الجمعة، 13 يناير 2012

حضن الصفحات البيضاء


حضن الصفحات البيضاء
المقال منشور بعدد يناير 2012 من مجلة الثقافة الجديدة

فكرت طويلا قبل أن أشرع في الكتابة ثم قررت أن أكتب دون أن أفكر ، أصدق ما يخرج منا هو ما نفعله دون أن نرتب له أونضع نقاطا نسير عليها، كثيرا ما كنت أكره عناصر موضوعات التعبيرالتي كان يضعها المدرس أو المدرسة حتى نسير عليها، لماذا يصادر المدرس على أفكاري بملء سطور هو صاحب أفكارها؟

فكرت أي الأماكن هو الأقرب إلى نفسي ؟ بأيها أتعلق ؟
حجرتي وجدرانها الأربع، بكل محتوياتها، تلك التي تشهد جنوني، صراخي، غنائي،رقصي المجنون.
سريري ذلك المعذب الأبدي معي، تلك الدمعة التي تستقبلها وسادتي، البسمة التي تفاجئني حين أتذكر كلمة أو مشهدا أحبه فأواري وجهي خجلا في وسادتي وكأن هناك من سوف يراني أو كأنها عيبا أواريه.
ليالي الأرق التي أتقلب فيها وحدي عليه ضامة تلك الوسادة الحزينة كصاحبتها، كلما غضبت سكنت سريري، كلما ضاقت بي الدنيا أغلقت جدران حجرتي علي.
ومع اللاب توب بات السرير مكاني الذي لا أبرحه.
لكن أهو ما أتعلق به ؟
نظرة على العمر المتسرب مني بكامله جعلتني أقول بعمق أني لا أحب الارتباط بشيء خشية الفراق، ألم ووجع الفراق يقسمني نصفين لذا عمدت ألا تكون علاقاتي بالناس عميقة حتى لا أنقسم فمابالك بالأمكنة التي تنسانا وقد لا تعرفنا على الإطلاق، الأمكنة نتركها ولا تتركنا، أحب أن يكون لي في كل مكان حكاية، أحب أن أكون زائرة خفيفة.
قد يكون لهذا أحب وسائل المواصلات.
وبالأخص الميكروباص، عالم ضيق أربعة عشر راكبا، أربعة عشرة حكاية مرسومة في وجوههم وعلى ألسنتهم التي تلهج بما في الصدور إما في مكالمة تليفون أو بالحديث مع من يجاورهم، أحيانا تفتح حديثا مع جار الطريق دون أن تعرفه، تجد نفسك ضمن حكاية لم تكن ضلعا من أضلاعها، دون أن تشعر تصبح جزءا لا يتجزأ من نسيج كبير أدخلتك فيه الصدفة.
كل ذلك ولم أحدد بعد أي مكان أنتمي له بقلبي وعقلي على السواء، أي مكان يغمرني بفيض أسراره متى دخلته، بجل حنانه، بعظيم أثره كلما شممت رائحته؟
في الآونة الأخيرة كان لميدان التحرير ذاك الأثر، كنت أنزله وحدي دون أحد ليفيض لي بكل ما أخفاه عن غيري، كان يبوح بمكنونه وأستمتع وأبكي دون أن يهمني أن تراني عيون الناس، لكنها ذات الخشية من الفراق فالميدان بروحه سيمضي ليبقى سجين الذاكرة وسأظل وحدي في مدينتي الصغيرة بعيدة، قد أزوره فأجده خاليا من محبيه فقط سياراته وحافلاته وبائعيه لكنه لن يتذكرني، سأجده دون تلك الروح التي كانت تتعلق بأهداب الحلم الساكن أرجائه، المنبعثة من تاريخ اسمه المسطور بأمل الحرية.
ليس الميدان إذن، أكل تلك الحيرة وذلك الوجع لأصرخ بأني لا أستطيع التعلق بشيء، وأن الطرق بأشجارها التي أعشقها هي محض رفيق أتركه بعدما أمر وأتذكره ريثما أعود، أحواراتي لأشجار البوانسيانا والكافور والحور والتوت والكازورينا والصفصاف قد ذهبت أدراج الرياح كأن لم تكن وكأنهن لم يسمعنني؟!

الحقول القابعة خلف شريط القطاروأبي الجالس بينها يقرأ القرآن في نهار رمضان نلهو حوله منتظرين معه موعد آذان المغرب، طلمبة الماء التي كنا نستعذب ماءها عن غيرها، مرتع صبانا ذلك المكان الأخضر البهي ، شجر التوت الذي كنا نتسلقه ونتعلق بفروعه.
يطل عليِّ المكان من الماضي البعيد كظل فقد صاحبه فاستدار يبحث عنه ليكتشف أنه دار حول نفسه.

البحر ... أحبه لكني أخشى ماؤه ، موجه، غضبه فأجلس أناجيه من بعيد أروي له عن غدر البشر وحضن الحبيب الذي ما كان سوى بحر عالي الموج لم يرأف بخوفي فألقى بي الانهاك على شاطئ الفراق.

النيل صديقي، النيل يعني أن أقف فوق كوبري قصر النيل شتاء أرسم وجوها يمحوها الموج كل ثانية وأحكي حكايات تسبقني إليها الجنيات فتخطفها مني.

ابتسامة الموناليزا كضحكة النيل حين أخبره بأني نجحت في تحقيق هدف جديد، تلتفت لي من كل اتجاه لتقول لي مبروك أحب التمتع بها لكن وجوه البشر تحمل أكثر مما تخفي الموناليزا من أسرار فأتعلق بهم أكثر.

لا يوجد شخص على وجه الأرض ليس له مكانا أثيرا إلى نفسه ومكاني الحقيقي الذي أعشقه حد الثمالة ، حتى لأجدني عاشقة بغير عاشق، مستمتعة بآهات لذة حقيقية وجسد يتأوه وحده بغير ذكر يناجيه، المكان الذي يداعب كل حواسي فيستيقظ عقلي وقلبي ويكونا على أهبة الاستعداد هو حضن الصفحات البيضاء ، تتعلق روحي بالسطور بمشابك من ألم ، فرح ، لذة، معاناة، نجاح، دموع، لهاث.
يسكن عقلي قلب الصفحات فأجدها تقفز أمامي راغبة بي ودائما تذكرني كما أذكرها فتخلق روحي تلك الحالة التي هي قمة الحياة بل هي ذلك التعلق بين الموت والحياة أن توجد أو لا توجد، فتعدو ذاتك في أرجاء الكون مسافرة قافزة بين القطبين عابرة للقارات ، تغوص قلب البحار، متقمصة وجوه عدة تسيل بكل ما تحمل من متناقضات كلمات تغرق الوجه الأبيض بحبر المحاياة فتكون لوحة بفرشاة رسام ، تمثالا بإزميل نحات، لحنا فريدا، أدبا يمثلني يكون هو والرباب واحدا لا أكثر.


ليست هناك تعليقات:

حواري لجريدة السياسة الكويتية

رباب كساب: حان وقت تجديد دماء الساحة الأدبية أجرت الحوار شروق مدحت  تمردت على الظروف المحيطة ،رافضة الاستسلام لعادات وت...