريك أحلامي الدائم، في كل أحلامي أراه هائجا، مندفعا للبر، مغرقا كل شيء حتى أنا، أستقبل موجه العاتي بضحكة وأحيانا بخوف كبير. ..

جلست أروي لها أحلامي فذكرت لها ذاك الحلم البعيد يوم هاج الموج فأغرقني وجدتي رغم أننا كنا نجلس في شرفة بعيدة عنه، تذكرت المرأة ذات الشعر الأحمر التي لم أعرفها للآن، تلك التي جذبت يدي لبحر لم أر له مثيلا ووقفت معي صامتة على الشاطئ الذي لرماله لون شعرها حتى انتهى الحلم، وتلك الرحلة الرهيبة التي أغرق فيها البحر كل شوارع الإسكندرية وأنا أهرب من موجه فيلاحقني، احتمي بالبيوت، بالعمارات، بكل شيء ويلحق بي.

متى تركني البحر وحالي يا بهية؟

لا أذكر متى كف البحر عن ملاحقتي، لكني أعرف لماذا كف عن ملاحقتي، وفسرت كل أحلامي! نظرت لي بنظرة استعلائية كعادتها وكأنها تستكثر علي أن أعرف ولا تعرف، تجاهلت نظرتها فلا أريد أن أفتح على نفسي سيل وجع وعليها بحر تأنيب لي. حاولت أن أرجئ رغبتها في الذهاب حتى يحين موعد المطر أو على أقل تقدير حتى يأتي أكتوبر، أكتوبر شهري يا بهية. قالت لي :

"منذ متى تحبين المطر وتنتظرينه؟!"

كنت أحب المطر، كنت أخرج من مدرستي على ظهري حقيبة كتبي الثقيلة وكراسات أبلة ألطاف التي كانت تدرس لنا كل المواد، يوم أنجبت أصغر أبناءها وابتعدت في إجازة عرفت لأول مرة أن قلبي بإمكانه أن يكره، كرهت أبلة سنية قاسية القلب، دعينا منها، المطر يا بهية كان له طعما جميلا، أحببت مذاقه المالح في فمي، ومريلتي البيج التي شغلت أساورها وياقتها أبلة نورة كنت أعود بها لأمي مبللة، مرات حاولت مغافلة أمي والسير حافية كصاحبتي في الطين، بلدتنا كانت تغرق في الوحل وتنقطع الكهرباء، الليل يدفئه السحلب الذي يعده أبي، وبطاطس أمي المحمرة، كل هذا قبل أن أرتدي تلك النظارة التي لم تكن تحب المطر ولا الظريف الذي كان يطالبني بتركيب مساحات، كرهت المطر يا بهية لأني لم يكن بإمكاني خلعها، لا أستطيع تحمل آلام عيني ورأسي حين أخلعها، ولا نزلات البرد التي لا تتركني حتى الآن، هل قلت لك من قبل أني كنت أرقبه من خلف نافذتي وأكتب اسمي على الزجاج بعد أن يتكثف عليه بخار الماء من فمي وأنفي، وأمد يدي لألمسه وأشم رائحته، وفي الخلفية دائما صوت وردة تغني أوراق الورد، كانت الأمطار تنتظر بدء المسلسل المعاد لتبدأ فأعدو نحو النافذة لأمارس طقسي المفضل وأشم رائحة المطر، رائحة أرضنا، أرضنا التي كانت طيبة، كانت لها رائحة قوية جميلة حانية كلما أمطرت، لم أكن أرسم قلوبا على الزجاج بالبخار المتكثف، فقط كنت أكتب حروف اسمي حتى مللت.

حاولت أن أشغلها بالحكايات عن رغبتها في البحر حتى جاءت سيرة الرائحة فقفز لعقلي تلك الرائحة التي استوقفتني وهي، رائحة عطر امرأة كنا قد أبعدنا ناظرينا عنها بعدما رأينا لون شعرها الفاقع صفاره، للحظة نقلتنا لعالم أخر بمجرد أن اقتربت منا، قطعنا حديثنا الذي لم يكن رائقا ولا هينا، كانت تلومني كعادتها، لكنها توقفت لترقب معي في دهشة منا بقايا أنثى تتشبث بالحياة. ثم بحركة مفاجئة لكزتني بهية في كتفي وقالت:

""لا أحد يمكنه هزيمة الشمس وحدنا نحفر أنفاق هزائمنا.

نظرت إليها مستهزئة بدت لي كمن تود الحديث لمجرد الحديث أو أنها وجدت شيئا آخر تلومني بسببه، هي لا تشعر بما شعرت به، لا تعرف أن تلك المرأة التي تعرج قليلا كما لو أن قدمها قد التوت وهي تسير، المرأة التي حشرت جسدها الضئيل في بنطلونها الجينز الضيق وتلك البلوزة البيضاء القصيرة ولونت شعرها بالأصفر الفاقع قد منحتني بعطرها رغبة في الحياة. صرخت بي بهية قائلة :

"يا غبية هذا ما أقصد، الحياة لا تتوقف وأنت تسعين لتوقفها بكل جهد، بإهمالك، بثوراتك غير المحسوبة، باستسلام جسدك لأسقام لا وجود لها."

أَمسَكَتْ بأطراف أصابعها دمعة فرت مني وقالت :

"لا وقت لها."

تذكرت قولها ذات يوم ( للمتكئة على ضريح الوجد ابتسام الدنيا عارض والعوارض إلى زوال) اعتقدت غير ذلك، آملت أن تستقيم لي ولو مرة صدقت الدنيا وهي الكاذبة دوما وأنكرت على روحي صدقها. مضى الوقت بي قبل أن أدرك أن النول كان واهيا متداعيا، أمضيت الليالي والشهور أنسج عليه بدأب، كانوا يضحكون وكنت نوحا ، نجا نوح ولم أنج .. ولازالوا يضحكون!

رباب كساب

2/9/2016
المقال منشور على موقع عابر 

السبت، 6 أغسطس، 2016

يوميات بهية (7)



ضبطتني بهية أتشاجر على الأوراق، جلست أمامي مُسددة سهام نظراتها إليِّ، مُغلقة عين فاتحة الأخرى، لم تتكلم لكنني حين كنت ألتقط أنفاسي التي تتلاحق بشدة من الانفعال أجدها على تلك الشاكلة، لم يكن بي طاقة لحديثها هي الأخرى، كنت أجاهد روحي، أجاهد لحظة حنين، لحظة كان عليِّ قتلها، لذا لم تنطق وإنْ كنت أظن أنها سوف تشدني بعيدا عنها بعدما كذبت كلماتي كثيرا وأنا أكتب، كنت أدعي غير الحقيقة، كنت أظن أنني نسيت إلا أنني كنت أتناسى، لم تتركني بهيتي للحظة قاتلة قد تفتك بي وتعود بي لواقع كريه أمقته، لقد هربت بصعوبة فلا حياة مع الموت حتى ولو سُمي باسمٍ أخر.

تذكرت مقولتها التي قالتها لي قبل عام من الآن ( أكره فيّ عنادي لكنني أحبه حين يمنحني قُبلة حياة في لحظة الموت).

كان هروبي هو قُبلة الحياة، كان طوق النجاة الذي أخذ بيدي بعيدا عن شبح الموت، عن ذلك الذي يخطو فوق أشلاءك في تباهٍ واضح، مغلفا كلماته بالجمال وأحيانا باللوم والعتاب، مترنما بألحان تذوب معها كلما ترنم بها، لتكتشف في لحظة صدقٍ مع روحك أنَّه يدفنك شيئا فشيئا لا أكثر ولا أقل.

تركتني بهية أستمر في تفاهاتي واستعذاب الشوق والحنين وعند نقطة معينة أدركتها معها في نفس الوقت جذبتني بعيدا، دخلت بي من قلب اللعبة، لعبة الحنين، إنها تعرف الطريق، وتعرف إذن كيف تُخرجنا من الشرك الذي أوقعتنا أنا به.

كانت تسترجع كل مفرداتها التي تشكلت بها عبر سنوات عمرها، ترصها أمامها، لم تكن يوما بحاجة لتدوينها، تسكنها، تعيش بها لكنني ( أنا ) من كنت بحاجة لأن أحفظ وأدون جيدا.

التفتت إليِّ ذات مساء وقالت : أنتِ السبب.

لفني الخجل وأدرت عيني عنها، مرة من مرات نادرة أعرف أنني من أقتلها، لم أعتذر، لكنها تلقفت دمعتي في راحة يدها وصمتت، لم تعدني حينها بالعودة حتى مع الرجاء الذي ملأ عينيِّ، لم تعنفني، احتضنتني وكفى.

عرفت بهية كيف تأخذني حقا، تُدرك أنني أذوب حنينا لطفولة تشبعت مما حولها، كانت كاميرا عينيِّ تطبع كل الصور بسرعة مذهلة على جدران عقل عرف فيما بعد كيف يتخلص أولا بأول من كل شيء، إلا أن الصور الأولى لازالت في مكانها، موشومة على جدرانه.

قالت أتذكرين سؤالك الأهم لماذا لستِ مثلهن؟

حينها لم أكن أعلم بوجودها وكنت دوما أحار لماذا أجد غضاضة في أن أكون مثل أمي وصاحبات الدرس والجارات، كنت أغرق دائما في كل السطور التي تملأ الأوراق من حولي حتى تلك التي كانوا يلفون بها ساندويتشات فول عم أحمد الذي كنت أمر عليه يوميا فأجده يقف بقامته الطويلة وجسده الضخم يعد للناس طعامهم بلا ابتسامة واحدة رغم أنه كان يرد كل التحايا، كان ينحني كثيرا ليأخذ مني أنا الطفلة القصيرة ثمن ما أريد، كنت أحب الشراء منه رغم كراهيتي للزحام ومحله دائما مزدحما!

كثيرا ما أخذت الأوراق التي غلفت ساندويتشات الفول والطعمية لأحتفظ بها، اعتدت التفتيش في الكراكيب لأحصل على الكتب القديمة والمجلات، كان أبي يحتفظ بالروايات بينما احتفظت أمي بمجلات حواء وفينوس وبوردا كنت أنظر للباترونات وأعتبرها طلاسما وأسأل نفسي هل أم سمير الخياطة تعرف شيئا عن هذه الباترونات؟! في كل مرة أتجاهل هذه الأشياء وأبحث عن الحكايات وأنهل من روايات أبي حتى التي لم أفهمها حينها، بينما أمي تجمع الكثير من الإبر؛ إبر كثيرة لكل شيء، إبر وخيوط، حاولت مرارا أن أمسك بها أن أكون مثلها، لم أفشل! لكنني لم أحب!

لم أكن أعلم عن صاحبتي التي تشبهني، صاحبتي التي أخذتني من كل شيء من خيوط أمي وإبرها، من تحدي أبلة نبيلة مدرسة التدبير المنزلي بصنع بعض مفارش حتى لا تنظر لي نظرة فوقية كارهة وتسخر منيفأنا ابنة من علمتهم ولا أعرف كيف أمسك بإبرة، من استجداء أمي أن تصنع لي كوفية فأغلقت بابيِّ علي بضع أيام لأنهيها بينما الفتاة التي تشبهني تحثني كي لا أضيع وقتي لكنني صممت أن أصنعها، ابتعدت عني قليلا لكنها عادت بقوة، في كل مرة أتركها لأكون كالبقية تغضب قليلا لكنها تعود كأنها قدري وأنا قدرها.

وها هي الآن بالحكايات تنتشلني من لحظة ضعف، تعرف البهية أنَّ الحكايات ترياقي، وتعرف أنَّ الموت لا يعرف طريقه لمن اعتاد الخلق !

رباب كساب

5/8/2016

المقال منشور على موقع عابر في 6/8/2016


السبت، 30 يوليو، 2016

يوميات بهية (6)

قبل سنوات أربع وجدت نفسها تنكمش وتنكمش، تلعب في أطراف ضفائرها تكاد تقطعها، تكتم ابتسامة تصارع الوجود حتى لا تتحول إلى صرخة في وجه الدنيا التي اعتادت أن تدير ظهرها إليها، واصلت انكماشها واللعب في ضفائرها، وبرعونة طفلة ألقت جدائلها على وجهي وأعطتني ظهرها ثم دخلت وحدها قوقعتها واختفت، لم تعد بهية، لم تعد تأتيني بخرافاتها، بعنادها، ذهبت وذهبت معها بصيرتها، ما تراه بمرآتها، تركتني وحدي، أشعر بالوحشة، بفراغ قاتل، طال غيابها، تمنيت أنْ تمنحني فرصة أخرى، وقفت أمام بوابتها -مرآتها -وقدمت لها طلبا مدموغا مشفوعا بإمضاءات كل من تعرف ومن تُفضل، دعوت كل أحبائها ليصطفوا معي في الطابور وقفنا جميعا بلا تردد نناديها، كان معي أوراقا كثيرة وقلما سارع الجمع بتذييل الورق بحروف أسمائهم وتشفعاتهم، وانتظرنا طويلا، ثم مضوا إلى حالهم وتركوني وحدي، أعيش بلا روح، بلا بهية! ولما فرغت حِيلي عادت بعدما مَرَّ وقت طويل قبل أنْ تعود وتعود بهجتي إليِّ.

أما اليوم فأنا وهي معا داخل القوقعة، نصبر، نشاهد، نحلل ما نرى، نغرق في رسم صور لكل حدث، أو نبتعد عن كل شيء، نرقص بهيستريا، نغني بأصوات زاعقة كريهة، نسب، نلعن، نضحك وحين يشتد بي الكرب وأنا أحاول ترتيب أيامي المبعثرة واستعادة ما راح مني أجدها تتسحب وتأخذ شالي البنفسجي الذي اعتقدت أنه ضاع مني ذات شتاء وترقص على أنغام ( ألف ليلة وليلة ) ترقص مثلما كنت أفعل، تردد مع ( الست ) المقاطع من قلبها، تضغط على حروف الكلام كما كنت أفعل تماما عادت بي بهية لنفسي التي نسيتها، لم يكن الجسد حينها يطيع النغم فقط وإنما كان يُمثل الكلمة بحركته، بهية التي تغلفني بالأمل وتعطيني بعضا منقوتها تستعيدني ببطء وبروية بفعل ما كنت أحبه وتركتُه بلا أسباب تستحق.

تغيرت بهية في الآونة الأخيرة، أحسها كبرت كثيرا عما مضى، أكبر من عمرها الحقيقي – كم عمرها؟ لا أعرف حقيقة –كلما هممت بالانفعال كعادتي، بالرد على بعض الحماقات التي تطالني تمسك لساني، تعتصر غضبي، تدفع بالصمت لشراييني لأهدأ، لا أهدأ لكني أمتثل لها، هي أكثر مني خبرة، هي تعرف أكثر، لكن آتون الغضب المشتعل لا تهدأ ناره، لم أكن يوما ممن يكتمون غضبهم، سريعة الإنفعال وسريعة الرضا، أنا متعبة يا بهية، هكذا أصرخ فيها فتبتسم لي وتربت على ظهري فتطمئن روحي لما تفعل، وإن كنت لأول مرة لا أعرف كيف ستواجه وكيف ستخرج بنا من القوقعة؟!

ضَبَطتني أنظر ليديِّ، لا أعرفهما بعدما قصصت أظافري، صارت أصابعي بلا أظافر طويلة، الأظافر التي كنت أحرص عليها ليس لجمالها وإنما لأنها حصن من حصوني، معول بنائي الهام، تخلصت منها في لحظة وأنا أعمل بجد في ترتيب حياة جديدة، خفت عليها أن تتلوث، أن تتغير فأمقتها، بعض من جنوني ليس إلا، سأنتظرها لتطول من جديد على ألا أراها مريضة ضعيفة، لحظتها رمقتني بعين عجوز خبير نافذ الصبر وقالت : بقدر ما نعرف لا نعرف!

إنها بهية، المباغتة، الشقية، البراوية، المتلونة، الكبيرة، الصغيرة التي تصفع بلا صفعات، تقتل بلا دماء، تفرح بلا صوت، تبكي بلا دموع، تأنس للدنيا بلا ناس، تعرف ولا تعرف، هي البحر الذي يفخرون بتوقع ثورته وهدوئه لكنهم حقا لا يعلمون شيئا!

رباب كساب

30/7/2016

تم النشر على موقع عابر في 30/7/2016

الأحد، 17 يوليو، 2016

يوميات بهية (5)


لم أكن أدرك وجودها، سنوات مرت ولم أعرفها، لا أعرف متى ظهرت، ذات يوم وجدتها في حجرتي، تجلس أمام مرآتي، اتخذت من هذا المكان مستقرا، تحلت بصمت عجيب، الفضول يقتلني لأعرف من تكون، تشاركني كل شيء أنا التي لا أحب الشراكة، لم أعتدها سريعا، لم تكن حينها تعرف الكلام أو كانت تعرف وتصر على الصمت لأموت فضولا، معها أغرق في بحار الحيرة.

تختفي وتظهر وفي كل مرة أجدها مختلفة، تهتم بنفسها على عكسي تماما، ترعى جمالها، تتفنن في تصفيف شعرها، كل ما لا أفعله تفعله هي بمحبة غريبة لروحها، كنت أنظر إليها وأتذكر أختي التي لم تكن تفارق المرآة هي الأخرى ولا تسلم من سخريتي، بينما أُهمل وأُهمل ولا أَكف عن إهمال روحي، بدت وكأنها تُعلمني كيف هي المرأة!

تركت كل شيء وتابعتها، كل ما كانت تفعله في صمت يثير حيرتي ويدفعني لتقليدها، للمرة الأولى أفكر في تقليد أحد، ما كنت ألتفت لشيء خارج حلمي الذي كان يطاردني في صحوي أكثر من منامي.

عادت في يوم لتجدني أفعل مثلها، اِبتَسَمَتْ وهي تنظر لمرآتها – مرآتي – بعمق كأنها تأتي بالغيب ثم جلست ترتق أثوابا تسعة، تعجبت العدد، رصتهم إلى جوارها وبدأت العمل فما كان مني أنا التي أشتاق لنص جديد يحمل مني ويخبر عني أتابعها في شغف وبداخلي رغبة قوية في أن أكتبها قبل أن تسمح لي هي بذلك بعد سنوات.

كنت لحظتها أشعر بأن بلاد الحروف بعيدة، وساحات الكتابة ضيقة كثقب إبرةوقد كانت في رحابة الكون، لا أقوى على ما أحمل ولا أقدر على الخلاص، كنت ألمس دموع الليل وأعد نجوم النهار،شعرت هي بمعاناتي،ربتت على كتفي بلا كلام ونظرات عينيها تملأني إطمئنانا وثقة وتدعوني للعيشِ بملء روحي، كانت تزرع ابتسامتها في نفسي وترحل لا أعرف إلى أين لكنها تعود؛ اليوم جاءت في صمتها المعتاد تمسك بأثوابها، تعمل بهدوء، كأنها تُشكل العالم، ناديتها، لم ترد.

لم أختر اسمي لكنني أسميتها بهية، لم تعترض، أحببتها وصمتها، مَرَّ عامنا الأول معا أتخبط في حيرتي، جزعي، رهبتي، تشككي، بينما هي تفعل ما تريد بغير كلام، لم تكن تشاكسني بعد، لم تكن حينها تلقي بلفسفاتها وجملها المثيرة المجنونة، لم أكن أعرفها وفي العيد الأول جلست ترتق أثوابها التسعة، وترمم شقوق جدرانها الأربعة، تسعة أثواب وأربعة جدران، وسطور عشر، وعام وحيد هو كل العمر، لسان لم يتعلم كلامنا، فقط يتخبط في حرف الباء ويحول كل ما يريد لصرخات ودموع، أعطيتها قلما قد أفك بسحره طلاسم طلباتها، زاد الصمت حين لم أفك رموز خطوطها المتشابكة، تسعة أثواب ! وغطاء أبيض كتلك الصفحة قبل الخطوط، كتلك الذاكرة قبل أن تمتلئ بصورٍ شتى، كتلك الحنجرة قبل أنْ تصرخ لأول مرة، بحثت عنها في أحلامي كانت هناك معي نتساند على الجدران والمقاعد والأسرة، نظرت لقدميها الصغيرتين، لعينيها الواسعتين وسجلت بكاميرا هاتفي حركاتها، بدت لي على كبرها صغيرة تحبو، فرحت بخطوتها الأولى، انتظرتها طويلا لتنطق انتظرت كثيرا لتكون منا، مثلنا، وحين نَطَقَتْ كنت أنتظر أنا من يُعيدني لأمان الرحم.

رباب كساب

17/7/2016

المقال منشور على موقع عابر في 18/7/2016

السبت، 9 يوليو، 2016

يوميات بهية (4)


لا شيء يجعل بهية تترك مرآتها إلا إذا أتيتها بأمرٍ جلل، حينها تلتفت إليِّ، مرات تُعطيني دروسا، ومرات تمد يدها وتربت على كتفي، هذه الأيام وَجَدَت أنَّ دروسها لا تُجدي، حَاوَلَت استخدام طيبة مزعومة، أعرف أنها لا تجيد الحنان، لا تتقن العطف، لا تقدر على لبس ثوب الرأفة، لا تحب الضعف.

أحبها هكذا، لا يعنيني أن تكون طيبة في كون يرتع فيه الشر، يسكنه الغدر، كثيرا ماتصرخ فيِّ كارهة نقائي، قلة خبراتي، سوء تقديري، استقبالي للناس جميعا بصدر رحب، بلا تشكك، بلا حيطة، لكني أعرف أنها ستمد يدا وتنقذني حال ترنحت، أو سقطت بالفعل، هي حصني.

أتذكر كلماتها على الدوام، أتعلم، بطيئة حقا في التعلم لكني أتعلم. 

كانت تأتيني على مهل، تلقي بأسئلتها ليمرح عقلي في شكوك، في حيرة هي منشأها، فتخرق كل ستائر الراحة ولأبقى على أهبة الاستعداد لما سوف يحدث، كانت تقول في هدوء أيشعرون حقا ولهذا يسألون ؟ أم أنهم كانوا ينتظرون لحظة الاكتشاف فعجلوا بالدليل ؟

حدسها يسبقها؛ هذا كل ما أتمكن من قوله في كل مرة،ومع ذلك أتمنى لو كان حدسها كاذبا، تُعييني بهيتي حقا، أهددها دوما بأني سأكسر مرآتها إن لم تكف عن جنونها .. ولا أفعل!

أشفق عليها من سذاجتي، وأخاف أن تذوب غيمتها وأنا بعيدة على الأرض، فلا تستمع للخفي من أحاديثهم، ولا تقف لي بالمرصاد إن أوشكت على التوغل في ثناياهم.

بهيتي أنا لا أعرف كيف أواجه السيل إن ذابت غيمتك مطرا وإن هبت الريح وطارت مظلتي!

ذات مساء واجهتني بأني أعيش في صفحة كتاب، في حلم عَليِّ أن أصحو منه، أن أفيق من غفلتي، أن أواجه الناس، أن أعرفهم حق المعرفة، أن أكف عن رؤية الجميل فقط، ابتسام الناس في الواقع ليس إلا وسيلة خداع– هكذا تقول- تمزقني بكلماتها، تقتل فيِّ إحساسي، أنا التي قد أقيم حوارا مع راكبة في أتوبيس لا أعرفها، أنا التي قد أرحب بكلمة من سائق يقلني لعملي وأشعر أنه قد بتنا نعرف بعضنا بعضا، أنا التي قد أرد تحية من ناس لا أعرفهم لمجرد ابتسامة بدت مطمئنة على وجوههم، أنا أحب الناس يا بهية.

لكنها تعرف كيف تبعدني، كيف تقيم سواتر، مصدات تقيني منهم، هي التي تزرع في الروح أشواكا إن اقترب أحدهم منها مزقته، الأشواك التي لانت بعض وقت لم تغفره لي، لم تغفر لي شعورها بالألم كأنها وحدها التي تتألم! لم تسامحني وإن أبدت تعاطفا معي لا أصدقه.

عادت لتُكرهني على الصحو، على ترك الحلم، على نبذ الراحة، كان أحدهم يقول أنني أحب أن أريح عقلي، وماذا في ذلك، لا شيء أهنأ من عقل مستريح، ماذا يفيد شقاء عقلي والبراوية لا ترتاح أبدا ؟!

أحب الأحلام يا بهية، في الحلم الأمطار لا تغرقني، الرعد لا يخيفني والبرق لا يصيبني، في الحلم كل الأشياء مباحة حتى تلك التي يُحرمها عليِّالناس وبين حين وآخر يُطلقون سهام كلماتهم، في الحلم الدماء ليست حقيقية وهؤلاء الذين نودعهم القبور يخرجون ويعودون إلينا ببهجةٍ افتقدناها برحيلهم، في الحلم يرقص القلم على صفحتي البيضاء يُضاجعها بعد رقصة تانجو وضعا فيها كل الحياة فيكتب ما لا أعرف كيف يُكتَب، في الحلم تنزل ستائر مخملية حريرية وتنتثر الورود أينما حللت وصوت موسيقى يملأ جنبات الكون لأني فقط أعيش فيه، في الحلم نجاة يا بهية.

أقول ذلك ولا أنظر لعينيها حتى لا ألتقي وسهام سخريتها، وأعترف أنني بعد كل شجار أتمنى أن تصبح مثلي، وبعد كل كبوة أدعو الله أن أصبح هي!

رباب كساب

8/7/2016
المقال منشور على موقع عابر 

السبت، 2 يوليو، 2016

يوميات بهية (3)

أجلستني إلى جوارها، مجلس التلميذ من معلمه، ألقت بيدي بعيدا عن وجهي، لا تحب جلسات الهموم، كأنها لا تعرف أنه طبع من طباعي أن أسند رأسي على يدي، أخشى أن يفر منها الكلام، نهرتني، رغم أن شمسها اليوم مشرقة لم تطق مزاحي.

كانت تضع نظارتها جانبا، وتطلق لشعرها العنان، كغجرية، وصف يخص عزيز علي، كلما رأى جنون شعري نعتني به، باتت كل الشعور المنطلقة لدي كشعور غجريات الكتب والأفلام، الغريب أنها كانت تضع إلى جوار نظارتها مشطا خشبيا، هي لا تحب الأمشاط الخشبية، أنا أيضا لا أحبها، لا أعرف من أين حصلت عليه؟ بهيتي نظرت لصف الكتب الذي يجاورني وقد ازداد كتابين اليوم وضحكت.

لاحظت ارتباكي، حاولت تغيير مسار عينيها عن الكتب، عني، عن الآهة المسجونة بداخلي، حاولت أن أنهل من نور شمسها التي عادت من جديد بوعد واحد ووحيد بألا غروب بعد اليوم، لكنها تعرف أني أُمثل عليها، تعرف أني أهرب.

بهيتي التي هي أقرب للروح من الروح تعلم كل شيء، تقرأني، لقد صرخت بقوة فتحررت بينما أنا لازلت أحبس الصرخات، لازلت أكتم الكلمات، لم تقلق حين مرضت، كانت تعرف أني سأعود، لكني خيبت ظنها حين عدت بلا شيء، قالت في قوة إلقي خُفِّي حُنين وراء ظهرك، انطقي، انطلقي، الطرقات لم تُخلق مُعبَّدة، علامات السير مستحدثات، نخطئ لنعرف، نبدأ لنعود من جديد.

أنا أعرف يا بهيتي، ما أنا فيه غريب، مثلك تماما حين تستمعين إلى ما لا تفهمين وتتلذذين به، مثلما تفردين شعرك بمشط لا تحبينه وتتركينه للهواء، أو تضعينه تحت الماء لساعة وأكثر ثم تجدلينه بعنف، مثلما تشعرين بغروب شمسك إن رأيتي البنفسجي، أعرف أني غريبة يا بهية، لكن الوقت كفيل يا أنا .. الصبر بهيتي الصبر.

نظرتها الاستعدائية كانت أقوى من احتمالها، مدت يدها لقلبي اعتصرته، قالت في صوت هادر، اخترتي أن تروي عني ولي أن آمرك.

في لحظة جنون كنت سأطلق لساني بأن لا أمر، ولتعود لتغلق كل صناديق أسرارها ولتتركني وحدي.

لكني لذت بصمت أقوى وأكثر استفزازا.

أدارات لي ظهرها، التفتت لمرآتها، جلست تعيد جدل ضفائرها كأني بلا وجود.

تركتها ومددت يدي لكتاب جديد، غامت الكلمات، سقطت دمعة رغما عني، لقد فَتَحَت بابا أغلقته وعليِّ أن أجد وسيلة وحدي.

قالت ببرود : إن كنت تخشين انتهاك الذكريات فلازال قلبك ينبض.

حاولت مقاطعتها، لكنها واصلت الحديث مستهزئة: الأماكن كثر، كوني حذرة فليس عليهم تكرار المشاهد في نفس الأماكن، ليس عليهم تبديل الوجوه، الأماكن كالأشخاص تزرع بداخلنا، إما نعود إليها معا أو نعود بمفردنا.

لم أفهم شيئا، من هؤلاء الذين تتحدث عنهم؟! وما ضير قلبي الخالي إن وطأ مكانا كان له فيه ذكرى؟!

ضحكت ضحكة مائعة ثم نعتتني بالغبية البلهاء ..ورحلت!

رباب كساب
1/7/2016

نشرت بموقع عابر بتاريخ 2/7/2016

الأحد، 26 يونيو، 2016

يوميات بهية (2)


لازالت تخاصمني، تخاصم أيضا مرآتها، تلك التي كانت ترى بها كل شيء، حاولت جاهدة إرضاءها، أحايلها مرات، أباغتها بما تحب، أسمعها ما تريد، أدعوها للرقص، أعرف أنها حين ترقص تلقي بهموم الكون، تتحول لمخلوق شفاف، رقصها صلاة، رفضت بشدة كل محاولاتي، أدارت ظهرها عني، لونت حياتي بالأسود، بكيت، لم أفتح صندوقها لأنشر عنها، كنت أريد لها أن تنطلق من جديد. لكني حين ذكرتها بعفاريتها، بالفناجين، بمراحلها الاستطلاعية، التدقيقية، الاستبيانية، الإحصائية التي كنت أجلس أمامها لا أفعل شيئا والدهشة تملأني إلا تدوين ما تقول وانتظار نتائجها كتلميذ بليد يتمنى النجاح، ضَحِكَت، ضحكة أعرفها، ضحكة الصفاء الكامل، ضحكة هونت عليِّ كل ما مضى، وما كنت أعانيه منها ومن الدنيا. التفتت لمرآتها وهي التي علمتني أنَّ من اعتاد النظر للمرآة هو العاجز عن النظر في مرآة روحه، أُدرك أن مرآتها ليست كالمرايا العادية، مرآة بهية روح لا تعرف إلا النقاء، أَمسَكت بالمشط وطلبت مني أن أُمشط شعرها الطويل، دققت في ملامحها من خلال المرآة، أعرف أنها رضت، لكنها تفكر، أعرفها حين تعقل شيئا وتود الإفراج عنه. بهية البراوية التي تلتقي عندها الخيوط، هي المبتدأ، الأصل الذي لا شبيه له، أمرتني في حزم ألا أقول إلا ما سوف تفرج عنه، أسرعت بالموافقة، لا تردد مع بهية حتى ولو حملت في نفسي تردد العالم كله. تذكرت حين كانت تناديني وتلقي لي من السحاب كلمة وخيط، خيط واهٍ ضعيف، قد لا يبدو له نهاية لكنها دوما تقف سندا حين توشك على السقوط، حضنها براح! تعشق نور الشمس وضحكة القرنفل وصحبة الصيف، يتجمل لأجلها فقط الخريف فتحب أشجاره التي تلقي بحمل أوراقها لتعود أجمل وأجمل في الربيع، تسكن الحلم، وإن جاء يوما وقصفت قلم الكحل وتجرأت على قص ضفائر بطول العمر تقف شامخة تفرد قلوع مراكبها ولا تنحني لريح الغدر.

رباب كساب

26/6/2016
الموضوع منشور على موقع عابر على الرابط التالي

الاثنين، 20 يونيو، 2016

يوميات بهية (1)

هذه المرة تركت مرآتها ونظرت لي نظرة غريبة، لم أفهمها، لبهية دائما تصرفات لا أفهمها، تحيرني، تنقلني من مساحات الهدوء للاشيء، لأجدني أسيرتها، نظرتها أوقفت الكلمات، المشاعر، الحضور، كأني هواء، كأني ماء بلا طعم، بل جثة بلا روح، وضعت يديها في خصرها واندفع مدفعها يضرب طلقات متوالية، كأنها تقول لي: من أنتِ؟

أنا .... لم أكمل بل هي التي اعتلت خشبة المسرح وحدها، دون انتظار جمهور، دون انتظار أحد، هي دائما لا تنتظر أحدا، لا يهمها أحد، هي التي تضع الشروط، كيف أوافق على شيء دونها، كيف أقبل أن أحكي عنها دون أن تعرف أولا، حتى الحب، كيف أجرؤ عليه دون أن تكون هي من تحب أولا!

أنا ... تلعثمت، خرجت مني همهمات باهتة، غير مفهومة، لا تعني شيئا، في محاولة لتبرير موقفي بينما هي تمسك سوطا من كلمات تضربني بلا هوادة، تلقيت ضرباتها الموجعة في صمت، تقزمت فجأة وتقزمت فرحتي، أنا حقا لا شيء.

حاولت تذكر كيف بدأنا، كنت أنقل عنها، ما كنت أنا التي تسطر يومياتها، كانت هي، كنت فقط يدا تكتب، تدق الحروف على الحاسب، الحروف التي تدفع بها إليِّ، هي من تريد، البراوية حين تريد تفعل، وإن فَعَلت امتثلت، هي الأنا التي اختارت قبل ست سنوات أن تكون تحت القبة وفي بؤرة الرؤية وأن تنطق بما تحب، تلعب القطة العمياء، تجري وراء عربة الرش، وتمسك بالشماعة التي سرقوا الجاكت من عليها وتغني كما في الأغنية تماما وتزعق بشدة وتقول أنا بهية البراوية! وعليِّ ألا أتعجب، أن أتوقف عن دهشتي.

تفاجئني بفلسفتها، فأقف مكتومة، لا سبيل لي والفلسفة، تتحدث إلى أم بدوي وأم حلموس عن مبادئ القومية وشرف المهنة عن كيفية إرساء قواعد استقصاء اللامرئي وتحويله لسينما سكوب بالألوان! وتتعجب من عدم فهم السيدتين لها.

أنا أيضا لا أفهم، أسقط في شركها، أسكن حماها، تطمئن لي، تعرف أني لن أتمرد عليها وإن حاولت ستقمع كل ثوراتي وتتركني قانعة، ديكتاتورة كبيرة، لكني أحبها!

بهية لا تحب الكراسات ذات التسعة أسطر، ولا تلك التي بلا سطور، لم تكن تحب أن تترك سطرا للفراغ، تعلمت أن تملأ الصفحات حتى الهوامش لذا فهي لم تقبل يوما بأن تكون نصف حياة.

المقال تم نشره على موقع عابر 20/6/2016

حبيبي يسعد أوقاته

دعابة حنين

يوم الجمعة، إجازة، هي تصحو مبكرة، لا تترك لأهل الدار فرصة للاستمتاع بسويعات نوم زائدة، تظل تعمل بالمطبخ، تصل لمسامعي أصوات ارتطام الحلل والأطباق، صوت التنفيض، موتور الغسالة العادية ورجرجتها على بلاط الحمام، مرات تغير الموتور، مرات تغير الجسم الخارجي، مرات تغير حلتها الداخلية ولا مرة فكرت في شراء غسالةٍ جديدةٍ، لم تبدلها إلا حين أتت بغسالة أوتوماتيكية فتبدل وجه الحياة، وتبدلت حياتي أنا، لم أبق من طقس الغسيل إلا على محبتي لنشره، كنت أضعه على الحبال بفنٍ ممزوجٍ باستمتاعٍ عجيب، قد آخذ فيه وقتًا طويلًا بينما هي تتعجلني وقد اخترعت مهمة أخرى لها ولي، هكذا هي كامرأة عاملة في يوم الإجازة، سنوات العمر تمضي بلا إجازات حقيقية، لا مرح، لا خروج، طاحونة، مرات في الصيف كانت تلملمنا صغارا وتذهب بنا لحديقة المدينة، ألقي نظرة على الطاووس بخيلائه المزيفة، أمرح لرؤية النسناس، أفكر في محبس العصافير، ألعب بالكرة مع أخوتي، ثم أجلس بقية الساعات، تنفذ قوتي سريعًا، وأَمَّل أسرع.
إنه يوم الجمعة، يصحو على أصواتها المعتادة وحركتها التي توقظ الجميع، يسعل سعلته المعتادة، كان يدخن بشراهة، صدره كل صباح ينتفض انتفاضة العودة للحياة، يسعل مرتين، ثم يتمدد شاخصًا في الفراغ، كنت ألحق به وأستلقي إلى جواره حتى يُلقي غطاءه ويترك سريره، سيجارته الأولى في الحمام طقس يومي بصحبةِ جريدة الأمس التي لا أظن أنه ترك بها خبرًا دون قراءة!
يبدي تبرمه من جلبة الصباح التي تصنعها هي يوم الأجازة، بينما يعرف تماما أنه اليوم الوحيد الذي عليها أنْ تغسل وتمسح وترتب كل شيء وتعد طعام الأسبوع.
يترك البيت ويخرج، يعود بالعيش البلدي الساخن وأقراص الطعمية والفول، لا ينسى الجرجير، يدخل المطبخ يعد طبق فول مخصوص موقع بإمضائه، مذاقه يختلف عن أي فول أكلته، يسلق البطاطس، يحمر فصيِّ ثوم، يضع عليهما حبة طماطم معصورة يغرقها بالشطة الحمراء والملح والكمون ثم يهرس البطاطس المسلوقة على الخلطة طبق كان يسعدني رؤيته على طبلية الجمعة التي تجمعنا لوجبة واحدة جميعا.
مرات كنت أحب أن أعاند جلبتها وأظل في سريري في انتظاره، بعدما يعد كل شيء – يسعد بفعله ولا يحب أن يقوم أحد بدوره – وعلى وجهه ابتسامة محب، يجمع أحبته حوله، أحب تلك القبلة الصباحية، أعشق دلاله لي، حتى بعدما صرت أعمل كان يقف في انتظاري بالشرفة، وما إن يراني اقتربت يلوح لي وألوح له كأنا حبيبين مزقهما الشوق، يفتح لي الباب وقد أمرها أن تأتي بالغداء على الفور.  
تنفض يدها من غسيلها وتأتي لتجلس معنا، قد تفتعل شجارا كالعادة، يخمده بقول حاسم، أو تصمت وتدع ساعة النحس التي تسكن اليوم تمر دون انتصار بهزيمة ساحقة تحدث نادرا.
كثير ما بحثت في يوم الجمعة عن ساعة الإجابة، ما طلتها يوما، وما حققتها لي هي إلا نادرا حين كانت لا تستجيب لساعة النحس.
الجمع تبدلت، ما عاد، وما عدت، كل جمعة أغيب فيها أذكر نفسي أن الماضي لا يعود، حين أرجع إليها أكتشف بعد المسافة بين ما كان وما صرنا إليه، لا إفطار، غداءنا فيه ضيوف جدد، صغار لا يهتمون لشيء، لا يعبأون إلا لأنفسهم، صعب إرضاءهم، كنت أيضا صعبة الإرضاء، لكني كنت أهابه، هم لا يهابون أحد! لا أملك قدرته على التدليل، لا أملك صبره فقط لديِّ عصبيته وعصبيتها.
اليوم جمعة، صباح في مدينة مختلفة، مدينة لا تنام، لكنها يوم الجمعة مختلفة، إنه معي، يجلس بصحبتي على مقهاي، يدخن الشيشة، لم أفزع كما فزعت من قبل، اليوم لن أقول له دخن بعيدا عني، قد أشاهد معه مباراة للأهلي، لن أجعله يترك البيت ليشاهدها، أو أظل في الشرفة حتى ينتهي من المشاهدة، سآتيه أنا بالفاكهة التي يحب مثلما كان يفعل حين يرى العنب قد ظهر فيحضره لي على الفور، هل  نتبادل الأدوار؟
لا يمكنني مبادلته.. لا أملك قلبه.
الشوارع في المدينة التي لا تنام صباح الجمعة شبه خالية، أنا وهو اليوم وحدنا نسير سويا، أحب أن يستمتع معي بهذا الهدوء، بتلك النسمات الباردة، والسير وسط القاهرة الخديوية، أعرف أني سأجد سبيلا لنتحدث، وأجد لديه معلومات كالعادة، يفتح معي تاريخ المكان، يحدثني عن الطرز المعمارية الأوروبية للعمارات، يرصد معي التشوه الذي فعلته بعمارة المكان المحال التجارية الجديدة بلافتتها الضخمة غير الملائمة.
نفتقد جلبتها الصباحية، أصوات ارتطام الحلل، صوت الغسالة، نضحك، نضحك كثيرا ونحن نتذكر، على المقهى أترك له الجريدة ليحل الكلمات المتقاطعة، أخبره عن اللعبة الجديدة (السودوكو) ؛ لن أضايقه وأتلف كلماته المتقاطعة أو أسطرها في صفحة بيضاء، اشتريت لي واحدة – لم أعد أحل الكلمات المتقاطعة – وجلست بصحبة قلمي أحلها مثله، ماذا لو دخلنا سينما في شارع عماد الدين أو طلعت حرب؟!
لم أدخل سينما معه من قبل، ستغار هي غيرة لا حدود لها لو علمت، كان يقول علينا ضرتين، لم تفهم يوما هذا الحب، ولم أفهم يوما سر العداء، لم يعد هناك ما يثير بيني وبينها العداء.
اليوم الجمعة، هي تتصل بي، أظنها تحس الأمر، أعتذر عن المجيء، لدي عمل، لا تتفهم كثيرا الأمر، يحل الصمت، لا داعي لاستدعاء الساعة المنحوسة، كل المكالمات لا تستغرق أكثر من دقيقة وأحيانا تزيد قليلا.
أنا وحدي بدونهم، الشوارع التي تمنيت أن أعرفها معه ها أنا أسير بصحبته، يدي في يده، أخبرته أن مهمة عمله السنوية التي كان يسافر من أجلها القاهرة كل عام كان يقضيها بالقرب من محل سكني، وأني من هذه اللحظة لن  أجعله يحتاج شيئا، لن أجعلها تُحمله كل تلك الأطعمة التي كانت ترسله بها كما لو أنه ذاهب إلى مجاعة وليست القاهرة العامرة.
لن أؤخره عن الصلاة في رحاب الطاهرة، سأنهي جولتنا على عجل، وأذهب لأعد له وجبة شهية قبل أن أنطلق به لمناطق أحبها، أعرف أنه يحب الطعام الحريف، سجق زيزو في انتظار محبيه دائما، سأتلهف لأبرد فمي بينما هو لا يهتم فالأمر بالنسبة له عادياً.
أبحث عن مقهى أحبه بين مقاهي شارع المعز، جلسنا، طلبت قهوتي وطلب شاي خمسينة، من نظرةِ عينيه عرفت أنَّه أحب المكان وأني اخترت اختيارا صحيحا، أخبرني عن زياراتٍ سابقة للمكان، ذكر لي تاريخها، تمامًا مثلما كان يذكر لي متى وكيف فقد كتابًا لكن بغير حسرة فقد كتاب، تتهادى ذكرياته كما موج النهر.
لن أعرفه بصويحباتي، له رأي لا يتغير ( البنات تفسد بعضها البعض) سأل عنهن، ذكرت أسماءَهن، رويتُ حكاياتهن، لمحتُ في عينيه الدموع، الألم، لم أتركه يتألم نقلت دفة الحديث لموضوع أخر.
الشوارع امتلأت، ما عادت جمعة الصباح، هي تجلس الآن أمام التلفاز، تتابع برامجها المعتادة، بينما نحن نخترق الزحام في شارع 26 يوليو، يضحك وهو يتذكرها وهي تعرفه باسمه القديم شارع فؤاد.
هي أيضًا لها ذكريات حياة لسنوات أربع قضتهم في تلك المدينة، في نفس مكان إقامتي، هل أعيد التاريخ، أم أن لي من نصيب أيامهما نصيب؟!!
المساء حَلَّ قبل ساعات ولم آخذه لكل المناطق التي أحب، كنت أزور معه أماكن كثيرة أحببتها وزرت بعضها بعد ذلك وأكثرت، لكني لم أقف معه على شاطئ النيل، ها أنا معه بقرب النهر، أتت صغيرة متطفلة أعطته وردة ودعت الله أنْ يخليني له، ضحكنا، ضحكنا كثيرا.
انتهى اليوم، هل تذَّكر أنه يوم جمعة، وأنه معي؟!!
في جلسته على السرير الوحيد بالبيت كان هادئا، ثمة مسحة من نور على وجهه الأسمر، ابتسامته النادرة أضاءت محياه، أأسعدته؟ قد أكون فعلت.
 أغمض عينيه، أظنه نام، لن أوقظه!
تم نشر النص بعدد فبراير من مجلة إبداع 2016

سرير أبيض

اليوم جمعة، حجرة واسعة، سرير أبيض، انعكس نوره في عيني، وضعت حقيبتي على الأرض جانباً، توجهت للمقعد أسفل النافذة وعيناي لا تفارقان الأبيض الفسيح، لم يقل لهم أحد إني لا أحب الأَسرّة البيضاء!.
كان يوم جمعة، حجرة ضيقة، سرير أبيض صغير، ترقد عليه في وداعة، لم أكن أعرف ما بها، كل ما أذكره أني رأيتها قبل ذلك جالسة وسط نسوة كثيرات، أختي رضيعة على يدي أمي، بينما أنا أنزوي في ركن بعيد بفستاني الوردي وضفائري ذات الشرائط، لا أحد يحس بي، سمراء صغيرة قصيرة تتخفى وراء ستارة سميكة من القطيفة، أرقبهم جميعاً.
دموع كثيرة تنهمر، آهات تشق الصدور، هي كانت تلطم خديها، لونها الأبيض كان شاحباً، تردد كلمات لوم لا تنتهي لروحها فقط، لم أكن أعرف لماذا تلوم نفسها.
أخذت وقتاً طويلاً لأقترب من السرير الأبيض، وقتاً كان كافياً لأهزم قلقي، رعبي، كراهيتي، جميعهم تركوا الحياة وتركوني على سرير أبيض.
أخذت مكاناً صغيراً، وضعت الوسادة خلف ظهري، ارتكنت إلى الحائط الخلفي، وبحثت في القنوات عن فيلم قديم كالعادة، جزء مني ذهب إليها، إلى صورتها المعلقة على الحائط في غرفتها الواسعة ذات الأرضية الخشبية، كانت ترتدي «تاييراً» أخضر، وجهها الأبيض النضر ونظرتها المتعالية كانا يبعثان في نفسي الرهبة، عيناها الضيقتان كانا بعمق جب كلما صرخت بداخله غاب صوتي طويلاً حتى عاد، وجه يختلف عن ذلك الغارق في دمعه، اللائم لنفسه في نهار جمعة بعيدة.
يوم جمعة انتظر أبي أن يأتي الصبي الذي اقترب من السابعة عشرة من عمره كعادته، كنت أيضاً أنتظره، رؤياه بهجة، شيء ما يجذبني نحوه، كان في لونها لكن عينيه واسعتان، له شعر أجعد، ذقن مدببة، جبهة عريضة، روح نقية، ابتسامة عذبة، يحملني ويضحك، أضحك وأكف عن بكائي، أهدأ بصحبته.
مازلت أذكره، وأذكر يوم جاؤوا بخبر عنه، نزل أبي السلالم عدواً، شاهدته من النافذة يكمل ارتداء قميصه في الشارع وهو ينادي عليه، لم أفهم شيئاً، لكن حين جاء يوم الجمعة، كان الأسود شريكاً، البكاء والنحيب مصاحباً للجميع، الذهول أيضاً على الوجوه، أختي الرضيعة كثيرة البكاء كانت صامتة.
أما هي فقد أذابها الحزن، لم تره، لم تسمع صوته، لم تحتضنه، جاءت في طائرة من بلد آخر، أمرضتها الحسرة، فسكنت تلك الحجرة الضيقة وذلك السرير الأبيض، لأول مرة كنت ألتقي بهذا الأبيض، بدا لي لوناً رسمياً، لوناً للغربة، للمرض، للموت!.
أخذني أبي الذي ماتت ابتسامة عينيه إلى المدينة الكبيرة، كنت فرحة بركوب الحافلة، الطريق، وعمود الطعام الذي ملأته أمي بمأكولات شهية، كانت ترقد على سريرها الأبيض، لم تحس بنا، كانت بعيدة، جلسوا حولها، المكان شاحب كالمرض، انسحبت تدريجياً نحو النافذة ومنها إلى الحديقة، للورود، للأخضر، بت هناك فترة ألعب بينما هم يلتفون حولها، سألت عنه، كانوا يخفون كل شيء، يتجنبون الحديث، يمررون عبارات غريبة لا أفهمها، مرة عرجت على النادي، وجدت صورته هناك صورة كبيرة بالأبيض والأسود ، كان بطلاً للعبة من الألعاب، وقفت أمامها وشوقي إليه جعلني أحدثه، أسأله عن الغياب، عن الضحكات التي ما عادت تعرف طريقها إلينا، عن أبي الذي ما عاد أبي، كانت أصواتهم تقطع علي حديثي معه، جذبت يد أبي لأسأله عن الشريط الأسود الموضوع على طرف الصورة، ما جاءتني إجابته لكني سمعت نشيج البعض وكلمات حسرة كثيرة.
ترى لو ... ؟!! السنون بعيدة، الجمعة تلي الجمعة، ما عادت عمتي ولا عاد ولدها الذي لم يأت يوماً ليصطحبني لنلعب وسط الأخضر، ما عاد ليحملني لنعبر شريط القطار، ما كان لنا أن نعبر شريط الحياة معاً. 
السرير الفسيح المريح كان شوكاً، ذكراه وذكراها وصورة أبي الأخيرة تداهمني. كلما جلست انتفضت، اتصلت بخدمة الغرف غاضبة عليهم أن يأتوني بسرير غير الأبيض، ألقيت بكلماتي دفعة واحدة وأنا أكاد أصرخ بهم، لم يفهوا شيئاً من كلماتي التي أعدتها مراراً قبل أن يأتيني صمتهم ثم صفارة طويلة!.

المقال منشور بمجلة العربية بعدد يناير 2016

و.. هن

و.. هن كان يوم جمعة.  كنت وحدي؛ ساعات النهار الأولى، سويعاتي الأهم والأبقى، ممدة على سريري كالمعتاد، بين يدي كتاب، في خاطري فكرة، وإلى...